أسواق البصرة .. حينما تتوقف أصوات المطارق وتتلاشى حركة السياح ويتبدل فيها المنتوج وتتغير ملامحها

البصرة -باسم حسين غلب

اختفت الكثير من الأسواق ولم يعد لها ذكر بعد أن كانت تضج بالمتبضعين وبإصحاب الحرف وما تسببه أدواتهم من ضجيج لا يتوقف إلا بحلول الظلام الدامس، حيث يعود الضجيج الى ذات المكان (السوق) في صباح اليوم التالي، سوق الصفارين وسوق الـ (تنكجية) وسوق الألبان القديم، أسواق اختفت ولم يعد لها في البصرة مكان إلا في ذاكرة ابناء المدينة .

من بين هذه الاسواق

سوق كاظم آغا

كان سوقاً مسقفاً شيد في  العهد العثماني وابقى حتى سبعينيات القرن الماضي، يضم السوق  مجموعة اسواق منها سوق للذهب وكان غالبية من يمتهنون هذه المهنة هم من اليهود، وكان فيه ايضاً  سوق للنجارين وآخر للصفاة وسوق للصفارين .

سوق القطانة

شيد هذا السوق في العهجد لعثماني تحديداً واستمر فيه العمل الى نهاية خمسينيات القرن الماضي وكان السوق متخصصا ببيع الافرشة والأغطية التي يستخدم القطن في صناعتها .

سوق الصفارين

هدأت أصوات المطارق التي كانت تملأ المكان ضجيجاً مزعجاً حسب وصف المتبضعين الذين يريدون التوجه إلي سوق هرج أو أن يواصلوا بخطواتهم المتعجلة إلي سوق موسى العطية، إلا أن تلك الأصوات تشكل وبحسب رأي الصفارين نغمات موسيقية جميلة رسمت من خلالها أناملهم نقوشاً رائعة .

مر في هذا السوق وتبضع منه عشرات بل مئات السياح العرب والأجانب، اضافت أصوات لغاتهم المختلفة جمالية اخرى لهذا المكان ، لكن اليوم وبعد أن تدنت السياحة في العراق بشكل كبير أغلقت المحال أبوابها وتحولت الى محال لبيع الكرزات . ، كان الناس قديماً يجهزون العروس بـ (الطشت ، والمسخنة ، الهاون) وأشياء أخرى ، وكانت جميع هذه الأواني من الضروريات الأساسية للبيت العراقي، أما اليوم فقد هيمن التطور الصناعي على جميع مكونات الحياة وأصبحت الأواني البلاستيكية أو المصنوعة من (الفافون) والخزف هي البديل، أما الأشياء المصنوعة من النحاس فقد بقيت في خانة (التحف) القديمة التي مازالت بعض الأسر البصرية  تحتفظ بما تبقي منها وخاصة دلال القهوة .، كانت الصفارون يستخدمون مواداً مختلفة في صناعتهم  أهمها : (النحاس) التي يتم استيرادها من الهند على شكل ألواح تختلف عن بعظها عن البعض الاخر من حيث القياس، كما يستخدمون، الفحم الحجري الذي يعطي توهجاً شبيه بذلك الذي نحصل عليه من شعلة الأوكسجين هو الآخر يستورد من الخارج ، وهناك (القلاي) الذي يستخدم في طلي المنتوج  النهائي لتلافي الصدأ مواد الخام التي كانت تأتي الى البصرة من الهند ودول أخرى تعود مرة أخرى الى تلك الدول عن طريق السياح لكن بشكل مختلف تماماً اما على شكل (دلال) أو أواني منزلية وأحياناً علي شكل تحف لمواقع أثرية عراقية .

 الخصافة والـ (كاشية) في سوق الالبان

في خمسينيات القرن الماضي وقرب خطوة ومقام الأمام الأمير في العشار  كان هناك سوق شعبي يعرف في ذلك الوقت بـ (سوق الألبان) كانت النساء يفترشن الأرض بعد أن أجهدن أنفسهن في عرض بضاعتهن من أجبان وألبان  طازجة وأصناف مختلفة من التمور المعروفة بجودتها كانت البضاعة تأتي من مناطق القرنة والمدينة والهوير  والهارثة وأبي الخصيب ومن قضاء شط العرب ، لكون هذه المناطق ريفية يمتهن أهلها تربية الجاموس والأبقار وحيوانات أخرى تعد مصدراً للحوم والأجبان والبيض، كانت الألبان في ذلك الوقت معروضة بأواني (طوس) من الفخار قبل ان تتحول الى (طوس) مصنوعة من البلاستك والسيراميك والفافون . ، أما الأجبان فكانت تفرش في (صواني) يغطى بقماش  (الململ)  ، كان البرحي والحلاوي والخستاوي و أصناف أخرى من التمور البصرية الشهيرة معروضة في ذلك السوق الصغير أيضاً، بعضها تم كبسه ووضعه بـ (الخصافة)، الخصافة عبارة عن سلة مصنوعة من سعف النخيل مخصصة للتمر، واستخدمت الخصافة لهذا الغرض حيث لم  يكن في ذلك الوقت صفائح معدنية أو صناديق خشبية لكبس التمور، أما عن نوعية وأسعار المواد التي كانت تباع في سوق الألبان القديم ، فيقول عنها  (عبد الرحمن عبد الخالق)  وهو من أقدم الباعة في ذلك السوق: كان سعر الكيلو غرام الواحد من قيمر الجاموس يباع في ذلك الوقت بدينار واحد فقط أما قدح اللبن (الروب) زنة الكغم  الواحد فيتراوح سعره ما بين 20- 50 فلساً ، أما الحليب الطازج والذي لم يؤخذ سمنه ودهنه فيباع الـ (4) لترات منه بسعر نصف دينار، أي إن اللتر الواحد بـ (125) فلسا، أما الأجبان التي كانت تأتي إلى هذا السوق فيمكن تصنيفها إلى ثلاثة أصناف :

الأول: جبن الجاموس ويكون ويكون لونه أبيض ويتراوح سعر الكيلو غرام الواحد منه (50) فلسا فقط .

النوع الثاني: جبن البقر أو ما يسمى  بـ (جبن الهوايش) وهو ذو لون أصفر ويمتاز بدسومة عالية ويباع الكيلو غرام الواحد منه بنفس القيمة التي يباع فيها جبن الجاموس أي (50) فلسا .

النوع الثالث : ويعرف بأسم جبن الـ (كصايب) ، ويصنع هذا النوع من الأجبان على شكل ضفيرة (كصيبة) الفتاة ، بعد أن يتم أخذ الدسم منه ، ويباع  الكيلو غرام الواحد منه بنفس السعر الذي يباع فيه النوعان السابقان (جبن الجاموس وجبن البقر) ، من الأشياء الطريفة والجميلة التي كانت موجودة في السوق أيام زمان هو وجود نوع من المبيعات ، عبارة عن حبات من الرطب أو التمر مغموسة بالراشي يتناولها المتبضعين في السوق مع قدح صغير من اللبن الطازج ، حبات الرطب تلك لا تشبه أرقى واجود انواع  الحلوى العالمية لأنها الأفضل لكونها  طبيعية أولاً وصحية ثانياً .

سوق الـ (تنكجية)

 يقع سوق التنكجية في العشار ويعتبر من أقدم  الأسواق في البصرة ، يحيط به من الجهة الجنوبية سوق الخضارة وهو من أكبر الأسواق وأضخمها ويعتبر المركز الرئيس لتمويل الأسواق والمحال الموجودة في عموم  محافظة البصرة، ويحد سوق التنكجية من الشمال سوق الداكير وهو مركز لبيع الحديد والخشب وفيه مكاتب لاستلام وتسلم البضائع التجارية القادمة من والى البصرة ، حيث توجد في هذا المكان عشرات مكاتب النقليات ، سوق التنكجية الذي تجاوز عمره ستون عاماً لم يتبقَ منه سوى ثلاثة محال بسيطة مازال أصحابها يصرون على التواصل مع مهنتهم رغم ما أصاب المهنة من كساد ، كل ما يحتاجه أصحاب هذه المهنة من مواد أولية لصناعة الحاجيات لا يتعدى حدود قطع الـ (الجنكو) التي يشتريها هؤلاء الحرفيون من سوق الداكير و هذه القطع  تختلف بقياساتها وبمنشئها ، فبعضها يأتي من مصر و أخرى من تركيا      وإيران ومن  سوريا . ، يستخدم النتكجية صفائح السمن النباتي لصناعة الكثير من الأشياء المنزلية ، ويستخدمون في مهنتهم مادة الـ (قلاي) بكثرة وتعد مادة أساسية للحم الأشياء المراد تجميعها مع بعضها البعض مستخدمين الـ (كورة) لصهر مادة (القلاي) ، أما الأدوات التي يستخدمها (التنكجية) في عملهم فهي في الغالب أدوات بسيطة عبارة عن مقص ومطرقة وكورة (بريمز) و(جرمال) وهي مسطرة من الحديد تستخدم لتسوية وتعديل حافات (التنك) بالإضافة الى آلة تسمى  بـ ( النكر) يستفاد منها لإبراز (حاشية) على بعض الأواني مثل الدلو(السطل) وبرميل الماء.، المواد التي كانت تصنع في السابق في تلك المحال أثرت عليها كثيراً المواد المستوردة ، فقد أصبح (الطشت) الهندي و (المعجنة) الهندية المصنوعة من مادة الإستيل والتي تباع بأسعار تكاد تكون مناسبة  أصبحت بديلاً عن تلك التي تصنع من (الجنكو) ، كذلك الحال بالنسبة لقمع النفط وقوالب الكيك والمقاطع المستخدمة في محال بيع المواد الغذائية فقد أصبح البديل عنها مواد تم استيرادها من الصين ومصر وإيران وسوريا ، في حين لم يتبق من تلك الصناعة المحلية غير الـ (مناقل) التي عادة ما تستخدم  لشوي الكباب أو لتحضير الشاي وبضع حصالات النقود التي يجبر بعض الصبيه أمهاتهم على شرائها ، أشياء بسيطة يبيعها صاحب المحل لا تسد حتى  رمق الحياة اليومية بعد أن توقفت المبيعات بشكل يكاد يكون  نهائي . ، كان حرفيو هذه المهنة  يصنعون براميل صغيرة لنقل الماء ، اذ  كانت النساء تحمل فوق رؤوسهن هذه البراميل وهي مملؤة بالماء بعد أن يقطعن مسافات طويلة ، إذ لم يكن في ذلك الوقت مياه إسالة تصل إلى البيوت .!

 سوق نجيب باشا

اكثر من ثمانينَ عاماً على إنشاء (سوق نجيب باشا) وهو اليوم مازال قائما في منطقة العشار قرب جامع وخطوة الأمير سمي بهذا الإسم نسبة الى التاجر التركي (نجيب باشا) كانت بداية السوق عبارة عن خمسة محال صغيرة تبيع اشياء جميعها مصنعة من سعف النخيل ومنها : (العلاكة الخوص) ، (الطبك) المصنوع من الخوص ايضاً ، بالإضافة الى الحبال المصنوع من ليف النخيل ، والـ (تبليه) أو ما تعرف بـ (طبيجيه) وهي الأخرى مصنوعة من ليف النخيل ، أما شباك صيد الأسماك فقد كانت تصنع  من القطن  كان سوق الحبال يشهد نشاطاً تجارياً ملحوظاً في ذلك الوقت كما يصفها الكثير من ابناء البصرة  ، تبدأ حركة البيع والشراء في الساعات الأولى للصباح ولا تتوقف إلا عندما يحل المساء ، وكانت تباع في تلك الفترة وبشكل يومي ما يقارب 40 (علاكة خوص) و20 (طبك) وأكثر من (كفة حمالة)  للمحل الواحد، كانت المواد المباعة في سوق الحبال تصنع في مناطق مختلفة من البصرة ، وبحسب وفرة المواد الأولية واشتغال الناس فيها، حيث كان يؤتى بـ (الخصافة والمهاف) من مناطق أبي الخصيب  ، أما (الطبك و الكفة والأوندة) أو ما تعرف بـ (المخبازة) أو ما تسمى بـ (الملزاكه) ، فكانت تجلب وبكميات كبيرة من مناطق شمال البصرة لوجود اعداد كبيرة من الأيدي العاملة الماهرة من النساء ممن يمتلكن الخبرة في صناعة هذه الأشياء .، ومن بين الأشياء الأخرى التي كانت تباع في ذلك السوق (سلة) مصنوعة من الخوص تحتوي على غطاء مطرز بالألوان تستخدمه العروس لوضع ثياب العرس فيها وهذه (السلة) أشبه إلى حد ما بـ (حقيبة) العرس الحالية ، هذه الحقيبة أو هذه السلة تصنع في مناطق الجزيرة وشط العرب تحديداً ، كذلك الحال بالنسبة لسلة الطفل التي استبدلت اليوم بأخرى مصنوعة من القماش الفاخر ! ،  كانت ربت البيت تذهب الى السوق ومعها (علاكة) الخوص وحينما تريد شوي الخبز فإنها وقبل كل شيء تهيء (الطبك) ليكون قريبا منها ، وعندما تريد نشر غسيل الملابس تذهب إلى ذلك الحبل المصنوع من ليف النخيل، أما اليوم  واذا ما أرادت ربة البيت الذهاب إلى السوق عليها أن تجمع أكياس النايلون التي لن تستخدمها أكثر من مرة واحدة أو مرتين على أكثر تقدير لأنها صنعت لغرض الاستهلاك ليس إلا ، في حين (علاكة) الخوص عمرها يمتد أشهراً وربما سنوات !.اختفت معظم او بالاحرى جميع تلك السلع وتغيرت كثيرا معالم الاسواق ، لكنها لاتزال  في ذاكرة ابناء المدينة .

 

مقالات ذات صله