أسماء الفيس المستعارة … بين غضب وخوف المستخدمين من طلبات الصداقة

بغداد_ متابعة

غالبا ما تشمئز نفس محمد مصطفى ويتعكر مزاجه حين يرى صفحة على موقع “الفيس بوك” تحمل اسما مستعارا بعد ان عاش أزمة حقيقية كلفته الكثير مع صاحبة اسم مستعار، ويقول مصطفى مستذكرا تلك الأيام الثقيلة واللحظات المحرجة التي مر بها:
” وسط زحام طلبات الصداقة الذي يفتقد إلى النظام على مواقع التواصل الاجتماعي تركز اهتمامي على طلب باسم (الراقصة على قبور الرجال)فخفق قلبي بسرعة، وبدأت بالتفكير بالموافقة على الطلب، وقررت الدخول الى تلك الصفحة لألقي نظرة على ما فيها، فوجدت انها تحظى بقبول واقبال شديدين من الأصدقاء والمتابعين، وهي مليئة بالمنشورات والصور والتعليقات المثيرة، وان صاحبة الصفحة عانت كثيرا من الخسارات المتعاقبة مع الرجال، فكرهتهم على نحو لا يقبل الفصل والتراجع”.
ويضيف مصطفى وهو يداري ابتسامة ارتسمت على شفتيه مرددا ما كتبته على صفحتها: (تم حفر قبوركم تعالوا لأرقص )، فيوضح أكثر: ” كانت كل كلمة في المنشورات وفي ردود صاحبة الصفحة على التعليقات تعبرعن مشاعر سوداوية خلفتها الانكسارات العاطفية التي تعرضت لها هذه المرأة، والتنوع من التفاصيل الدقيقة التي دفعتني للموافقة على طلبها، والارتماء داخل حمم بركان عالمها المغري”.
ويقول مدير مركز مايكروسوفت التدريبي في بغداد احمد عز الدين:
“فرضت شركة “الفيس بوك” نهاية عام 2015  قوانين جديدة تجبر المشتركين بمواقع التواصل الاجتماعي على استخدام اسمائهم الحقيقية، ولكن سرعان ما واجهت الشركة اعتراضات عديدة ومعارضة عالمية ادت الى تراجعها عن هذا القرار الصائب، فالاسماء الوهمية ظاهرة شائعة قد تستخدمها النساء لغرض التجسس او اختبار مدى اخلاص الشريك، وقد تكون لدوافع تجارية الغرض منها مهاجمة ماركات معينة او تشجيع ماركات اخرى، ولا تبتعد في الكثير من الأحوال عن الأغراض السياسية والحرب النفسية المدروسة مسبقا من بعض الجهات لاستخدام اسماء معينة لاثارة الفتن والمشاكل الطائفية وتصعيد الخلافات  المجتمعية “.
ويضيف عز الدين:” قد تكون هناك جهات تعمل بصورة استخبارية عبر التغلغل في “كروبات” معينة لجمع المعلومات الممكنة عما يضمره الشعب من كراهية لبعض القادة والمسؤولين، ولا ننسى الضوابط العرفية التي تجبر الفتيات على استخدام “الفيس بوك” باسماء وهمية، لذلك لا يمكن السيطرة على مثل هذه الصفحات او اجبار مالكيها على وضع اسمائهم
الحقيقة”.
ويكمل مصطفى حديثه كاشفا عن بدايات تلك الأزمة: “وجدت نفسي منساقا في بحر ما ينشر في تلك الصفحة، لاسيما وهي تتصدى لأبرز العذابات الانسانية الناتجة عن الغدر والخيانة ونكران الجميل، وطعن الشريك الحميم بالظهر، وهي عذابات تلقى الكثير من الرواج والاهتمام لدى جميع الناس، وسبق ان عانيت منها شخصيا، وهي منتشرة جدا على صفحات “الفيس بوك” ووجدت لها ملاذا في صفحات تحمل اسماء مستعارة مثل: (مجروحة والجارحني غالي، انت الي ومتصير لغيري، مغرورة والبنات مقهورة، متيمة بالهوى، غموض فتاة)”.
ويقول مصطفى وعلى وجهه هيئة الجد والاهتمام متحدثا عن الانعطافة المميتة التي سببت له الكثير من الألم: “كنت أعيش فراغا عاطفيا بعد ان وصلنا أنا وحبيبتي السابقة إلى مفترق القطيعة، ووجدت نفسي، من باب التعويض، أتفاعل بشدة مع تلك الراقصة، فأضع لمنشوراتها علامات الإعجاب، وأكتب لها التعليقات، وأشارك منشوراتها على صفحتي الشخصية، وسرعان ما توثقت العلاقة بيننا، وانتقلنا للحديث “الدردشة” عبر ” ماسنجر الفيس بوك” أو ما يسميه الناس بـ “الخاص” ، وبدأت الأحاديث بسيطة ومقتضبة جدا، لكنها تحولت بمرور الوقت إلى أحاديث معمقة كشفت الكثير عن أسرار حياتنا الشخصية، وبتنا نتحدث يوميا لساعات طويلة جدا”.
ويؤكد الباحث الاجتماعي الاستاذ ولي الدين الخفاجي: ” كل فرد يعبر عما بداخله من كوابت وتمنيات لايستطيع اظهارها بصورة علنية لاسباب اجتماعية او نفسية، لذلك  يجد في هذه الاسماء المتنفس الوحيد للتعبيرعما يشعربه، فاذا كان يميل الى العنف والعداء فقد يختارعبارات تحذيرية للابتعاد عن طريقه لما يشكله من خطر على من حوله كونه شخصا يميل للعداء والعنف مختارا اسم (دراكولا ابتعد عني)،  ومنهم من ينطلق لغرض محاربة الفساد الى ان ينتهي به المطاف الى التشهير بالمسؤولين لاغراض خاصة بعيدة عن المعنى الحقيقي المتمثل بالقضاء على الفساد”.
ويضيف الخفاجي: ” نتيجة شعور بعض الرجال بالحرمان والشذوذ تجدهم يستخدمون اسماء نساء، وقد نرى العكس فقد تدخل النساء باسماء رجال، تعبيرا عن شعورهن بالنقص في مسألة التسلط والحرية التي يمارسها الرجل، ومن هذا المنطلق نستنتج ان ما يتمنى الفرد الوصول اليه، كأن يمتلك صفات الجمال او الغنى او الانطلاق الى كل ما هو ممنوع في الحياة الروتينية التي يعيشها الفرد بصفته الحقيقية التي يرغبها المجتمع بعيدا عن رغبته الحقيقية”.
ويكمل مصطفى حديثه عن تلاحق الأحداث المؤسفة، بعد ان أخذ نفسا عميقا موضحا : ” بمرور الوقت واستمرار الحديث بيننا، كشفت “الراقصة” عن انها تحمل شهادة البكالوريوس، وانها مطلقة نتيجة غدر الشريك الحميم وانعدام ضميره،  وانها وجدت السلوى والعزاء في قراءة الكتب لا سيما الروايات، وهي تعيش في منزل والديها بإحدى مناطق العاصمة بغداد، وقالت انها باتت تكره الرجال جميعا نتيجة ما فعله زوجها بها”. ويضيف مصطفى وعلى ملامحه علامات الأسى والاستياء:
” بعد مدة قصيرة تبادلنا أرقام الهواتف وصرنا نتواصل عبر وسائل الاتصال الأخرى كالـ ” الفايبر” والـ ” واتساب” و ” ماسنجر الياهو”، وخلال هذه المرحلة خمنت ان ” الراقصة” مريضة نفسيا على نحو خطير، فقد التصقت بي بشدة، وباتت تضايقني في كل وقت باتصالاتها وبدموعها في بعض الأحيان، لكن خيالي الذي كان يصورها لي بمنتهى الأنوثة والرقة والرشاقة والجمال دفعني لتحملها، حتى وقعت الواقعة حين طلبت مني ان نلتقي وجها لوجه، وليتني لم ألتقها، فقد دمر ذلك اللقاء كل أحلامي وأوهامي ووضع حياتي بمجملها على صفيح من النار والعذاب”.
وتقول الاكاديمية والباحثة الاجتماعية الدكتورة ماجدة السعدي:
” يحاول الكثير من الافراد التعبيرعما يطمحون إليه باساليب قد تكون مبهمة ومثيرة للشك كاستخدام الاسماء المستعارة، فشبكات التواصل الاجتماعي أصبحت جزءا من الحياة الاجتماعية الواقعية، بل ان الجزء الأكبر من حياة الإفراد صار يتمحور حول التواصل عبر هذه الشبكات قد تكون لاغراض مبلورة هدفها الاول ، وهناك جماعات اجتماعية من أصدقاء ومتابعين او مغردين، تتحول معهم العلاقات الاجتماعية عبر هذه الشبكات، إلى علاقات خاصة تتجاوز في حدودها الزمان والمكان والمسميات من باب آخر، فإنها أيضا تعكس حالة اجتماعية قد يكون عنصر المأساة او التراجيديا حاضرا فيها، فكما هو معلوم فان المجتمعات الشرقية تميل إلى إظهار الجانب المحزن في حياتها الاجتماعية، وهذه الحالة هي نوع من أنواع الإسقاطات التي يسلطها الواقع على حياة الإفراد في الحياة الاجتماعية”.
ويختتم مصطفى تلك الحكاية التي كانت نتيجة الأسماء المستعارة آسفا بالقول:” قبل موعد اللقاء، طلبت مني “الراقصة” مجموعة من الكتب، وأكدت أكثر من مرة أن هاتفها المحمول يعاني من أعطال كثيرة، وخمنت انها تريد ان تدفعني لشراء هاتف حديث لها، وصدمت كثيرا عندما تقابلنا وجها لوجه، فقد كانت صورتها بعيدة كل البعد عن الصور التي تنشرها على صفحتها، ولم تكن تحمل أية صفة من الصفات الشكلية التي أحبذها في المرأة، وعلاوة على ذلك كانت تتصف بالجرأة والوقاحة والطمع والوضاعة ولا تملك ذرة من العزة بالنفس، فقررت ان اتخلص منها”.
ويكمل مصطفى تلك القصة بمزيد من الندم وتأنيب الضمير: ” قللت من التواصل معها شيئا فشيئا، ثم افتعلت خصاما معها وتركتها، فطاردتني عبر الاتصالات الهاتفية وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، فتركت صفحتي على ” الفيس بوك” من دون تحديث، ثم غيرت رقم هاتفي، والحمد لله انني لم أطلعها على مكان عملي ولا عنوان سكني، ولو فعلت ذلك لما استطعت التخلص منها، ومنذ ذلك الحادث صرت أخاف من الصفحات التي تحمل أسماء مستعارة”.

مقالات ذات صله