البر بالوالدين … واجب أخلاقي مهمش بعيد عن قدسيته

بغداد_ متابعة

البر بالوالدين مرضاة للنفس والضمير واعتراف ضمني بمكانة الوالدين في حياة الابناء ، وقد امر الله سبحانه وتعالى بالبر للوالدين في سورة الاسراء، اذ قال تعالى ( ولا تقل لهما اوف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما)، وقد جاء القول بصيغة الامر (ولا تقل لهما أفٍ)،وهذا دليل على مكانة الوالدين في الاسرة وخاصة للابناء ، الا اننا نجد العقوق من الابناء بل وجدنا في دار المسنين من ضرب امه التي حملته وارضعته وجعلت منه رجلا فكان ان رد هذا الجميل برفع يده بوجه امه ..مثل هذا الولد العاق مثواه النار .. وتحدث الينا آباء وامهات وهم يثنون على رعاية ابنائهم، فلنستمع الى الطرفين .

في دار المسنين التقينا العديد من الامهات اللواتي تحدثن بلوعة واسى عن سلوك الابناء معهن وبينت النزيلة (جميلة كامل ): “انها جاءت الى الدار بعد مشاجرات وخلاف بينها وبين ابنها الوحيد، فبعد ان زوجته ابنة اخيها نشب الخلاف بين الثلاثة، وان ابنها صار يضربها ويحطم كل اثاث البيت ، وان زوجته هي التي تدفعه لفعل ذلك، ويذهب الى اخوتي ويتحدث عني بالسوء اذ جعل اخوتي لا يحاولون نصحه او عقد الصلح بيني وبين ابني وزوجته”.

وتضيف “انها في هذه الدار منذ اكثر من عام وهي مرتاحة بعد ان ابتعدت عن ابنها وزوجته، وان الكثير يتحدث عن الخلافات بين ( الكنة وامرأة العم ) لكن مثل كنتي لا وجود لها وعلى الابن ان يكون بارا بوالدته حتى لو كانت هي على خطأ ويشهد الله انني لم اخطأ بحق ابني وهو ميسور الحال وقد استولى على الدار التي املكها”.

المسنة (آ.ح ) كانت تعمل موظفة في احدى الوزارات وهي الان متقاعدة تتحدث بالم وحسرة عن معاملة ابنها وزوجته السيئة قائلة: « بالرغم من تفانيي بتربيته وحرصي على رعايته وكنت اعمل كل امور البيت كما لا ابخل عليهم بالمال فراتبي كان كبيرا وبرغم كل عنايتي بهم سمعت زوجة ابني تقول له ( اما انا او امك في هذا البيت ) بالرغم من انه ابني الوحيد فانا ام .. مع وقف التنفيذ!”.

السبعينية سعدية جبار تصف حالها بالمتندمة على ايام ارهقتها في تربية ابنها ورعايته على أكمل وجه، وتشير الى: “ان ابنها الوحيد يضربها في كل شجار يحدث بينها وبين زوجته وقد ضربها اخر مرة اذ تعرضت الى جلطة في الدماغ مع نزيف وكادت تفقد حياتها برغم من انها ربته تربية جيدة لكن بعدما تزوج اخذت زوجته توغل صدره ضدها”.

نجد مقابل كل ذلك الجحود ونكران التربية هناك من الابناء من تلهج لهم قلوب امهاتهم بالدعوات ان يوفق الله ابناءهن وان يرضى الله عنهم ويزيدهم من بركاته فهم ابناء بررة.

وترى تماضر محمد (موظفة متقاعدة): “ان لها اربعة ابناء كلهم متزوجون وهي لا تزال صاحبة الرأي في البيت حتى بعد زواج ابنها البكر مصطفى فهو وزوجته يعاملانها بكل ود واحترام ولا يخرجان الا بعد ان يقبلا يديها، وتشيد بزوجة ابنها الموظفة التي تأخذ رأيها في كل الامور وتعدها سيدة البيت ولا يمكن مخالفة امرها»”.

وتوضح سلامة عبد الواحد ( ربة بيت): “لي ولد واحد وهو طبيب مقيم طلب مني ان اخطب له بنت على مواصفاتي لانه لا يريد ان يكدرني، وهي بهذا العمر تضحك، وتقول انها مهمة صعبة ان اخطب لابني الطبيب فقد افشل في الاختيار!، وتشيد بولدها الذي يترك كل الأمور على راحتي حتى في زواجه، وتتمنى ان تحظى بـ (كنة) جيدة تجعلني لا اندم على اختياري”.

ويقول سلمان جلال (عسكري متقاعد): “بعد وفاة زوجتي الحياة أصبحت ظلماء بعيني لأنها كانت هي نورها وقد توفيت بعد استشهاد ابني البكر، اما عن علاقتي بابني الموظف فهي اكثر من جيدة فهو كل يوم يصبح علي ويأخذ لي التحية العسكرية ويقبل يدي وهو يقول ( صباح الخير سيدي ) ،احتضنه وانا اغالب دموعي والهج بالدعاء ان يوفقه الله ويبعد عنه كل شر”.

ويبين جمال وضاح (موظف متقاعد):”اعيش مع ابنتي المتزوجة من ابن عمها التي انعم الله عليها بولد واحد فقط ، ويؤكد ابو خالد ان العم بمثابة الوالد ويجد المعاملة الحسنة والجيدة من ابن اخيه، اما ابنتي الوحيدة فهي تقوم برعايتي والاحسان اليي فاذا اشتكي من الم او علة  اسرعت بي الى الطبيب وتتابع علاجي وتسهر امام سريري لتعطيني الدواء”.

ويضيف” انا ادعو لها في كل صلاة ان يوفقها الله ويحسن اليها، واقضي اوقاتا سعيدة مع ابنها الذي يحبني حبا كبيرا واشتري له الالعاب والقصص المفيدة التي تحثه على طاعة الله والوالدين، وان حفيدي في الصف الثالث الابتدائي واقضي معه اوقاتا سعيدة واتابع دراسته على بساطتها، وانا منسجم جدا مع عائلتهم الصغيرة هذه ويتمنى لها دوام الرفعة والصحة فابنته معلمة وزوجها مهندس وهم يعيشان بيسر، مما زاد من سعادته كما انهما يرفضان اية مساعدة مالية منه ويجدان ان من واجبهما رعايته والاهتمام به” .

ولفت الباحث الاسلامي محمد الكوفي : “الى ان اول لبنة في المجتمع هي الاسرة، لذا حرص الاسلام على ان تكون الاسرة متماسكة، واولها المرأة الصالحة المؤمنة التي تحرص على بناء الاسرة فهي الام التي تربي الاطفال فاذا كانت المرأة صالحة تربي الاسرة على اسس صحيحة فهي تربيهم وتعلمهم المفاهيم القويمة والصحيحة ، وان القرآن الكريم في سورة الاسراء يصر على مخاطبة الابناء ولم نجده يحث الاباء بل كل الآيات تركز على الابناء البر والاحسان بوالديهما، وان الله سبحانه وتعالى اودع رعاية الابناء لوالديهما، وبضرورة البر والاحسان بهما، ولا نجد اية في القرآن الكريم يوصي بها الله تعالى الاباء الا الاية الكريمة ( يا ايها الذين آمنوا لا يلهيكم اولادكم واموالكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون صدق الله العظيم سورة المنافقون آية (9) ، ويؤكد القرآن الكريم على الاحسان والطاعة للوالدين فهي تنهي عن المعصية. واختتم الكوفي حديثه بوجوب الاحسان الى الوالدين حتى لو كانا كافرين والدعاء لهما ان يغفرالله لهما” .

لفتت الباحثة الاجتماعية من احدى محاكم الاحوال الشخصية في بغداد اقبال عثمان الى: “ان الخلافات التي ترد الى المحاكم اكثرها خلافات اسرية يكون احد اطرافها الرئيسة زوجة الابن والتي تطالب زوجها بترك امه او والده الدار حتى لو كانا لا مقرلهما غيرهذا السكن مما يضطر الابن صاغرا الى الطلب الى احد ابويه بالعيش في دار المسنين ، وعند اقامة احد الابوين في تلك الدارلا يقوم الابن بزيارة امه او ابيه المقيم في الدار ، مثل هذا الولد العاق لا يستحق الرحمة وان الله سوف يريه اياما قاسية مثل تلك التي مرت على والديه ، وان عقوق الوالدين قد تاتي بسبب الام  او الاب اللذين لم يحسنا تربية الاولاد وتبصيرهما بوجوب رعاية الام والاب عندما يصلان الى الشيخوخة والكبر عملا بالايات القرانية التي تحث على وجوب طاعة

الوالدين, وياتي تفكك الاسرة عادة وعدم احترام افراد العائلة لبعضهم الاخر من الزواج الثاني فينشأ الاولاد بعيدين عن تماسك الاسرة فنرى الولد يكره زوج امه كما يكره اباه ايضا ويكره زوجة ابيه كما يكره ابيه لانه تخلى عن امه، هذه المشاعر المتضاربة تورث الحقد وعدم المبالاة حيال الوالدين وعدم البر والرحمة بهما” .

مقالات ذات صله