أزمات ما بعد التحرير: “انفجار” في أيسر الموصل يرفع بدلات إيجار السكن عالياً

الموصل ـ متابعة

انفجار في الموصل لكنه من نوع آخر يختلف عمّا اعتادت عليه المدينة جراء الحرب الضروس التي تشهدها منذ تسعة أشهر، انه انفجار سكاني أنجب أزمة سكن خانقة في الجزء الشرقي من المدينة.

فروا من هول ما عاشوه على مدى السنوات الثلاث الماضية ليستفيقوا من الصدمة على ازمة، هذا حال مئات الآلاف من سكان الجانب الأيمن ممن نجوا من الحرب ثم لجأوا الى الجانب الايسر (الشرقي) الذي تم تحريره قبل خمسة شهور، هنا اكبر معضلة يواجهونها الآن هي الحصول على مأوى.

ياسين طه أحد هؤلاء الفارين وصل وعائلته الى حي السلام شرقي الموصل، وبعد يومين من اقامته في منزل اقاربه بدأ رحلة طويلة في البحث عن سكن يقول “تعبت قدماي وانا اجول على مكاتب العقارات وابحث في الاحياء لكن دون جدوى، لا مساكن فارغة وان توفر يكون سعره مرتفعاً جدا”.

بعد عشرة أيام من البحث الدؤوب أصيب الرجل بيأس فقرر العيش في منزل غير مكتمل البناء، “سقف وجدران أفضل من تلك الخيمة التعيسة التي عشنا فيها بالمخيم اول ما نزحنا”، يخاطب طه زوجته واطفاله محاولا اقناعهم بالمسكن الجديد الذي تنعدم فيه الخدمات الأساسية ولا يعيش فيه الا مضطر.

تجار العقارات والوسطاء يقفون على تفاصيل هذه الازمة، محمد سمير الذي يعمل في مجال التوسط لإيجار المساكن انتعش عمله كثيرا منذ بدء عمليات تحرير الجانب الأيمن وتدفق موجات النزوح الكبيرة.

انشغل سمير بالتفاوض عبر الهاتف بشأن شقة لإبرام اتفاق مع مالكها لصالح عائلة نازحة، ثم تحدث حول ذلك قائلا: “المدينة تعيش ازمة سكن غير مسبوقة، استقبل في مكتبي عشرات النازحين يوميا يريدون أي شيء يؤويهم”.

ويضيف، “سوقنا تخضع لقانون العرض والطلب، لذا فان أسعار بدلات الايجار ارتفعت قياسا بفترة ما قبل عهد داعش، وتضاعفت مرات عدة عما كانت عليه في ظل وجود التنظيم”.

تسونامي بين ضفتي النهر
الوقوف على أسباب الأزمة لا يحتاج الى جهد كبير، ويفسر أولا بموجات نزوح تسونامية تثور كلما تمكنت القوات العراقية من تحرير حي سكني جديد، حيث ما زالت هناك معارك طاحنة لن تنتهي الا بالقضاء على التنظيم المتطرف.

وبحسب آخر الأرقام التي أعلنتها وزارة الهجرة والمهجرين العراقية بتصريح للوزير جاسم الجاف الأسبوع الماضي، ارتفع عدد النازحين من الجانب الايمن وحده الى (642) ألف نسمة، فضلا عن عشرات الالاف من سكان الاقضية والنواحي التي تشهد أيضا عمليات عسكرية.

جزء من هذه الموجات امتصها نحو (20) مخيما تنتشر على اطراف الموصل جنوبا وشرقها، اما حصة الأسد فمن نصيب الجانب الايسر، اذ استقبل نحو (350) ألف نازح منذ شباط (فبراير) الماضي، بحسب الوزير الجاف.

اللجوء الى شرقي المدينة يعد قرارا مناسبا لأغلب النازحين لاسيما ذوو الطلاب الراغبين في استئناف دراستهم بعدما حرموا منها لثلاث سنوات، ولصعوبة العيش في المخيمات حيث نقص المساعدات والخدمات الإنسانية.

كما ان البعض حمل حقائبه الصغيرة وعبر النهر لوجود أقارب له يقيم عندهم مؤقتا لحين العودة، او املا في الحصول على فرصة عمل، حيث الحياة تعود الى طبيعتها بينما على الضفة اليمنى للنهر ما زال حديث الموت والحرب سيد الموقف.

وما يزيد هذه الجاذبية ان اغلب الدوائر والمؤسسات الحكومية فتحت مقارها وعادت الخدمات الرئيسة مثل الماء والكهرباء الى معظم الاحياء بينما تستعيد الأسواق عافيتها، أما خيار الانتقال للعيش في إقليم كردستان العراق او المحافظات الخاضعة لسلطة بغداد بات صعب جدا حاليا، بسبب الإجراءات الأمنية المشددة التي تفرضها السلطات الاتحادية وسلطة الإقليم تجاه سكان الموصل.

كل ذلك يجعل الاقامة في الجانب الايسر من الموصل جنة عدن بالنسبة للناجين الجدد من حصار صارم وقتال عنيف.

الموصل أم الحرب تنافس دهوك أم الأمان والخدمات

ومن الواضح ان هذه الازمة مزدوجة وتتمثل في شحة المساكن المتاحة وارتفاع بدلات ايجارها، المفارقة ان الموصل فيها حرب على أشدها والجزء المحرر منها بحاجة ماسة للإعمار وضبط الأمن، ورغم ذلك تنافس جارتها دهوك احدى مدن إقليم كردستان بأسعار ايجار السكن، بالرغم من الفارق الكبير في الخدمات لصالح دهوك، يؤكد ذلك الوسيط محمد سمير.

يقول احمد شيت، “عندما حالفني الحظ ووجدت منزلا شاغرا صدمت لان مالكه يطلب (400) دولار لكل شهر، وهذا رقم عالٍ في مدينتنا، لذا اضطررت الى استئجار منزل صغير مقابل (150) دولارا”.

ويضيف “لدينا منزل كبير لا يفصلنا عنه سوى النهر هربنا وتركناه، وحتى بعد ستة أسابيع على تحرير حينا ما زالت الحياة هناك مشلولة، لذا اقامتنا هنا اضطرارية”.

موجات النزوح تتوالى والازمة تتفاقم، حتى أصبحت عائلات تشترك في مسكن واحد، مثلما حصل لعائلة شيت التي انضمت اليها عائلة شقيقه لتسكن في الشقة نفسها عندما عجزت عن الحصول على منزل مستقل.

وتبقى هذه التوقعات معقودة على امل إتمام تحرير المدينة بالكامل والإسراع في إعادة الحد الأدنى من الخدمات الى الجانب الأيمن الذي تعرض الى نسبة دمار كبيرة جدا.

انفجار في الموصل لكنه من نوع آخر يختلف عمّا اعتادت عليه المدينة جراء الحرب الضروس التي تشهدها منذ ثمانية أشهر، انه انفجار سكاني أنجب أزمة سكن خانقة في الجزء الشرقي من المدينة.

مقالات ذات صله