أطباء التخدير .. نزالات مستمرة في حلبة الخطر

بغداد_ متابعة

لم تعد الطرقات السريعة بعد منتصف الليل ترعب الشاب العشريني محسن، فقد بات يعلم ان والده قد دخل في ازمة صحية جديدة، وان والدته هي من تطرق باب غرفته كي يعد نفسه لنقله على عجل إلى المستشفى القريب من منزله، فغالبا ما تداهم هذه الازمات والده في مثل هذه الأوقات العصيبة التي ينقطع فيها الناس عن التجوال وتقل سيارات الأجرة في الشوارع، وتغلق اغلب الصيدليات ابوابها ويعود المضمدون إلى بيوتهم.

بعد سماعه للطرقات على الباب، يهرع محسن محمد لارتداء ملابسه على عجل، ويحمل هاتفه الجوال ومحفظة نقوده اللتين تعود منذ تدهور صحة والده على وضعهما في مكان قريب وواضح.

بعدها يسرع نحو الشارع من اجل الحصول على سيارة أجرة يطلب من سائقها التوقف أمام البيت، ثم يساعد والده على الصعود فيها ويصطحب احد أفراد العائلة ويتوجه الجميع نحو المستشفى الحكومي القريب، هذا المشهد يكاد يتكرر مرة أو مرتين في الشهر وأحيانا أكثر من ذلك.

ويقول محمد واصفا هذه الدوامة التي وجد نفسه عالقا  فيها:

” يعاني والدي الكبير في السن من وجود حصى مختلفة الأحجام في مرارته مصحوبة بالتهاب حاد، وغالبا ما يشعر بآلام شديدة ويتقيأ كثيرا اذا ما تناول وجبة طعام كبيرة مشبعة بالدهون، وأحيانا تداهمه تلك الآلام من دون سبب معروف، وفي مثل هذا الموقف لا  نجد أمامنا غير نقله إلى المستشفى القريب من بيتنا دون اجراء اية عملية جراحية خوفا على حياته”.

ويقول مدير اعلام وزارة الصحة الدكتور احمد الرديني:” على الرغم من التقدم الواسع في مجال الطب والتكنولوجيا الا ان هناك بعض المخاطر التي تهدد الكثير من حياة المرضى نتيجة الاضطرابات المختلفة عند اجراء عملية جراحية طارئة، فاغلب الاجهزة المتعلقة بجانب التخدير كالجهاز العصبي المركزي والدورة الدموية والجهاز الهضمي تحتاج الى متابعة مسبقة قبل الخضوع الى اية عملية، فهذه الاضطرابات كارتفاع ضغط الدم المزمن لدى كبار السن قد تؤثر بشكل سلبي في عمل التخدير، اذا لم تتم السيطرة عليه مسبقا”.

ويضيف محمد واصفا معاناة والده التي سببت للعائلة المزيد من الخوف والقلق:” لقد شخص طبيب مختص وجود الحصى في مرارة والدي، واكد ان عواقبها وخيمة ما لم يعجل باستئصالها، وان العملية الجراحية الخاصة لن تستغرق اكثر من نصف ساعة، لانها ستجرى بالناظور الجراحي، ولكن والدي يخاف من التخدير العام، ولهذا بقي كل شيء مؤجلا”.

يقول محمد:” قبل نحو عام تقريبا توفي احد اقاربنا اثناء مرحلة التخدير التي تتم قبل اجراء العمليات الجراحية، ومنذ عرف والدي بالأمر بات يخشى من التخدير العام، ويعتقد انه اذا ما خضع للتخدير فانه لن يصحو بعد ذلك، وسيكون مصيره الموت المحقق”.

ويقول احمد غني نعمة المختص في تقنيات التخدير:” “نجد صعوبة في تخدير  المرضى الذين يعانون من ضغط مزمن غير مسيطر عليه اثناء العمليات الجراحية ، هناك بعض الحالات المرضية التي تحتاج الى اجراء عمليات جراحية طارئة وان كانت نسبة نجاحها ضئيلة، وهذا الامر يحدث بعد توضيح التأثير والضرر الذي سيلحق  بالمريض نتيجة التخدير العام لعائلته والحصول على موافقتهم، ولكن هناك بعض الحالات التي نلجأ فيها الى التخدير النصفي والذي يؤدي الى الفشل في اغلب الاحيان بالتالي يتحول الى التخدير العام”.

ويضيف نعمة بصوت مليء بالاسف:” كما اننا نلاقي صعوبة كبيرة في تخديرالمرضى الذين يتعرضون الى ضربة في منطقة الرأس نتيجة حادث او طلق ناري حيث  يصعب

وصول المخدر الى الدماغ،  وبالتالي لايصل المريض الى حالة تامة من التخدير”.

ويضيف محمد بحيرة وقلق:” عذر والدي انه كبير في السن ومن المواظبين على التدخين بشراهة منذ سنوات طويلة جدا، وقد نصحه احد الجراحين بترك التدخين لمدة اسبوعين كي تتم العملية بنجاح، لكن والدي لم يقتنع بتلك النصيحة متحججا بالخوف من الموت اثناء التخدير العام، وربما كان عشقه الذي لا يصدق للتدخين هو السبب الرئيس في تقاعسه عن اجراء العملية”.

ويؤكد الرديني:” تختلف الحالة المرضية ومدى احتياجها الى اجراء عملية طارئة من مريض الى آخر، كما ان هناك انواعا عديدة من التخدير كالتخدير العام والنصفي الذي يعتمد على تخدير الاطراف لاجراء العملية الجراحية اللازمة، ولكن في بعض الاحيان يلجأ الطبيب الى اجراء تخدير مناطقي للمنطقة المراد اجراء عملية فيها  للمرضى الذين يعانون من التهاب القصبات المزمن،  وذلك لان التخدير العام يدخل الجسم في حالة غيبوبة كلية مقصودة لاسباب جراحية والخطورة على حياة المريض تتمثل ليس نتيجة العقاقير المخدرة اذ لا يوجد مريض لايمكن اعطاؤه مخدرا ولكن …

ويكمل الجملة احمد غني نعمة المختص في تقنيات التخدير:” ستؤثر الاضطرابات المختلفة التي يعاني منها المريض بشكل سلبي في عمل التخدير او الادوية التي يتناولها المريض والتي يمكن ان تتفاعل مع التخدير وتؤدي الى حالة نزيف تشكل خطرا على حياته ، لذلك نحتاج الى ضبط كل هذه الاضطرابات قبل الشروع بعملية التخدير، فطبيب التخدير يجب ان يكون على دراية كاملة بحالة المريض، فهناك ادوية تخدير واخرى مساندة لها وكل هذه العقاقير تعتمد على حالة جسم المريض ومدى تقبله لهذه العقاقير، فكل انسان تختلف فسلجته من الناحية الجسمية من شخص الى اخر فعلى سبيل المثال الزائدة الدودية من العمليات التي يمكن اجراؤها تحت تأثير التخدير الموضعي واغلبها تتم بنجاح ولكن في بعض الحالات ومع الاسف فهذا التخدير الموضعي يكون السبب في توقف القلب، فالتخدير بصورة عامة يعتمد على القلب وعلى قدرة التحمل وفعاليته في الجسم لاجراء اي نوع من العمليات الجراحية”.

ويأمل محمد ان تتطور عمليات التخدير  لتنسجم مع الحالات الحرجة، فيقول:” هناك الكثير ممن يحتاجون إلى  اجراء عمليات جراحية تشترط التخدير العام، كالمصابين بالربو وامراض القلب وضغط الدم والسكر وغيرها، وهذا يتطلب من اطباء التخدير عناية خاصة، كي لا يفقد المريض حياته.”

ويضيف محمد:” سمعت ذات مرة قصة لمريض يتجاوز عمره الثمانين سنة، وقد اجريت له عملية  جراحية حرجة استغرقت تسع ساعات، تم خلالها ايقاف التخدير عدة مرات كي لا يتعرض المريض لأذى أو ضرر.”

وكانت وزارة الصحة والبيئة قد قررت ، منح الأطباء العاملين في فرع التخدير من منتسبي الوزارة مخصصات تشجيعية بنسبة 100بالمئة من الراتب الاسمي، وذكر بيان للوزارة تناقلته وسائل الإعلام، إن “القرار جاء استنادا إلى المادة (2) من قانون تشجيع أطباء التخدير وتقنيي ومساعدي التخدير ، والمتضمن منح الأطباء المذكورين مخصصات تشجيعية مقدارها 100بالمئة من الراتب الاسمي، استثناء  من المادة 16 من قانون رواتب موظفي الدولة والقطاع العام رقم (22) لسنة 2008”.

وأشار البيان إلى أن “القرار جاء دعما لتلك الشريحة المهمة من الملاكات الطبية العاملة في المؤسسات الصحية العراقية، الأمر الذي يسهم في تقديم خدمة طبية وعلاجية نوعية للمواطنين”.

ويختتم محمد حديثه بالقول:” كل هذا يعني ان عمليات التخدير لا تقل اهمية وشأنا عن العمليات الجراحية، بل ان النجاح في التخدير يعني النجاح فيما يليه، وهذا ما على الجميع الانتباه والاهتمام به”.

مقالات ذات صله