أول يوم دراسى.. ذكريات محفورة فى الذاكرة

بغداد ـ متابعة

مع بداية العام الدراسى تتجدد الذكريات حول أيام الدراسة التى مرت عليها سنوات، ولعل أول أيام الدراسة هو أكثر الأيام تعلقاً بالذاكرة، فكثيراً ما يرتبط هذا اليوم بمواقف طريفة مثلما حدث مع كثيرين، منهم سلمى علي التى شعرت بغربة شديدة لأنها المرة الأولى التى ستترك فيها والديها، وكذلك هناء التى كانت تحتضن الحذاء منذ الليل، أما احمد فيؤكد أنه لايزال يتذكر أول يوم دراسى رغم أنه كان فى أربعينيات القرن الماضى.

تقول سلمى علي : أتذكر أول يوم دراسة جيدا رغم مرور سنوات كثيرة عليه، لأنه يوم مهم جداً، ويمتد تأثيره إلى كل مراحل العمر، وأتذكر أننى ذهبت فى ذلك اليوم مع أمى وأبى وجدتى وخالتى، التى كانت تذهب بابنها أيضاً إلى مدرستى نفسها، وقد استقبلنا مدير المدرسة وكان رجلاً حنوناً، استطاع أن يمتص غضبى من الدراسة بعد انصراف أبى وأمى، خاصة أننى كنت الابنة الوحيدة لهما لسنوات طويلة، وفى أول يوم دراسى قامت المدرسة بعمل حفلة للأطفال الجدد وكان بها الأراجوز والساحر، واجتمع على مشاهدتها الطلبة وأولياء أمورهم والمعلمون.

وفى بداية كل عام دراسى كنت أحضر ملابسى الجديدة المكوية، وأعلقها بجوارى واحتضن حذائى الجديد على سريرى وظل هذا الاهتمام يرافقنى مع انتقالى من فصل دراسى إلى آخر ومن مدرسة إلى أخرى.. كانت المدرسة الابتدائية هى أحب مدرسة إلى قلبى، فقد تأثرت بها وبزملائى وبالمعلمين فيها، وكانت تهتم بالأنشطة وتنمية مهارات الأطفال، وكان المدرسون دائماً ما يعلقون على بأننى طفلة ذكية ولكن شقية.

ويقول احمد لى ذكريات مدرسية كثيرة جدا، أتذكر منها جيدا أول يوم دراسى، كان عمرى وقتها 3 سنوات، ذهبت إلى حضانة مدرسة “الامير الصغير”واستمررت فى هذه المدرسة حتى تخرجت فى المدرسة الثانوية، وكانت معى والدتى لكنها تركتنى عند الباب، وكنت سعيداً بالذهاب إلى الحضانة سعادة غامرة، لأنها كانت تمثل مرحلة نضج والخروج من باب الصغار للكبار.. مديرة الحضانة سيدة تدعى مدام محاسن ذات شخصية حازمة، أما مدرس التاريخ فى الثانوى فكان أستاذ عبدالملاك، تميز بعبقريته واحترامه وأعتبر نفسى محظوظا لأننى تتلمذت على يديه، وأتذكر أن أحد مدرسى الصف الأول الإعدادى طلب منا عمل مقارنة بين الأمثال الشعبية العراقية والإنجليزية والفرنسية، وبسببه حفظت عدداً كبيراً من الأمثال الشعبية التى أفادتنى كثيرا فى كتاباتى فيما بعد، وهو ما يؤكد أن المدرس هو القوة الاساسية فى العملية التعليمية التى تضىء عقول التلاميذ.

ويقول حسين علاء لأننى من أبناء القرى، فقد تكرر أول يوم دراسى بالنسبة لى مرتين.. الأول خاص بأول يوم فى الجامع وكانت الفكرة المسيطرة علىّ حينها هى الخوف من الشيخ وما يمكن أن يفعله معى بالعصا والفلكة.. وعلى العكس منه كان أول يوم فى مدرسة «الفوارس الابتدائية» فقد كنت أرى الالتحاق بالمدرسة أمرا مبهجا لأنها كانت عبارة عن مدرسة وحيدة ذات مبنى متميز نسبيا مقارنة ببيوت القرية المتواضعة، كما أذكرها عندما ذهبت إليها بشنطتى القماش.لكننى تكيفت سريعا مع الدراسة وكنت من المتفوقين وقد عاملتنى مدرستى ” ميساء” التى استمرت معنا كمدّرسة كشكول من الصف الأول وحتى السادس الابتدائى.. كانت تعتبرنى “روح” الفصل وأوكلت إلى العديد من المهام بسبب تفوقى وكانت تعطينى الكثير من المكافآت وعوضنى ذلك غياب المصروف الذى لم أعرفه إلا فى المرحلة الإعدادية.. أما فى المرحلة الثانوية فقد كان سلوكى الدراسى غريباً جداً، حيث كنت متفوقا فى فرعى الدراسة العلمى والأدبى وهو ما أهلنى فيما بعد لدراسة الطب، لكننى احترفت الصحافة ولم أعمل طبيبا.

وتقول نيران ذكريات أول يوم دراسى لا أستطيع نسيانها لأنها أحلى فترة فى حياتى كلها، ومدرستى كانت مميزة جدا، فمديرة المدرسة كانت الأستاذة الرائعة ماجدة موسى رحمها الله وكنت أتشوق للذهاب للمدرسة جدا، وبالرغم من ارتباطى بشدة بأهلى.. كنت أشعر عند ذهابى للمدرسة بأنى فى رحلة أو فى النادى، فالمدرسون كانوا على قدر كبير من الاحتواء والحنان والاستيعاب للأطفال فاستطعت سريعا التأقلم والاشتراك فى أنشطة المدرسة والحفلات والرحلات..

وفى أول يوم دراسى شعرت بغربة شديدة فقد كانت أول مرة أفارق ماما وبابا عدة ساعات وبدأت فى البكاء لفترة طويلة ثم شعرت فيما بعد بالهدوء وعندما لاحظوا أننى اندمجت مع زملائى تركونى وعادوا للمنزل.

أهم شىء فى تجهيز مستلزمات المدرسة هو تجهيز الشنطة التى كانت لابد أن ترتبط بشخصية بطل مسلسل كارتون ففى أول عام كانت «سلاحف النينجا» ثم « عروسة البحر» و»أحدب نوتردام» و«باربى» وكل سنة بشخصية مختلفة.

ولا أنسى استيقاظ والدتى مبكرا لتجهيز السندويتشات لى وملء الزمزمية بالماء البارد، واختيار وشراء الكشاكيل والأقلام والكتب.

ويقول علي ضياء أتذكر أول يوم دراسى جيدا وكأنه الآن رغم أنه كان فى أربعينيات القرن الماضى.. انتظرته منذ الليل وكان نومى متقطعا ومتلهفا لأذهب للمدرسة صباح اليوم التالى لأعرف كيف تكون وما شكلها خاصة،وأذكر أننى فى المرحلة الابتدائية لم يكن لدىّ أو أى من زملائى شنطة مدرسة ولم تتضح ملامح تلك الشنطة إلا فى الثانوية العامة، أما فى الابتدائية فكانت عبارة عن كيس قماش به طبق وكوب لأننا كنا نتناول غداءنا فى المدرسة وكان عبارة عن وجبة موحدة لجميع الطلبة.. كما امتدت هذه المساواة إلى الأدوات المدرسية بدءاً من الكتب وحتى الأقلام التى كنا نتسلمها من الوزارة.

أذكر احترامنا وحبنا للمدرس كما كانت المدرسة بمناهجها تقترب من مستوى التعليم الإنجليزى، وكنت من الطلاب المتفوقين.. وفى المدرسة عشقت اللغة العربية وحصص الشعر والأدب وحفظت بالفعل أجزاء كبيرة من المعلقات وتلك كانت البداية لحقل الأدب.

وتقول داليا منصور أول يوم دراسة بالنسبة لى كان ذكرى جميلة أنتظره كل عام، فكنت أضع جميع مستلزماتى على كراسى حجرتى وأضع الكتب فى الحقيبة الجديدة، ولا أنسى قيام والدى بتجليد الكتب والكشاكيل وسط فرحتى العارمة، وفيه كنت أقوم بالاستيقاظ مبكراً دون أن يوقظنى أحد من كثرة اشتياقى للذهاب للمدرسة، وأجمع كتبى وساندويتشاتى والعصير وأنطلق للمدرسة وعندما أعود أحكى لهم عن كل شىء حدث هناك بالتفصيل الممل.

مقالات ذات صله