البصرة ماض جميل وحاضر مؤلم

باسم حسين غلب

كل شيء تبدل في هذه المدينة !! طابعها المعماري (الشناشيل) الذي ميزها عن غيرها من مدن العالم تحول اليوم الى أطلال اذ لم يعد ذلك المزيج المعماري الفريد الذي يجمع العمارة الهندية مع الفارسية وكذلك العربية بالاوربية لتكون هذه الفنون بمجملها ، نقوشا وزخارف زينتها الالوان الصارخة واضافت لها جمالاً الى جمالها موجوداً في ايامنا هذه، وما تبقى من قصور وبيوت سكنتها عوائل عريقة، اصبح آيل للسقوط والأسباب شتى، بساتين النخيل حولتها الجرافات العسكرية الى ملاجئ قتال في ثمانينيات القرن الماضي، جاءت بعدها الافواه الجائعة لتحول اشجار النخيل الى حطب تشوي به الخبز ابان تسعينيات القرن الماضي، وما تبقى من تلك البساتين قضى عليه اللسان الملحي الزاحف من الخليج بعد ان تراجعت مناسيب المياه في نهرها الوحيد (شط العرب) ذلك النهر الذي يشترك عن غير قصد بقتل الناس بسبب ما يحمله من ملوثات، تماما كما يفعل النفط المحترق اذ لا يستفاد السكان من نفط مدينتهم غير الغازات المسرطنة، … كل شيء هنا يوحي لك بالفقر والفاقة، الشوارع مدمرة، الاسواق بدائية تخلو من اي مظهر حضاري، الانهار الجميلة مكب للنفايات الكلاب السائبة تنتشر في كل مكان حتى في اكبر مستشفياتها !!، المتسولون، باعة الأرصفة العشوائيات، مقاعد الدراسة المحطمة سقوف المدارس تتهاوى تباعا فوق رؤوس التلاميذ الصغار !!. ، موانئها تعبر من خلالها العجول النافقة والبضاعة الكاسدة بعد ان كان سياح العالم يحطوا الرحال فيها ليتجولون في اسواقها العريقة ، الهنود والمغايز وسوق الصفافير ليشتروا ما يحتاجونه من بضاعة، ثم ليستمتعوا بمشاهدة البلم العشاري و (الطبكَة) ومنظر الصيادين المنتشرين على طول كورنيش شط العرب، اما الاسماء اللامعة كابن سيرين الذي اشتهر بتعبير الرؤيا وتفسير الاحلام والمبرد الذي يعد واحدا من أئمة الادب والاخبار في زمانه واسماء لامعة اخرى مثل ابن الهيثم المعروف بعلمه وبفطنته وذكائه وبمؤلفاته التي اصحبت فيما بعد موروثا علميا (عربي واسلامي) فريد لاسيما في الهندسة والرياضيات والامور الفلكية وفي غيرها من المسائل. اما مؤسس علم العروض وواضع أول معجم للعربية (الخليل ابن احمد الفراهيدي) فأصبح هو وغيره من الاسماء التي ذكرناها او التي لم نذكرها غريبة عن ابناء هذه المدينة ، وما يعرفونه عن تلك الاسماء لا يتعدى كونه عنواناً لشارع او مدرسة ابتدائية ليس إلا. في حين تحولت مجالسها الادبية الى مجالس (نفاق) ومجاملات لشاعر لا يعرف شيئاً عن العربية، حتى اصبح مربدها اسما غابت عنه الاسماءُ وفنان تشكيلي يحاول زج نفسه في وسط فني عملاق بانجازاته وباسمائه التي تركت بصمات فنيه داخل وخارج العراق، رغم افتقار المدينة الى قاعة نموذجية للعرض وهي مشكلة تواجه المسرحيون ايضا بعد ان حولت الحكومة المحلية قاعة العرض الوحيدة (بهو الادارة المحلية) الى (مول تجاري) وكأن الارض قد ضاقت بهم فلم تجد حلا لانشاء ذلك المول الا على ارض لطالما احتضنت ابداعات عالمية ممثلة بفرقة شكسبير البريطانية وعربية من قبيل مسرحية “كاسك يا وطن” واعتلى على خشبته الفنان عبد الحليم حافظ وكوكب الشرق ام كلثوم بالاضافة الى العروض والمشاركات الخليجية المختلفة. الا ان العيون مازالت تنظر الى قاعات وان كانت غير صالحة لعرض الاعمال المسرحية على انها طوق النجاة الوحيد والملاذ الاخير الذي لا يمكن للمسرحيين الاستغناء عنه، والحال ينطبق على السينمائيين ايضا فبعد ان جرفت صالات العرض (الوطني والكرنك، واطلس) وهي آخر ما تبقى من صالات العرض السينمائي، لتتحول هي الاخرى الى مولات تجارية، باتت وسيلة العرض الوحيدة للنتاج السينمائي (داتا شو)!! لتعويض النقص الحاصل، المكتبات العامة هي الاخرى نالها نفس الحيف، اذ تعرضت بعظها لاعمال سرقة وتدمير ونهب ممنهجة خسرت البصرة بسبب الافعال غير الحضارية تلك عدداً من مكتباتها العامة مثل مكتبة الفاو العامة التي تأسست سنة (19962 وتعرضت الى الدمار ابان الحرب العراقية الايرانية سنة 19980) وبعد اعادة اعمارها (1989 تعرضت مرة اخرى الى التخريب والنهب سنة 2002) وكذلك مكتبة المعقل (1967- 1990) ومكتبة الجمهورية (1974 – 1990)
اهل البصرة كانت لهم ايضا وجهة نظر لا تختلف عما ذكرناه في هذه المقدمة الموجزة، اذ يقول الناشط في المجال السينمائي (تضامن العضب) :
ان اهم ما تواجه السينما البصرية اليوم بالاضافة الى العامل الاساس (الانتاج) مشكلة قاعات العرض، فبعد احداث 2003 لم يعد هناك في البصرة شيء اسمه صالات سينما، اذ تحولت اماكن تلك الصالات بين عشية وضحاها الى مولات تجارية، اما الفنان المسرحي (مجيد حميد مال الله) فيقول : كل شيء يحتاج الى عاملين اساسيين هما: الاستقرار الامني اولاً يتزامن معه الاستقرار الاقتصادي ، اذ لا يمكن ان يكون هناك اقتصاد معافى من دون امن ولا يمكن ان يتحقق الأمن إلا من خلال وجود اقتصاد قوي، المشكلة في البصرة التي تواجهنا كطبقة مثقفة عدم وجود رعاية حقيقية من قبل الدولة للثقافة والفن، وكل ما يقدم من اعمال سينمائية ومسرحية جاءت بجهود شخصية صرفة، ويتابع قائلاً : لقد اجهزت الحكومة المحلية في البصرة على المسرح الوحيد في المدينة لتحوله الى مول تجاري وهذه خسارة حقيقية للفن المسرحي ولثقافة مدينة معروفة بارثها الثقافي والإبداعي الكبيرين، ويضيف: يبدو ان هناك استهدافاً واضحاً لكل نشاط ثقافي وبالتحديد للسينما والمسرح .
اما المواطن فاضل عبد العباس فالح فيقول :
كل شيء هنا يبعث على الأسى فالخدمات بائسة بشكل لا يوصف مع كونها مدينة ثرية بمعنى الكلمة، ويضرب مثالاً على تدني مستوى التعليم في البصرة بالقول : اضطر لشراء الملازم من المكتبات لأبنائي بسبب عدم توزيع الكتب الدراسية لهم وهذا ابسط مثال على حد وصفه، اما المواطن حسن عبود طارش (كاسب) فلا يبدو رأيه مختلفا عن رأي الآخرين وخصوصاً فيما يتعلق بالتعيلم فهو يضطر لشراء الملازم لابنائه كي يستطيعوا اكمال دراستهم لنفس السبب، ويواصل حديثه بالقول :
المشكلة لا تقتصر على التعليم فقط ، بل تشمل جميع الخدمات الصحية والثقافية والبيئية وغيرها .
هموم المواطنين ليس لها حدود بحسب المواطنين الا ان اجماعهم على عدم وجود حل لها ولو بعد حين ناجم عن الاحباط الذي اصيبوا به .

مقالات ذات صله