التحرش.. كابوس يهدد المجتمع  يقويه ضعف القانون

بغداد_ متابعة

ظاهرة التحرش في المجتمع العراقي بصورة خاصة والعربي بصورة عامة باتت تحاصر المرأة من جميع الجهات ولايمكن السكوت عنها .. هذا الفعل السيئ الذي توارثته الاجيال باختلاف ثقافتها ودرجة وعيها بمدى شناعة  تلك الافعال التي تتعرض لها المرأة  من قبل الرجل وبصورة متكررة سواء كانت في الشارع او مكان العمل او حتى أماكن التبضع .

وكنتيجة لتفاقم هذه الظاهرة وبسبب الصمت الطويل بدأ الإهتمام الجاد من قبل المنظمات النسوية والاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي بإقامة حملات توعية بموضوع التحرش للنساء والرجال على حد سواء، وإصدار بيانات صحفية مناهضة لظاهرة التحرش وتشجيع النساء بالإبلاغ عن واقعة التحرش وعدم الخوف من الفضيحة، كما ان مطالبات المرأة في اغلب المجتمعات بتشريع قانون يجرم التحرش الجنسي كان دليلا قاطعا على ان هذه الظاهرة باتت مؤرقة للمرأة العربية بشكل عام  والعراقية بشكل خاص.

قال المواطن جعفر الانصاري :” لا يوجد شك في أن الاسرة تلعب دوراً مهما في ممارسة الابناء للتحرش وذلك لأنها من خلال عملية التنشئة الاجتماعية تجعله إما سوياً أو منحرفا،ً التنشئة الاجتماعية لها جناحان الأول هو التوجيه المباشر للطفل إفعل لا تفعل والجناح الثاني هو القدوة وهو أشد تأثيراً من الاول لأن الطفل رغم سنه يلاحظ ما يدور حوله، ويتأثر بها فيقلد من هم أكبر منه فيما يفعلونه أو يقولونه فإذا تقدم به السن وجدناه يفعل مثلما يفعلون خاصة إن لم يجد في الاسرة من يؤنبه ويبين له خطأه.”

وترى جمانة شهيد:”كثير من الاسباب ساعدت في تغذية هذه الظاهرة واستفحالها منها عدم لوم المتحرش على الفعل الشنيع الذي يرتكبه،  بل ان النظرة المستهجنة تتحول الى الضحية وقذفها بشتى النعوت والتهم التي تحط من شأنها وتصورها انها هي الجانية كونها خرجت من البيت , او لبست ملابس معينة.”
وبينت ” أن غالبية النساء أكّدن تعرضهنّ للتحرش في وسائط النقل أو مواقع العمل، وأنهنّ يخشين تبليغ أجهزة الشرطة القريبة من المكان خشية تعرّضهن للاتهام بأنهن السبب في ذلك.”
” الخوف من تعثر الدراسة جعل بعض الضحيات يلتزمن الصمت  ”  وهنا تقول ( ش . م)  وهي  طالبة على اعتاب التخرج من الجامعة:
” عمري 21 عاما أدرس في احدى الكليات رسبت سنة لأنني ببساطة رفضت المواعيد الغرامية التي كان يضربها لي أستاذي الفاضل، لا أحد من عائلتي يعلم بالأمر ، فقط صديقاتي، و لحسن حظي أنه لم يدرسني خلال السنة التي تلت، وإنها فضلت التنازل عن سنة من عمرها، و مثيلاتها كثيرات ، فإن أخريات رضخن للأمر الواقع سواء إختصارا للطريق أو هروبا من شبح الرسوب ، بينما لا تزال أخريات حتى الآن يعانين من المساومة، و هناك أستاذ ينتظر منهن الإجابة بنعم ، وإلا فإن النجاح سيصبح صعب المنال.”

وقال عبد الزهرة جابر(يعمل في القطاع الخاص) :”شعور الضحيات بأن الجاني عليها من قبل المتحرش  لن يجد العقاب الرادع له ، وأن رئيسها المباشر لن يستمع لها خوفا على سمعة عمله. ففي الاونة الاخيرة حصلت تحرشات في مؤسسات مختلفة، وكان شعور الضحية بان الجاني لن يعاقب كان سببا في سكوتها، اذ ليس من الوارد حسب ما نلمسه ونشاهده في دوائر الدولة عدم معاقبة المتحرش من قبل رئيسه وبذلك فسح المجال أمامه لمزيد من التجاوزات .”

وبينت استاذة الاجتماع في جامعة بغداد الدكتورة رحاب جاسم :
” انها ظاهرة خطيرة تلحق الأذى ببناتنا في الشارع ووسائط النقل والمتنزهات، أما الاسباب فمعروفة أولها ضعف الوازع الديني،  ثانياً تأخر سن الزواج و البطالة، وتعاطي المخدرات والخمور، اضافة الى  الميل المتزايد عند المرأة لعدم الاحتشام والكشف عن جسمها، ولا ينسى أن الانثى تلعب دوراً في زيادة أو تقليل مؤشر التحرش نحوها بما ترتديه، بالإضافة إلى أفلام السينما والنت، التي تشجع على هذه الظاهرة بما تعرضه .”
وأكدت ” أن صمت الكثيرات منهن على وقوع مثل هذه الحالات خشية تعرضهن للحرج الاجتماعي أو اتهامهن بالوقاحة غالباً ما يتسبب في ضياع حقوقهن في هذا المجال،والتحرش جريمة مشتركة بين الجاني والضحية، كون الضحية باتت تسمح لهؤلاء المتحرشين باستفزازها دون تبليغ اهلها وتقديم الدعاوى بخصوص ما تعرضت اليه حتى وان كان جسيما.”
واكدت” فيما يخص تبعاتها على المجتمع ان اقسى ما يعانيه المجتمع في ظل وجود هذه الظاهرة فقدان الامان المجتمعي بالنسبة للأناث ما يساهم في اجبار الاهل على عزلة الفتاة داخل البيت خوفا عليها من تعرضها للمشاكسات، وانا اعرف العديد من الفتيات اللواتي يمتلكن شهادات ولكن ذواهن منعوهن من الاختلاط في المجتمع والعمل خوفا من تعرضهن للتحرش والمعاكسات، وبذلك سيتحول المجتمع الى بؤرة خطيرة على تواجد المرأة في مؤسسات العمل والتسوق لصعوبة التنبؤ لما تتعرض اليه الفتاة في الشارع .”

ويبين المحامي نوفل عبد الرحمن العلوجي من محكمة الكرادة :
” إن أغلب النساء لا يقمن بتحريك شكوى عن جرائم تحرش تطولهن، وأرجع خشيتهن إلى ارتباط الموضوع بجوانب عشائرية، وإن الحاح مرتكب هذه الجريمة في مضايقة المرأة قد يجعلها تخرج من دائرة الصمت وتلجأ مباشرة إلى الإجراءات القانونية لأخذ حقها”.
واوضح أن “المشرّع العراقي تطرق إلى التحرش في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وأفرد له المواد (400 ، 401 ، 402) تحت عنوان الجرائم المخلة بالحياء، وعقوبتها الحبس مدة لا تزيد عن سنة أو غرامة مالية،والواقعة بحاجة إلى أدلة ، والتحرش يتضمن الكلام المخل بالحياء الذي لا ينسجم وطبيعة الأعراف المجتمعية”.
وأكد العلوجي ان ” القانون لايعترف بشكوى المرأة لحالة تحرش ألا اذا كان لديها شهود، لذلك تتعرض المرأة للتحرش اللفظي  والحسي وتبتلع النساء يوميا وعلى معدل اللحظات غالونات من سموم التحرش التي تهاجم امان المرأة وسلامتها .. فلن تتجه بشكوى لمحاكم قانونها تم تشريعه منذ 47 عاماً.”

وقال الاختصاصي في معالجة الامراض النفسية والعقلية الدكتور زين الدين الساعدي: “المتحرش مريض نفسياً الواجب علينا أن نعالجه أولاً كون معاقبته تزيد من رغبته في التحرش ،فالعامل النفسي يبقى يمارس دوره والصواب هو أن يعالج نفسياً من هذه العقدة، ومعرفة اسباب ميله إلى التحرش .”

واضاف ” اما لو انعدمت الاسباب النفسية الحقيقية التي تدفعه للتحرش وقتها سيكون تعودا وليس مرضا، وبذلك يستحق العقاب على فعلته مجتمعيا وقانونيا ،والتحرش لا يخصص بعمر معين كسن المراهقة كما هو شائع او يبدر من الشخص غير السوي وغير المثقف بشكل عام، بل  وجد ان اغلب مرتكبي التحرش من الرجال منهم في سن الاربعين وما فوق ، ومعظمهم متزوجون، وغالبا ما يشغلون مناصب قيادية محترمة .”
اما ما يخص العبء النفسي الذي يخالج الفتاة والمرأة على حد سواء عند تعرضها للتحرش فاشار الى ان:
” أغلب الفتيات اللواتي يتعرضن للتحرش  يعانين من أمراض نفسية مثل القلق ،السهر، اللامبالاة والخوف ، والتعرض للكوابيس.وعندما لا تكون المرأة المتحرش بها راضية بالأمر، فإن الأمر يصبح مطاردة ،و الإحساس بالمطاردة قد يسبب الانهيار العصبي ، خاصة إذا كانت ظروف المرأة لا تسمح لها بمغادرة مكان العمل أو الدراسة ، فإن بقيت تحت الضغط قد تصاب بانهيار، وإذا كان بإمكان المرأة المغادرة أو الهروب فإنها تصبح حذرة في علاقاتها حيث ستظل التجربة السلبية راسخة بذهنها وبداخلها ،وفي حال كانت المرأة الطالبة أو العاملة ذات شخصية هشة غير متماسكة أو ضعيفة فسيؤثر ذلك كثيرا عليها في المستقبل فقد يصل بها الأمر لرفض الارتباط بزوج ، لأنها سترى في كل الرجال صورة عن الرجل الذي تحرش بها .”

مقالات ذات صله