الأزمة المالية العالمية وإنعكاساتها على النظرية الاقتصادية

د. عدنان عباس علي

بحسب تصورات ستيغلس أثارت الأزمة المالية الأخيرة الشكوك حول فرضية أساسية هيمنت على النظرية الاقتصادية لأكثر من قرنين من الزمن وآمن بها أنصار الكلاسيكية المحدثة إيماناً عميقاً: فرضية أدم سمت بوجود يد خفية تدبر عمل الأسواق وتقود عبر سعي المتنافسين إلى تحقيق مصالحهم الخاصة إلى تحقيق التوافق والتوازن بين المصلحة الذاتية ومصلحة المجتمع، أي تقود إلى تحقيق أكبر خير ورخاء للمجتمع ككل، وذلك لأن المنافسة بين أفراد المجتمع تؤدي، في نهاية المطاف، إلى استغلال الإمكانيات المادية في المجتمع بصورة رشيدة واقتصادية.

وبهذا المعنى يمكن القول إن فكرة اليد الخفية تقوم على تصور يزعم أن العائد النقدي الذي يحصل عليه الناشطون اقتصادياً يناظر النفع الاجتماعي المتحقق بفعل هذا النشاط.

بيد أن ستيغلس ينفي نجاح اليد الخفية في تحقيق النفع الاجتماعي، ويؤكد أن اليد الخفية لم تحرك ساكناً في النظام المالي في السنوات السابقة. فالأرباح الهائلة، التي حققها الجهاز المصرفي وقتذاك، لم تدر على المجتمع نفعاً كبيراً. فأنَّى لها أن تدر هذا النفع، إذا كانت اليد الخفية غير موجودة، أصلاً، في الكثير من الأسواق، كما قال ستيغلس بلهجة المستنكر.

وأكد الكثير من الاقتصاديين، المشاركين في مؤتمر أتلانتا، على أن الاقتصاديين الكلاسيكيين لبثوا، على مدى طويل من الزمن، يتحركون في عالم نظري من صنع خيالهم.

وكان أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد بنيامين فريدمان (Benjamin Friedman) قد أشار في رحاب مؤتمر الرابطة الاقتصادية الأمريكية، إلى أن الكثير من الاقتصاديين لا يدرسون العالم الذي نحيا في كنفه، بل يصورون العالم الذي يتمنون أن يعيشوا في رحابه. وهكذا، طور هؤلاء الاقتصاديون نماذج نظرية محبوكة الصنعة وغاية في التألق المنهجي، لكنها زائفة في تصويرها للعالم القائم فعلاً. فعلم الاقتصاد ينتمي إلى العلوم الاجتماعية، ولا يمكن فصله عنها والتعامل معه كما لو كان من فصيلة “علوم الفيزياء”، كما لو كان “فيزياء اقتصادية”. على الصعيد نفسه أشارت نخبة عريضة من الاقتصاديين الأمريكيين إلى أن الأزمة الراهنة ستتسبب في تغيير منظور الدراسات الاقتصادية الكلية بكل تأكيد.

فالمنظور التقليدي في النظرية الاقتصادية الكلية كان، حتى اندلاع الأزمة الأخيرة، يرى أن الصرح الاقتصادي في الدول الصناعية على أدنى تقدير يعمل بكفاءة عالية، وأن الاقتصاديين ليسوا بحاجة للاهتمام بجزئيات المسيرة الاقتصادية في هذه الدول.

بيد أن الأزمة المالية بينت بجلاء أن النظرية الاقتصادية الكلية، الدارجة في كليات الاقتصاد، تفتقر إلى نماذج اقتصادية تصور، بدقة وبنحو يسد الحاجة، أهمية المصارف والقروض المصرفية بالنسبة للقطاع الحقيقي، القطاع الإنتاجي. فالملاحظ هو أن هذه النظرية تفضل تركيز منظورها على السياسة النقدية في المقام الأول.

ويرى بنيامين فريدمان أن اهتمام النظرية الكلية، بالسياسة النقدية في المقام الأول، أي تركيزها على مسألة قيمة النقود والأسباب التي تحفز الأفراد للاحتفاظ بها وما سوى ذلك من مسائل أخرى عديدة، قد حجب عن الاقتصاديين حقيقة الخطر، الذي كان يدب في الأساس، الذي تقوم عليها أسواق المال في الدول الصناعية.

إن الواجب يحتم على الاقتصاديين أن يأخذوا بالاعتبار أن الأفراد والمشاريع لا يتخذون القرارات الرشيدة، في الكثير من الأحيان، وأن الأسواق نادراً ما تتصف بالاستقرار والتوازن. فإذا كانت النظرية الاقتصادية قد دأبت على الانطلاق من تصور يزعم أن الأسواق تميل للتوازن في الحالات العامة، فإنها أمست الآن مطالبة بأن تتخلى عن هذا التصور كلية، وأن تأخذ بالاعتبار أن هذه الأسواق نادراً ما تميل إلى الوضع التوازني، وأن فكرة التوازن الدارجة في العلوم الطبيعية لا يمكن، بأي حال من الأحوال، تطبيقها في العلوم الاقتصادية.

فالاقتصاديون من أنصار التحليل الكلاسيكي المحدث، أي الذين حاولوا تقليد التحليل الدارج في العلوم الطبيعية، ارتكبوا خطأً جوهرياً حين اعتقدوا أن فرضياتهم بشأن توازن الأسواق قد جعلتهم قادرين، على تحليل المسائل الاقتصادية تحليلاً دقيقاً، يسري على كافة الأزمنة.

فالكلاسيكية المحدثة انطلقت من فكرة “الإنسان الاقتصادي” (Homo oeconomicus)، الذي يسعى دوماً وأبداً إلى تعظيم منفعته إن كان مستهلكاً وإلى تعظيم ربحه إن كان مستثمراً، وتجاهلت، بالتالي السلوكيات البشرية الأخرى؛ أي أن الإنسان قد أمسى، في النظر الكلاسيكية المحدثة، مجرد إنسان آلي (Roboter)، لا هم له سوى تعظيم المنفعة والربح.

ومن نافلة القول الإشارة إلى إن هذا الإنسان الاقتصادي الذي دار في خلد الاقتصادي الفرنسي ليون فالراس (Leon Walras)، وهم لا وجود له على أرض الواقع.

إن الجدل الدائر حول أسباب وطرائق حل الأزمة الاقتصادية الأخيرة، يشهد على عمق الاختلافات بين المدارس الفكرية المتعارف عليها في العلوم الاقتصادية. فإذا كان البعض من الاقتصاديين قد أشاروا في سالف الزمن إلى أن نظريات جون ماينارد كينز قد أكل الدهر عليها وشرب وأنها ما عادت ذات نفع يذكر بالنسبة للتحليل الاقتصادي، يرى العديد من الاقتصاديين ضرورة التخلي عن التحليل الكلاسيكي المحدث ويطالبون بالعودة إلى نظريات جون ماينارد كينز (John Maynard Keynes) وهايمان مينسكي (Hyman Minsky)، مؤكدين على أن العودة إلى هذه النظريات تنطوي على فرص ثمينة لتفسير أسباب الأزمة الأخيرة. فهذه الأزمة لا يمكن تفسير أسبابها من خلال فرضية السلوك الرشيد، بل من خلال “الغرائز الحيوانية” “Animal Spirits”، التي يتصف بها، بحسب وجهة نظر كينز، سلوك المستثمرين في أسواق المال.

وأراد كينز، من خلال إشارته إلى الغرائز الحيوانية في مؤلفه الموسوم “النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود”، المنشور عام 1936، التأكيد على أن الحياة الاقتصادية لا يحركها الإنسان الاقتصادي، بل تحركها الغرائز الكامنة في أعماق المنتجين والمستهلكين، أي في أعماق أولئك البشر الذين نراهم مفعمين بالحيوية والنشوة تارة، ومستسلمين إلى للكآبة والقنوط ثارة أخرى.

مقالات ذات صله