أزمات كردستان المتراكمة .. الحلول الخلاقة للنوم في ظلال الكارثة / سامان نوح

أزمات كردستان المتراكمة .. الحلول الخلاقة للنوم في ظلال الكارثة
 سامان نوح

منذ سنوات، وأحزاب الاقليم “القومية، التقدمية، الاسلامية” تُحول الناس المساكين بما فيهم جمهورها العريض، من أزمة الى أخرى، مراكمة الأزمات (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية) بلا وجل فوق بعضها البعض في قاع البناء المتصاعد كمكعبات لعب الأطفال الملونة، والمهددة بالانهيار في ايةلحظة فوق القاعدة المتداعية.
أزمات يتم مواجهتها بمزيد من العمى، وبأطنان من المبررات”القومية والعقائدية”، والخطب والشعارات وأكداس الانشاء اللغوي،
كما بالقفز البهلواني فوق الوقائع والبيانات الرقمية، وبالحجج المعلبة والأفكار المستنسخة من المحيط الشمولي الخلاق.
أزمات تُراكِمها القرارات والمصالح الحزبية الضيقة التي تحرك كل شيء تحت يافطة المصلحة القومية العليا.
فالأحزاب قررت مغادرة أزمات الفساد المستفحلة، الى أزمة تشكيل حكومةعريضة بدون معارضة، الى أزمة مسودة الدستور المعطلة، ثم أزمة النظامالسياسي وصلاحيات الرئيس، وبعدها أزمة التصدير المستقل للنفط، ثم العودةالى ازمة رئاسة الاقليم والتمديد ومعها ازمة تَعَطُل البرلمان، لتتشابك مع أزمة تأخر الرواتب وتجمد الاستثمارات، وتراكم ديون الشركات، لتتبعها
أزمة الاحتجاجات الشعبية واشعال المقرات الحزبية، ثم أزمة اعادة تشكيلالحكومة دون حركة التغيير، ثم ازمة الانقطاع الكلي للحوارات وانطلاق الهجمات الاعلامية الحزبية فوق وتحت الطاولات.
اقليم بلا دستور، وبقواعد قانونية مهتزة وأعراف متقلبة، ببرلمان مشلولغير قادر على المحاسبة ولا المراقبة ولا التشريع العميق ولا بحث “موازناتعامة” لم تأته منذ عامين.
وحكومة شراكة او مشاركة عاجزة، متفرجة، غارقة في الأزمات، لا تكاد تجتمع الا كل بضعة اشهر لسد أفواه الاعلام.
اقليم، مع كل مشكلة داخلية وكل تحد، تظهر فيه سريعا ملامح الادارتين المحكومتين حزبياً، وتبرز أدوات اللجوء للقوة او استعراضها، وسياسات فرض الأمر الواقع، ومن خلفها تظهر البنادق الحزبية، والألوية الحزبية، والقنوات الحزبية، والارادات الحزبية، والتقسيمات الحزبية، التي تجسد بمجملها انقساما مجتمعياً، لتنكمش معها الحريات وتختفي برامج الاصلاح
ومعارك مواجهة الفساد.. وليخبو تحت كل ذلك الركام صدى الأمة الكردية والدولة الكردية.
بيانات بيانات بيانات، تتبادل فيها الأحزاب الاتهامات بغضب، او تتبادل اللوم والعتب.. بيانات تزيد انقسام الناس الى جيوش متشنجة تحت الطلب.. جيوش غاضبة لا تعرف جذر المشكلة، يُحركها مُتحزبون تُحركهم مصالحهم، يَهربون من مفاصل العُقد، يُبررون، يَتفلسفون، ويُؤطرون عقولهم، فلا يملكون مع حرب الدفاع والهجوم أي أفق للحل.
تتراكم الأزمات، في اقليم لم يعد فيه سياسيون مستقلون، ولا وسطاء حكماء نافذون، ولا منظمات مدنية حقيقية فاعلة، ولا اعلام مؤثر يمثل سلطة رابعة او عاشرة، ولا جماهير تعرف حقوقها، او تعرف كيف تُعبر مدنياً عن مشاكلها.
بعد ان حول النظام الحزبي التقاسمي المشوه، المترسخ في الاقليم منذ عقدين، الجميع الى متلونين يميلون مع رياح هذا او ذاك من الأحزاب.
هنا كيف يمكن تصديق، أن فرض الأمر الواقع بإبعاد حزب ما عن العمل التنفيذي، وتشكيل حكومة اغلبية بدل حكومة المشاركة الحالية، سيحل ازمات كردستان الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، مع حقيقة النزيف المستمر والسريع لمكوناته الصغيرة المهاجرة.
لو صح ان حزباً ما بمفرده مسؤول عن ازمة التظاهرات الأخيرة وحرق المقرات الحزبية وتهديد الأمن القومي الكردي، فيقينا هو ليس مسؤولاً عن ازمة الرواتب المتأخرة، ولا عن ازمة الدستور وأزمة قانون الرئاسة وصلاحيات الرئيس، وأزمات الفساد والطبقية وغياب العدالة الاجتماعية وتعطل الاصلاحات المعلنة والمنتظرة منذ 15 عاما.
بعد بضعة لقاءات وتصفيات حزبية، ربما تتغير الحكومة او تُجَدد، ويُعاد ترميم البرلمان ولملمة أطرافه، وربما ستأتي أموال النفط الموعودة بعد أشهر وتصرف تباعاً.. وتعود الأوضاع جيدة لمن يراها من السطح من النخب المنقطعة عن العامة، وممتازة لمن يعيش في الأبراج الحزبية والحكومية العالية حيث تكاد تنعدم الرؤية، وماشية بالنسبة للمواطن البسيط… ومعها تعود الحياة، مثالية وديمقراطية ومدنية وحضارية تماما، تحكمها سلطة القانون وتعمها الحريات والعدالة والرفاهية، بالنسبة لكتاب وصحفيي الايقاع الواحد.
ربما يحدث ذلك، وكما جرت العادة في كل مرة ولعبور كل أزمة، تأتي تلك الحلول الخلاقة لتغليف الأزمات، ليعود الناس للنوم مجدداً تحت أجنحة أحلام التقدم والتطور والرفاهية، لكن في انتظار الهزة التالية التي قد تكون كسابقاتها، أو كبيرة الى حد لا يحتمل.

مقالات ذات صله