أرض السواد … تعاني الجفاف والتصحر .. وتستورد الفواكه والخضار .

تحقيق: بهاء عبد الصاحب كريم

ميز الله ارض الرافدين بمميزات لا توجد في اي مكان او بلد اخر حيث تنوعت تضاريسه وارضه  من جباله الى سهوله ووجود نهرا دجلة والفرات والانهار الفرعية والبحيرات والاهوار . وتوفر الثروات النفطية والغازية والمعادن. اما ما يخص الزراعة فارض العراق عرفت بارض السواد وذلك لكثرة نخيله ووفرة محاصيله الزراعية من فواكه وخضار. ولم يعان العراق طيلة هذه الفترات الطويلة من اي نقص في المحاصيل الزراعية كما يعاني اليوم حيث اصبح العراق يستورد المحاصيل الزراعية والخضار من دول الجوار التي ليست لديها مساحة زراعية كمساحة العراق ولا توجد لديها انهار كأنهار العراق. حيث اصبح الفلاح يعاني من قلة المياه التي اغلقتها وقننت حصصنا المائية كل من تركيا وسوريا وإيران وغلاء البذور وأصبح المنتوج المحلي اغلى من المستورد . وتحول اجمل البساتين والاراضي الزراعية الى قطع سكنية بعد تقسيمها من قبل ملاكها وذلك لعدم استطاعتهم الاستمرار في الزراعة .

المهندس الزراعي (ايمن فاروق) يقول :

العراق اليوم يعاني من مشكلة كبيرة لم ينبته لها المسؤولون وهي قلة المنتوج المحلي من المحاصيل وازدياد المحاصيل المستوردة . واصبحنا الان تحت رحمة الدول المصدرة لنا هذه المحاصيل اي اذا حصلت اي ازمة او مشاكل مع هذه الدول وتوقف الاستيراد منها نصبح تحت رحمتها اي ترتفع المحاصيل الزراعية الى اسعار خيالية تنافس اسعار الذهب والنفط في البورصات العالمية وخير دليل ما حدث من خلال توقف الصادرات الزراعية السورية بسبب الوضع الراهن في سوريا الذي ادى الى ارتفاع اسعر الخضار لأرقام كبيرة على سبيل المثال ارتفع سعر كيلو البصل الذي كان سعره (250) دينار وصل الى (2500)  دينار . هنا تكمن المشكلة هو عدم وجود سياسة زراعية صحيحة في العراق التي تدعم الفلاح وتحسن واقع الانتاج وكذلك يوجد الآلاف من خريجي كلية الزراعة عاطلين عن العمل لم تقوم الدولة باستثمار طاقاتهم وخبراتهم للعمل في المجال الزراعي ، وكذلك تحول الكثير من الاراضي الزراعية الى اراضي سكنية وقلة مناسيب مياه الامطار ادت الى تراجع الواقع الزراعي في العراق .

 (ناصر ابو مجيد) فلاح يقول:

نحن المزارعين المختصين في مجال زراعة الشلب (الرز) اصبحنا نعاني كثيرا كما يعاني باقي المزارعون حيث تعتمد زراعة الرز على توفر المياه بشكل كبير، اما الان فنحن نعاني من شحة المياه وكذلك من خلال جدول فترات التزود بالحصة المائية وفي اغلب الاحيان يتم التجاوز على هذه الحصص من قبل مزارعين اخرين وغلاء البذور وكذلك اسعار شراء المحاصيل من قبل الدولة لا تلبي الطموح مما اضطر اكثر المزارعين ترك عملهم امنياتنا ان تلتفت الدولة الى واقع الزراعة والمزارعين .

وخلال تجوالنا في احد اسواق بغداد الشعبية سوق الشرطة الرابعة بجانب الكرخ حيث رأينا امرأة مسنة تلبس الزي العراقي الجميل العباية النسائية وتحمل كيسين كبيرين (علاكة ) وتترنح من ثقلهما وتحاول ان تتفادى اكوام النفايات المنتشرة على حافة الطريق فتتمشى وتتوقف فقمت بسؤالها وتقديم المساعدة في حمل هذه الاكياس فقلت لها ماذا اشتريتي من السوق حجية فأجابت قائلة: اشتريت خير من الله الخضار والفواكه ولكن غلاء الاسعار بشكل كبير يسبب لنا نحن العوائل ذات الدخل المحدود هموما ومشاكل وفي بعض الاحيان نحرم من بعض الفواكه والخضار لغلاء اسعارها. وانا بهذا العمر الكبير لو قال لي شخص قبل خمسين او اربعين سنة ان العراق سوف يستورد الطماطة والخيار والبصل لقلت ان هذا الشخص مجنون. ولكن الان بدأنا نشاهد كل شيء مستورد . الى متى نبقى نحن نستورد الفواكه والخضار ونحن ارض الزراعة والبساتين؟ .

 ( ع . ن ) مهندس في وزارة الزراعة يقول :

اطلقت وزارة الزراعة خطة خمسية للقيام بتصدير المحاصيل الاستراتيجية اعتبارا من عام (2012) وحاليا العراق مكتف ذاتيا تقريبا من الكثير من المحاصيل الزراعية الفواكه والخضار باستثناء الفواكه التي لا تزرع محليا . وتقوم الوزارة حاليا بتنفيذ مشاريع مهمة منها استخدام تقنيات الري الحديثة التي تم استيرادها من الخارج وتوزيعها على الفلاحين باسعار مدعومة . وان هذه المشاريع في حال اكتمالها ستحول العراق الى دولة مصدرة للمحاصيل الزراعية. وخلال المراحل الاولى من تطبيق هذه الخطة حققت نتائج كبيرة في رفع الانتاج الزراعي في العراق الى نسب جيدة وتبشر بالخير بعد ان كان الانتاج فيها شبه معدوم . حيث ارتفع الانتاج المحلي للحنطة تقريبا الى (55%) بعد ان كان كانت نسبة الانتاج قليلة جدا وكذلك زيادة في انتاج اللحوم الحمراء والبيضاء وبيض المائدة هذه انجازات اخرى ولكنها تستحق الذكر لانها مرتبطة بالمجال الزراعي . وكذلك نسعى لزيادة انتاج الشلب الى اكثر من (50%) حيث ان الخطة المرسومة هو انتاج اكثر من ( 3) ملايين طن من الحنطة . اما ما تقوم به مختبرات الوزارة حيث قامت من خلال البحوث التي اجرتها وباستخدام طرق (علم الوراثة ) حيث حصلنا على بذور تتحمل الملوحة في التربة بالنسبة للحنطة والذرة والشلب وقلة استهلاكها للماء . اما الخطة التي انطلقت في بداية عام (2012) تسعى لتغطية (70%) من حاجة العراق الزراعية من الحنطة المحلية . وكذلك تم توزيع اكثر من (10) الف بيت بلاستيكي على المزارعين والفلاحين. اما مشكلة تحويل جنس الاراضي الزراعية الى اراض سكنية فترفضه وزارة الزراعة رفضا قاطعا ولا تقبل نهائيا بتحويل البساتين والمزارع الى اراض سكنية . ندعو من الدولة ومن الوزارات المختصة ومجالس المحافظات بمنع هذه الظاهرة التي بدأت بالانتشار والتسارع مما سيؤدي الى اختفاء الاراضي الصالحة للزراعة في المدى القريب .

 (علي حسين ) موظف يقول :

سعر الطماطة (1000) دينار والباذنجان (1000) دينار رغم انه انتاج محلي والخيار العراقي (1250) حيث ان اقل شراء يومي للخضار (المسواك) لا يقل عن (10000) دينار نضيف لذلك مصاريف الاشتراك بخط المولدة والكهربالايجار بالنسبة للموظف الذي لايملك دار سكن بالتأكيد ان الموظف صاحب الدخل المحدود لا يستطيع تلبية احتياجات افراد عائلته. أتساءل اين خطة الزراعة في العراق واين القروض والاموال التي منحت للمزارعين من اجل الزراعة.

 (عمار ابو عبدالله ) صاحب مكتب لبيع الفواكه والخضر في علوة الرشيد يقول :

يوجد في بغداد مركزان رئيسيان لبيع الفواكه والخضر هما علوة جميلة في جانب الرصافة وعلوة الرشيد في جانب الكرخ بالاضافة الى علوة التاجي. كانت هذه الاسواق تعتمد سابقا على ما يضخه الفلاح العراقي من المنتجات الزراعية (الفواكه والخضار ) وبعد عام (2003) بدأت تدخل الى الاسواق العراقية المنتجات الزراعية التي حرم منها العراق لفترة من الزمن كالتفاح والموز وغيرها من الفواكه وبأسعار لا تتجاوز الـ (1000) دينار للكيلو غرام الواحد والتي اصبحت تنافس المحصول المحلي . وما حدث من تصحر وجفاف وقلة مناسيب الانهار ادى الى عزوف الكثير من المزارعين عن الزراعة وكذلك تحويل الكثير من الاراضي الزراعية الخصبة الى مناطق سكنية. والشيء الذي يحز بالنفس ويدمع العيون هو اننا نستورد الخضار من الاردن والسعودية اللتين لا تمتلكان انهارا كما في العراق ولكن يمتلكون تخطيطا زراعيا على مستوى عال واستخدام طرق الري الحديث بينما نحن مازلنا نستخدم الانظمة الزراعية القديمة .

وتحدث المهندس الزراعي في وزارة الموارد المائية الذي لم يذكر اسمه وقال :

يعاني العراق من مشكلة وازمة حقيقية وهي شحة المياه مما ادى الى هجرة سكان الريف الى المدن حيث ترك الالاف من سكان الريف مناطق سكناهم وتوجهوا نحو المدن وتركوا مهنة الزراعة وانخرطوا باعمال اخرى ويعاني نظام ادارة الموارد في العراق من اثار الحروب والعقوبات التي جرنا اليها النظام السابق على مدى ثلاثة عقود وكذلك الاهمال الكبير والواضح في البنى التحتية ورغم الجهود التي تبذلها الدولة من اجل توفير الماء حيث يوجد اكثر من ربع سكان العراق يستخدمون حاليا المياه من مصادر غير مأمونة للشرب. اما تقارير الامم المتحدة وتحذيرها من احتمال نضوب وجفاف نهري دجلة والفرات نضوبا تاما بحلول عام (2040) بسبب التغيرات المناخية وارتفاع نسبة الحرارة وانخفاض معدلات تجهيز المياه من المصدر (تركيا وسوريا وايران ) وزيادة الاستخدام المنزلي والصناعي للمياه. وان نسبة مياه نهر الفرات قليلة جدا ولا تكفي لسد حاجة العراق ومن المتوقع ان لا تكفي هذه الكمية للزراعة في المستقبل القريب . اما من ناحية السدود فهي كذلك تعاني من قلة المياه بسبب قلة مياه الامطار وقلة مناسيب الانهار وكل ذلك ادى الى قلة الزراعة وضعف الانتاج في المحاصيل وعزوف الكثير من الفلاحين عن الزراعة بسبب دخوله للعمل في مجال العقارات والتجارة .

المحامية (ايمان رعد الطائي) يقول :

خلال متابعتي للزراعة في العراق كوني لدي اقرباء يعملون في زراعة المحاصيل الزراعية ومناقشتنا لمشاكلهم وهمومهم وشاهدت الكثير من هؤلاء الذين يعملون في الزراعة قد تخلوا عن الزراعة بشكل  نهائي حيث تم تحويل اراضيهم الى اراض سكنية او معامل صناعية حيث انها تدر لهم ارباحا اضعاف ما يحصلون عليه من الزراعة . وكذلك عدم وجود الرقابة والمتابعة من قبل الدولة على الفلاحين المستفيدين من الاقتراض الحاصلين على (القروض الزراعية ) حيث يقوم هؤلاء الفلاحون بأخذ مبلغ القرض ويقومون بشراء احدث السيارات واصبحوا يعملون كسواق كيا او سواق حمل او اجرة او يقومون بفتح محلات كبيرة (سوبر ماركت) تدر عليهم مبالغ كبيرة ومنها يقومون بتسديد اقساط القروض وكل هذا موجود ولم نشاهد الحكومة والمصرف ووزارة الزراعة حركت ساكنا للقيام بأعمال رادعة بحق هؤلاء . ولا نرى مجالس المحافظات تقوم بإجراءات منع فرز قطع الاراضي الزراعية وتحويلها الى اراضي سكنية حيث نعاني من فوضى كبيرة ونتمنى ان نجد الحلول السريعة وايجاد البدائل للفلاحين وكذلك القيام بدعمهم بالبذور ومعدات الري الحديثة .

الفلاح (ابو منصور ) يقول :

نحن كفلاحين ونمتلك خبرة في مجال الزراعة يجب علينا ان نوصل اصواتنا للمسؤولين والوزارات المختصة كما يجب علينا ان نقوم بدعم المحاصيل التي تزرع في العراق بصورة كبيرة اي نستخدم مبدأ التخصص في الانتاج حيث نقوم بزراعة المحاصيل الزراعية كالطماطة والبطاطا والخيار والباميا والباذنجان وغيرها وأيضا زراعة الحنطة والشعير والذرة والشلب ودعم وتكثير زراعة النخيل وانتاج التمور والحمضيات والرمان لان ارضنا خصبة بزراعة مثل هذه المحاصيل وكمية الانتاج فيها كبيرة جدا ومن ثم نستطيع تصدير الفائض منها وكذلك ندعو ان تقوم الوزارة بدعمنا بالبذور وبمعدات الري الحديثة كمرشات التنقيط وغيرها .

 (سلام حيدر) خريج كلية الزراعة يقول :

تخرجنا من كلية الزراعة واصبحنا عاطلين عن العمل وذلك لقلة وجود الوظائف وانحسار تخصصنا حيث لا تقبل جميع الوزارات باختصاصنا كون المتخرج من كلية الزراعة والحاصل على بكالوريوس زراعة او هندسة زراعة يجب عليه ان يعمل في وزارة الزراعة وبعض الوزارات التي تقبل باختصاصنا . نحن كشباب طموحين ونمتلك الثقافة العلمية في مجال الزراعة والتربة نرجو من الحكومة العراقية ان تقوم باستغلال الاراضي الجرداء الشاسعة على طول خارطة العراق من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه . حيث نتمنى ان تقوم الحكومة بمنح اراضي لخريجي كليات الزراعة كل متخرج حسب محافظته الساكن فيها ، حيث يقوم الخريج اقامة مشروعه على هذه الاراضي . حيث يقوم اما بزراعتها او اقامة مشروع تربية الدواجن وبيض المائدة او تربية الحيوانات كلابقار والاغنام او اقامة مشاريع تعليب التمور وغيرها . وهذه الاراضي تبقى باسم الدولة حيث يقوم المتخرج المستفيد من هذه المبادرة بمجهوده وخبرته في مجال الزراعة وعلى الدولة ان توفر له البذور ومعدات الري والزراعة وتقوم بوضع جدول زمني للحصول على الانتاج وبذلك نكون حصلنا على مكاسب كبيرة وإستراتيجية ومهمة للدولة منها القضاء على البطالة من خلال تشغيل الايدي العاملة . وكذلك القضاء على مشكلة التصحر وجعل العراق عبارة عن بساتين ومزارع جميلة تدر بالمحاصيل الزراعية والاكتفاء الذاتي وتصدير الفائض الى الخارج وكذلك رفد الميزانية الاتحادية من خلال ما يدخل من اموال جراء تصدير هذه المحاصيل وعدم استيرادها وكذلك القضاء على مشكلة الهجرة من الارياف . كل هذه الامور بسيطة وليست معقدة ولكن تحتاج الى ارادة وخطة مدروسة .

وفي الختام ….. عانى العراق خلال اكثر من ثلاثة عقود من سياسة زراعية غير مدروسة ادت الى تراجع العراق في مجال الزراعة بعد ان كان من البلدان المتقدمة في مجال الزراعة في خمسينات وستينات وسبعينات القرن المنصرم . ولكن ما حصل من حروب وحصار اقتصادي ومحاربة ابناء المحافظات الجنوبية من خلال سياسة تجفيف الاهوار ادى الى هجرة الكثير من العاملين في مجال الزراعة وزحفهم نحو المدن للعمل في مجال اخر غير الزراعة . وبعد عام (2003) لم يتغير شيء في مجال الزراعة بل بدأ بالتراجع الى الوراء بصورة اكبر مما كان عليه قبل عام 2003 حيث اصبح العراق مستوردا للفواكه والخضر بعد ان كان مصدرا ومكتفيا ذاتيا وبعد ان كان منتجا اصبح مستهلكا. وبعد ان كان النظام سابقا يستخدم سياسة تجفيف الاهوار اصبحت اليوم دول الجوار(تركيا وسوريا وايران) تقوم بهذا العمل من خلال القيام بعملية تقليل حصة العراق المائية وكذلك قطع منابع المياه بل ووصل الحال الى تجفيف انهار بالكامل وتحويل مياه البزل نحو الاراضي العراقية من قبل الجارة ايران . كل ذلك ادى الى زيادة حالة التصحر وقلة مناسيب الانهار واندثار الكثير من المزارع والبساتين بسبب شحة المياه والعمليات العسكرية اما الان فبدأت ظاهرة جديدة وتعتبر من اخطر حالات القضاء على الزراعة ومتغاض عنها من قبل الحكومة والجهات المختصة وهي تحويل جنس الارض من زراعي الى سكني. حيث يقوم مالك المزرعة او البستان بفرز المزرعة الى قطع اراض وبيعها وهذا ادى الى اختفاء العشرات من المزارع والبساتين في بغداد والمحافظات . اما في اواخر عام (2009) بدأت الحكومة بوضع سياسة زراعية للنهوض بواقع زراعي متطور يواكب ما يحصل في العالم من خلال استخدام معدات الري الحديثة واستخدام الهندسة الوراثية في مجال تحسين البذور المقاومة للظروف الجوية والبيئة وكل هذه الخطط والسياسات الزراعية نتمنى ان تطبق بشكل اوسع واسرع للنهوض بواقع زراعي يعيد العراق الى مكانته المتقدمة في مجال الزراعة وجعله من بلد مستورد مستهلك الى بلد منتج مصدر.

مقالات ذات صله