استراحة “محاربي العراق”: كرة قدم وموسيقى وشعر

بغداد – مصطفى سعدون
كانوا يحذرون بضعهم البعض من وجود قناص، إلا أن القتال الذي استمر لساعات أنساهم كلّ المخاطر، حيث تبادلوا الأدوار القتالية وحمل السلاح. وفجأة، جاءهم من الجانب الآخر نداء من القائد العسكري “كل شيء يسير على ما يرام.. العدو بدأ ينسحب إلى الخلف”. انتهت المعركة.
وقف إطلاق النار في محافظة صلاح الدين بعد ساعات من القتال العنيف والتقدّم على تنظيم “داعش” الذي يسيطر على نحو ثلث مساحة البلاد منذ حزيران عام 2014، دفع أحد الجنود إلى التفكير باستغلال الوقت للعب كرة القدم، رفاقه أيدوا فكرته، استعدوا لمباراة ولو لدقائق قليلة خلال فترة الاستراحة التي سيأخذونها مع مسك قوة أخرى زمام الحراسة في حدود المنطقة التي حرروها.
تبرع علي الفتلاوي الذي يقاتل ضمن قوة (فوج مغاوير القيادة) التابع للشرطة الاتحادية بطلب الإذن من آمره لإقامة المباراة لنصف ساعة، تعالت الأصوات المادحة بآمر الفوج الذي منحهم 20 دقيقة للانتهاء من المباراة.
إلا أن جو المعارك، والخشية من عربات “داعش” المفخخة التي يدفعها إلى المواقع العراقيّة المتأهبة، لا تسمح للجنود بخلع ملابسهم العسكرية الثقيلة.
اضطر المقاتلون إلى خلع الدروع وإخراج كرة رثة من إحدى سيارات “الهمر” العسكرية. هذه الكرة صديقتهم التي لم تفارقهم منذ أن كانوا في معسكر تدريب (النعمانية) جنوب بغداد.
قال الفتلاوي في حديث لـ”الجورنال” إن “الكرة التي ندحرجها بين اقدامنا في أوقات الاستراحة، موجودة في (الهمر) التي يتنقل بها بين منطقة وأخرى، ولدينا العشرات منها في مقرنا جنوب العاصمة بغداد”.
وأضاف “لم يجد المقاتلون أية مشكلة خلال ممارستهم هوايتهم بعد انتهاء المعارك، سوى مرة واحدة عندما اصطحبتهم الكرة عند رميها إلى مكان تكثر فيه الألغام الأرضية وتمكنوا من إزالتها بصعوبة”.
في ناحية يثرب التابعة لمحافظة صلاح الدين كانت المباراة التي أقاموها في ساحة أُهملت منذ أشهر بسبب القتال بمثابة انتصار آخر تحقق عندما مارسوا حياتهم الطبيعية رغم الخراب الذي كان حولهم من بيوت مهدمة ومخلفات القنابل المتبادلة مع تنظيم “داعش”.
لقد حوصرت آمرلي، وهي مدينة صغيرة تقع ضمن الحدود الإدارية لمحافظة صلاح نحو 83 يوماً من قبل تنظيم “داعش”، لكن القوات الأمنية العراقية وقوات الحشد الشعبي المساندة لها تمكنت في الحادي والثلاثين من آب / أغسطس عام 2014 من فك الحصار عنها بشكل كامل.
كان محمد التركماني يقاتل ضمن صفوف منظمة بدر، احدى تشكيلات الحشد الشعبي، عاد الى منزله بعد فك الحصار عن مدينته. كان يُعلق البندقية على ظهره. سار بعوده عازفاً واسمع صوته كل من مر بالقرب منه.
آنذاك، كان التركماني عندما يبدأ القتال الذي يكون في أغلب الأحيان بعد غروب الشمس يتوقف عن العزف على أوتار آلة (العود) التي اصطحبها معه من البيت إلى السواتر الترابية التي انشأها مع المقاتلين الآخرين حول المدينة.
لم تخل يديه طوال اليوم من الآلة التي يُحبذ اصدقاؤه عزفها الحزين. كل واحد منهم يكشف عن همومه ومشاعره بمجرد بدء صديقهم المقاتل بالعزف. بينما هناك آخرون يتواجدون على السواتر الأمامية لمراقبة أي هجوم محتمل عليهم. العزف الذي كان يقدمه التركماني للمقاتلين كانت فيه “شُحنة من الإيجابية التي تُحفزهم أكثر على القتال”، حسبما يقول التركماني.
وأوضح في حديث لـ”الجورنال” أن “الأجواء خلال الحرب لم تكن ايجابية رغم اننا نعيشها ونحاول اجتيازها على مضض، إلا انها تؤثر بشكل سلبي على هواياتنا، فبدلاً من ان يكون عزفي رومانسياً هادئاً، يتحول خلال المعارك إلى عزف مضطرد يبحث عن اعلاء صوت الموسيقى لا أكثر، ويبحث عن عزف حزين يناغم مآسي البلاد”.
ووفقاً للتركماني فإن “العزف في أوقات المعارك هو محاولة لإيجاد مضاد لصوت القنابل، عبر أصوات تُناغي الحياة، التي لم يعلم أحد متى يفارقها.. هذه هي الغاية من العزف، أن نصنع الحياة في ساحات الموت”.
وسيحاول التركماني البالغ من العمر (23) عاماً الانتقال الى العاصمة بغداد بعد انتهاء الأحداث التي يعيشها العراق للدخول إلى كلية الفنون الجميلة، بغية الحصول على شهادة أكاديمية في العزف على العود.
تختلف هواية ابراهيم سعد، البالغ من العمر (28) عاما، عن الآخرين، فالشاب الذي غادر بغداد الى ساحات القتال برفقة الفصائل المسلحة الموجودة في منطقة الحرية، كانت وصيته الأولى إلى أُمه الاهتمام بطيوره التي يربيها في سطح المنزل.
“أُمي كل شيء متوفر.. اعط الطيور طعامها وشرابها.. ابعدي الأطفال عنها”، هكذا غادر ابراهيم المنزل، قبل أن يتوجه الى منطقة “الكرمة” شمالي غربي العاصمة بغداد، التي تواجد فيها عشرة أيام برفقة زملائه الذين يقاتلون تنظيم “داعش”.
يعتقد سعد أن “تربية الطيور والاعتناء بها صفة انسانية يجب ان يتحلى الجميع بها، وأن لا يتخذها وسيلة للربح والتجارة، فالحياة تلونها الطيور”.
كان هذا المقاتل الشاب يهتم بالطيور الموجودة في حدائق منازل العوائل التي فرت من القتال في منطقة الكرمة، ويحاول قبل ان يتوجه إلى مكان آخر تهيئة الخبز التالف والاعشاب لهن، مع كمية كبيرة من المياه داخل إحدى العلب الكبيرة.
وعندما عاد سعد من القتال لم يجد سوى 23 من طيوره التي تركها 27، بسبب عدم تمكن والدته من الاعتناء بهن بشكل جيد، مما تسبب بموت أربعة منهن.
وأكد سعد في حديث لـ”الجورنال” أنه “سيستمر في تربية الطيور، فمن يرسل عبر السماء صواريخ تقتل الأبرياء علينا أن نواجهه بطيور تلقي السلام على الجميع”.

مقالات ذات صله