بعد هجرتهم القسرية .. نساء الموصل يجعلن رائحة الأكلات الموصلية تفوح في جنوب العراق

بغداد ـ متابعة

حوّل أهالي الموصل مأساة تهجيرهم في ربوع العراق وخارجه إلى فرصة لنشر عادات وتقاليد موصلية في أي بلدة يحلون بها. وعرف المطبخ الموصلي بتميزه ومذاقه وتنوعه، لذلك حرص الموصليون على فتح مطاعم كما حرصن الموصليات على تعليم جاراتهن في مساكنهن الجديدة فنون الطبخ الموصلي، فأصبحت نساء الجنوب ينوعن موائدهن في البيت بالكبة القيسية والسماقية وغيرهما من الأطعمة التي تفوح رائحتها لتعلن أن أنامل موصلية وصلت إلى الحي، ويحولن بذلك وجع فراق الموصل إلى فرصة تجعل العراقيين يكتشفون عراقة هذا البلد الغني بتقاليده وعاداته.

أكلات مختلفة ومتنوعة تطرح حقيقة أن العراق أكثر من وطن، وأكثر من أسلوب عيش وحياة وثقافة وتنوع وغنى حضاري. ما أن تصل إلى بيت العم الموصلي المهجر أبو ياسين في الكوت حتى تشم رائحة الأكلات الموصلية التي تملأ زوايا المنزل من الخارج (كبة القيسي، سماقية، خبز رقاق)؛ أسماء وأوصاف لأكلات متنوعة.تحرص عائلة عبد الواحد توفيق المكنى أبو ياسين على طبخ الأكلات الموصلية بشكل دوري، ناهيك عن أصناف متنوعة أخرى من المطبخ الموصلي العريق (أكلة الكشك والطرشي الموصلي الشهير)، أكلات مختلفة ومتنوعة تطرح حقيقة أن العراق أكثر من وطن، وأكثر من أسلوب عيش وحياة وثقافة وتنوع وغنى حضاري، يتمثل حتى بتنوع مطابخه المحلية.ويبدو أن هذه الأكلات التي تشتهر بها مدينة الموصل حظيت برغبة وقبول الواسطيين وكافة العراقيين في المدن الأخرى، وحسبما تقول الفتاة الواسطية مريم نعمة، فإن التنوع في المطبخ الموصلي ولَّد حالة من الرغبة العارمة في صفوف الواسطيات للإقبال على تعلم فن تحضير هذه الأكلات وتقديمها لأفراد العائلة.

“يصعب على أرباب البيوت تجاهل هذا النوع من الأطعمة التي تتميز بطيب مذاقها”، تضيف مريم وهي تحاول إتقان تعلّم تصنيع الكبة وفق الطريقة المصلاوية، وإزاء هذه الرغبة العارمة التي تدفع مريم لتعلم فن تحضير وطبخ الأطباق المصلاوية، لم تجد إيلين ميخا الفتاة الشبكية المهجرة من تلعفر جنوبي الموصل، وقتا أفضل من الوقت الذي تقضيه برفقة جارتها الجديدة مريم.

ساعات طوال تقضيها إيلين إلى جانب جارتها، لتعليمها فنون المطبخ الموصلي وطرق تحضير بعض الأكلات التي يتميز بها أهل الموصل دون غيرهم، فيما تحاول مريم مساعدة الفتاة الشبكية في معرفة بعض المفردات المتداولة في أوساط النسوة الجنوبيات.

وتقول إيلين حول ذلك “نحن مجبرون على التعايش مع الظروف التي تحيط بنا، وإذا كانت ثمة إيجابية في موضوع التهجير، فهي التعرف على ثقافات أبناء المحافظات الجنوبية المختلفة”.وترى المهجرة العراقية أنَّ “محافظة نينوى من أكثر المدن التي تتميز بلهجتها ومطبخها وتعدد أنواع الأطعمة والأكلات التي لا تعرف في مناطق الجنوب”، مبينة أنَّ “مناسبة اللقاء بين هذه العائلات هي فرصة سانحة لنتعلم من بعضنا البعض”.وحول رغبة بعض نساء المدينة بتعلم تحضير بعض الأكلات الموصلية تقول إيلين “بالفعل لمست رغبة في طبخ هذه الأكلات عند أغلب جيراننا في الحي الذي نسكنه، لكن بعض ربات البيوت يواجهن صعوبة في تحضير بعضها، ومنهن من تعلمت طبخها بالفعل وصارت تقدمها لأفراد عائلتها بشكل مستمر”.

ووصل إلى محافظة واسط بعد سيطرة تنظيم داعش في العام 2014 أكثر من ألف عائلة من قضاء تلعفر بمحافظة نينوى، حسبما أعلنت حكومة واسط المحلية في حينها، مبينة أنها نظمت قاعدة بيانات لتلك الأسر وعملت على توفير المساعدات الإنسانية لها.ورغم ما يعانيه المهجرون في أوطانهم من تردي الأوضاع النفسية وصعوبة عملية الاندماج والعمل والدراسة لأسباب مختلفة، إلا أن والدة إيلين تتفق مع القائلين إنَّ النساء أكثر من غيرهن “استجابة لمسببات الاندماج والتي قد يكون تعدد المطابخ وتنوع الأكلات واحدا منها”. وحول أشهر الأكلات التي بدأت تصنَّع بالفعل في أوساط الجنوبيات تقول إن من أشهر الأكلات الموصلية التي يتم تحضيرها في أوساط المدن الجنوبية هي ما تعرف بــــ”عروق الفرن”، وهي واحدة من الأكلات الشهيرة التي حظيت برغبة أبناء الجنوب لطيبة مذاقها وسهولة تحضيرها.وبينما تنشغل المرأة المهجرة بتقشير البطاطا والبصل، تقول “يتم تحضيرها عبر خلط البرغل الناعم والجريش والسميد الخشن مع نصف كوب ماء والقليل من الملح والكاري والفلفل والبقدونس والطماطم والبهارات وماجي الخضروات ومعجون الطماطم واللحم، إذ تتم إضافة المواد إلى بعضها البعض وتترك لمدة ساعة تقريبا وتجهز لاحقا”.هذه العائلة ليست المهجرة الوحيدة التي لا تزال تصرُّ على تحضير الأكلات الموصلية بشكل دائم بعد قرابة السنتين من التهجير، لأن أم عمر نموذج نسوي آخر، وجدت في طبخ وتحضير هذه الأكلات وبيعها لبعض مناطق الكوت مهنة تعتاش بواسطتها. ففي صبيحة كل يوم تجلس أم عمر على الأرض، ‏وأمامها وعاء كبير تدعك فيه الكُبب الموصلية.‏ وتعدّ الطعام لأسرة نازحة تعاني فقرا شديدا، لكن اللافت للنظر أن حالة فقراء المدينة تتشابه مع حالة النازحين في العام الحالي بسبب حالة التقشف المالي التي تعيشها العائلات العراقية.‏ تقول أم عمر حول ذلك “أنا أعمل طباخة مذ كنا في الموصل وكان عملنا يتطلب تحضير أنواع الأكلات حسب طلب العائلات هناك، لكن بعد التهجير تغيّر كل شيء، والوضع بات مختلفا بشكل جذري”. وتضيف “بعد وصولي إلى الكوت لم يكن لدي خيار سوى البحث عن عمل ملائم لتسديد إيجار الشقة التي تعيش فيها عائلتي المكونة من زوجي وولدين”.

وحسب رواية أشواق الجبوري التي يسميها الجيران أم عمر، فإن قصتها مع استئناف طبخ الأطباق المصلاوية بدأت بعدما تعرفت عبر موقع الفيسبوك إلى بعض النسوة من سكان المدينة، لتشارك معهن في بازار لعرض المنتجات البيتية. وفي مسعى لترويج أطباقها المصلاوية تعلن أم عمر عبر صفحتها الشخصية في الفيسبوك عن استعدادها لتوفير كافة الأكلات والأطباق الطازجة للراغبين في مختلف مدن محافظة واسط.علي العابدي مختار من حي الكفاءات الذي تقطنه أم عمر يقول “تتمتع المرأة بقدرة ورغبة عاليتين في توفير هذه الأطباق لمحتاجيها، وهذا العمل بحد ذاته فرصة مناسبة لها للنهوض بأعباء الحياة وبناء شبكة من العلاقات الاجتماعية’. ويضيف العابدي “الواسطيون كثيرا ما يعبرون عن إعجابهم ورغبتهم في تناول الأطباق المصلاوية، وتعلم فنون طبخها، بعدما وجدوا فيها ضالتهم”.

 

مقالات ذات صله