اكتشاف بطء التعلم يوصل الطفل الى بر الامان    

بغداد_ متابعة

لم تسع الفرحة منى عبد عندما استقبلت مولودتها الجديدة قبل بضعة أعوام، لتبدأ برسم صورة لطفلتها والتوقعات والآمال العراض المنتظرة منها.

منى، كأي أم، كانت تترقب أن تكبر طفلتها أمامها وتتمتع بذكاء حاد وتتفوق في دراستها وفي الحياة، غير أن أحلامها تلاشت، وفق وصفها.

تقول منى “تبددت أحلامي عندما بدأت طفلتي بالنمو؛ حيث كانت بطيئة في تعلمها مقارنة بمن هم في عمرها”.

حاولت منى كثيرا مع طفلتها، غير أنها لا تتفاعل دراسيا مثل أقرانها، فضلا عن أن ذلك أثر على حبها للمدرسة.

ولدى السيدة  سميرة الشيخ طفلان تأخرا في المشي والكلام، ورغم أن بينهما فارقا في العمر يصل إلى خمسة أعوام، إلا أن صفاتهما تتشابه كثيرا، فضعف المستوى الدراسي واضح، والشرود وتشتت الانتباه يلفتان الأنظار، وعند عرضهما على الطبيب أكد أن الطفلين لديهما بطء في التعلم.

حالة فؤاد مختلفة؛ إذ لم تكن لديه معرفة بما يعرف ببطء التعلم، فقد ظل يعتقد أن طفلته تتعمد إهمال الواجبات والمذاكرة، فكان يضغط عليها لتذاكر ويوبخها بشدة، وأحيانا كان يلجأ للضرب بلا جدوى حتى أخبرته الأخصائية الاجتماعية بالمدرسة أن الطفلة لديها بطء تعلم.

ومن وجهة نظر المعلمين في بطء التعلم للطلاب، تقول معلمة الصفوف الأولى تمارا خليل، إنها من خلال عملها تلاحظ وجود حالتين أو ثلاث على الأقل يعاني أصحابها من بطء التعلم داخل الفصل، إلا أن مشكلة هؤلاء تتفاقم في ظل معاملة المعلمة لهم على أنهم مهملون أو أغبياء بينما تتحسن حالتهم كثيرا إذا وجدوا الاهتمام الكافي من الوالدين والمدرسة.

وتذكر أن هناك أخوين توأمين درستهما، وعندما علمت بصعوبة وبطء التعلم عندهما من خلال قلة التركيز وزيادة نشاطهما وعدم الرد على ما تقوله المعلمة، فحاولت الاهتمام بهما أكثر، وإعطاء نشاطات مختلفة ومجهود أكبر ووقت إضافي فشعرت بتحسنهما، ما جعلها تخبر والديهما اللذين تقبلا الفكرة وعملا على تقديم المساعدة لهما واليوم تخرجا من الجامعة وما تزال تتواصل معهما، وتحصيلهما الدراسي جيد.

من جانبه، يبين اختصاصي صعوبات التعلم ابراهيم محمد، أن صعوبات التعلم للطفل أو بطء التعلم لها أعراض عدة، ويجب متابعتها كالحركة المفرطة، وبطء استيعاب القراءة والكتابة، وتشتت الانتباه وصعوبة في الاستماع أو التفكير أو الكلام، وقد يبرز بطء التعلم في المهارات المهنية، أو يكون المستوى الدراسي منخفضا في جميع المواد تقريبا، لذا يحتاج الطفل إلى متابعة من معلم الفصل.

ويؤكد محمد أن بطء التعلم تصاحبه غالبا “مشاكل في السلوك التكيفي؛ أي مهارات الحياة اليومية والتعامل مع الأقران، والتعامل مع مواقف الحياة اليومية”.

ويقول “إن الطفل الذي يحقق أقل من 50 % من مستوى النجاح طوال العام الدراسي ويخفق في اجتياز العام الدراسي ويرسب في مادة أو أكثر هو طفل لديه بطء في التعلم، وهذا يحدث مع بذل أقصى جهد من قبل الوالدين والمعلم”.

على المعلم في هذه الحالات، وفق محمد، تصميم برامج علاجية خاصة وتعديل المناهج وطرق التدريس واستخدام الوسائل المناسبة لقدرات هذه الحالات؛ فمثلا الوسائل التعليمية يجب أن تكون كبيرة وواضحة ومتنوعة من السمعي إلى البصري إلى الحركي.

ويشير الاختصاصي التربوي حسين الساعدي، إلى أن هناك أسبابا كثيرة تجعل الطفل معرضا لصعوبة التعلم ومنها ضعف التذكر البصري، وضعف الانتباه وقصوره، وعدم القدرة على التميز، ومحدودية الذكاء.

ويؤكد أن هناك الكثير من الطلاب، للأسف، يتهربون من الدراسة والتعلم، والأهالي لا يعيرون الاهتمام بأبنائهم ولا يتعبون عليهم لذلك يخسرون التعليم.

وإن تعلموا، فيقول الساعدي  “إن الكثير من الأبناء لم يجدوا الاهتمام الكافي وغالبا لا يكملون تعليمهم الثانوي إلا بصعوبة”، منوها إلى أنه ومع البرامج العلاجية يظهرون تحسنا كبيرا، وكثير منهم ينجح في الحصول على شهادة جامعية، منوها إلى أن المكان المناسب لتعليم هؤلاء هو الفصل العادي مع بعض التعديلات في المنهج.أما معاناة أم هالة، فتتجلى في أنها لاحظت أن حركة طفلها شديدة بالإضافة إلى عدم التركيز، تقول “أردد عليه الأمر نفسه مرات عدة حتى يفهم ويستوعب ما أقول”، متابعة “عندما التحق بالمدرسة لاحظت تأخر مستواه الدراسي، وكثيرا ما تشكو المعلمة من حركته الكثيرة داخل الفصل وبطء استيعابه للشرح، ولا أدري ما إذا كان يعاني من تأخر دراسي أم بطء تعلم”. من جهتها، تقول التربوية مها الربيعي “إن بطء التعلم لا يمكن أن يصنف بمرض”، مشيرة إلى وجود عوامل كثيرة له منها؛ “الإهمال، أو ضعف البصر، أو نقص الأكسجين أثناء الحمل والولادة، أو من الإفراط في الدلع”. وتوضح أن وزارة التربية، تعمل على سن امتحانات مستوى في بداية كل عام، ومن خلال تحصيل الطالب وبعض المشاهدات من معلميه تنقل جميعها للمرشدين في المدرسة، لافتة أن المرشدين في التربية “مؤهلون ويمكن السيطرة على الطفل بطيء التعلم إن اكتشف مبكرا”. وتبين الربيعي  أن المرشدين في المدارس لديهم أدوات متخصصة يمكنها الكشف أن الطفل لديه بطء تعلم أو لا، ومن خلال بعض التمارين والاهتمام الزائد في تحصيله من خلال الرسم، أو بعض الأعمال في اليد وعرضه على أطباء عيون، واستدعاء الأهالي وشرح ما يعاني منه ابنهم، يمكن تجاوز هذه المشكلة.

وتستهجن الربيعي  “إخفاء كثير من الأهالي، لاسيما الأمهات، في اجتماع أولياء الأمور ما يعرفونه عن طفلهم من كثرة الحركة وضعف البصر، أو تأخره في المشي أو تلعثمه في النطق، على سبيل المثال”.وتشدد على أن إخفاء الحقيقة من باب الخوف على الطفل، له نتائج سلبية، فكلما اكتشف بطء التعلم في سن مبكرة تمت السيطرة عليه أسرع والحصول على النتائج المرجوة.

وفي هذا السياق يقول الاختصاصي الاجتماعي د. حسين الخزاعي أن هذه التصرفات تعود لأسباب أسرية وهي تعلق الأهل والجد والجدة بالأبناء وتشوقهم لرؤية الأحفاد واعطائهم الحنان والحب والعطف والرعاية .

الى جانب أنهم يعانون من عزلة خروج ابنائهم من عندهم، بالاضافة الى انشغال الأهل عن أبنائهم أحياناً بسبب مشاغل الحياة فيصبح الأجداد يريدون تعويضا هذا الانشغال.

ويضيف الخزاعي الى أن الحكم والموروثات الشعبية بأنه “ما أغلى من الولد الا ولد الولد يلعب دورا كبيرا في ذلك”، مبيناً أن الأحفاد يعتبرون صلة وصل بين الابن والأب.

ويشير الى أن ما يزيد الأمر تعقيدا في كثير من الأحيان أن الأهل يريدون تربية أبنائهم بثقافات وأساليب تربوية حديثة وهو ما يتعارض مع معرفة الجد والجدة وما نشأوا عليه.

في حين يذهب الاختصاصي النفسي التربوي موسى مطر الى “خطورة” اتباع مثل هذا النهج ومدى تأثيره “السلبي الكبير” على حياة الطفل بسبب تعدد التعليمات وعدم وجود نظام واحد للتربية.

ويشير الى أن الطفل حتى ينشأ يجب أن يعرف ما هو الصحيح والخاطئ وما هي الضوابط والتي هي دليل تربية، مبينا أنه في مثل تلك الحالات تكون الضوابط مكسورة ولا يوجد نموذج كونه يتلقى التوجيهات من عدة جهات.

ويضيف الخزاعي الى أن تعدد التوجيهات والإفراط في الدلال “خطر كبير” على الأسرة، منوها إلى أن على الاجداد أن يدركوا أن ما يقوم به الأهل هو من مصلحة الطفل وأن يعرفوا أن نمطهم في هذا التعامل يؤثر عليهم سلباً، لافتاً الى أن المحبة لا تكفي لتعليمهم هذه التصرفات كون الحب يكون بالرعاية والتوجيه.

ويتابع على الأجداد أيضا أن يدركوا بأن أي تدخل في تربية الطفل من أكثر من جهة “يحدث شرخا”، خصوصاً وأن الطفل يستغل هذه التصرفات في مصلحته، وهو أمر “منتشر كثيراً في مجتمعنا وينتج عنه اضطرابات سلوكية”، داعيا إلى ضرورة التنبه لهذا الأمر لأنهم في النهاية يربون جيل المستقبل والذي ستؤثر فيه طريقة التربية والتنشئة.

مقالات ذات صله