بعض المهن تصبغ أصحابها بطبيعتها .. مهنة الشخص عامل أساسي في تغيير شخصيته

 

أعداد ـ الجورنال

المشكلة لا تكمن في المهنة وأثرها على الإنسان بل في القدرة على الفصل بين المتطلبات السلوكية والنفسية للمهنة وبين متطلبات حياته الشخصية فهناك من لديه قدرة عالية على الفصل وهناك من لا يقدر على ذلك .

على سبيل المثال ، لم يترك عباس كاظم وظيفته التي قضى فيها لأكثر من 20 سنة ولكنها هي من تركته بعد أن أعلنت الشركة التي يعمل فيها إفلاسها، كان عباس يعمل في كتابة الصكوك الحكومية والمعاملات الرسمية للشركة، ولذلك فمع مرور سنوات الخبرة اكتسب ذائقة جميلة في اختيار التعبيرات اللائقة في الكتابة لتلك الجهات والتخاطب مع المسؤولين مع قدرة عالية على معرفة الأنظمة والقوانين والثغرات التي تتطلب كل حالة، كما أنه اتصف بالخط الجميل على الرغم من سرعته الفائقة في الكتابة على الكمبيوتر، وبقدرة عالية على فهم وترتيب محتوى تلك الخطابات، وعلى الرغم من أن عبدالله أصبح بلا وظيفة وطرق العديد من الشركات، إلا أنه لم يجد سوى وظيفة أخرى تبعد كثيراً عن مجال خبرته فاضطر للعمل لصعوبة لقمة العيش، ولكنه مازال يشعر بأصابعه تحن إلى طرق مفاتيح لوحة الكمبيوتر، وكلما أثير حوله موضوع أخذه على محمل جاد فيذكر حيثياته ومن أي زاوية وثغرة يمكن حله ثم إنه لا يتردد أن يكتب الخطابات لجيران الحي إذا ما احتاج أحد منهم لذلك ولا يوجد شك في إبداعه الكتابي ذاك كخبير كتابة.

فما السر خلف شخصية عباس وما سر القدرة الهائلة على ربط المعلومات بشكل مشدود على آخره، ثم صفاته البارزة في الإتقان والتدقيق، هل هذا بسبب الوظيفة التي خسرها والتي مازالت تعيش بداخله فتحركه وتلون شخصيته؟ وهل يمكن أن تغير بنا المهن التي نمتهنها كل ذلك القدر من الصفات في شخصياتنا فتسيرنا نحو سلوكيات ولدت مع أول يوم امتهنا فيها الوظيفة العملية؟ أيمكن أن تدفعنا وظائفنا نحو صفات سلبية تغير من نظرتنا للأشياء من حولنا؟ أم هي الإيجابية التي نتعرف عليها مع المهنة؟

أسئلة عديدة ولكن الأكيد بأن للمهن التي نمتهنها أثر كبير على شخصياتنا فإما أن تدخل هي لعالمنا فتعرف كيف تجعل منا بداية انطلاقة نحو تغير تصاعدي في الشخصية بشكل إيجابي، وإما أن ندخل نحن عالم الوظيفة فنكون جزءً من كينونتها ونسير وفق ما تقودنا إليه حتى نتحلل في متطلباتها ومن ثم بفعل الزمن نكون أسيرين لها، ولذلك ربما نضيع إذا ما خسرناها وأخرجتنا من عالمها دون مقدمات، ولكننا نجد أنفسنا بأن شخصياتنا عنوان لها حتى أن الآخرين يستطيعون التعرف على مهننا دون أن نفصح لهم عن مسمياتها، فن

شبه الوظيفة أكثر مما تشبهنا.

وظيفة ليلية

أوضحت سمر الربيعي -مشرفة في قاعة أفراح- بأن عملها أكسبها الكثير من الصفات التي تغيرت معها مع مرور الزمن، حيث تعمل كمشرفة في قاعة أفراح لأكثر من ثلاث سنوات حتى تحولت بفعل الساعات الطويلة التي تقضيها في العمل إلى كائن ليلي، تفضل أن تسهر الليل وتجد نفسها مجهدة في النهار حتى أصبحت بفعل وظيفتها لا تفضل الخروج أو القيام بأي زيارة نهارية لأن طبيعة عملها في المساء بشكل دائم إلا أن الكثير ممن حولها أخبروها بأنها أصبحت أكثر تحملاً من قبل للآخرين وذلك بفضل وظيفتها التي تضطر أن تتعامل من خلالها مع الجمهور النسائي وهو الجمهور الذي يحتاج إلى دماثة خلق وصبر وحسن إصغاء للملاحظات مما أكسبها خبرة في طرق التواصل مع الناس بشكل جيد، وانعكس ذلك حتى على تعاطيها بداخل أسرتها، ولكنها وجدت بأن لوظيفتها سلبيات أكسبتها إياها مع مرور الوقت وأهمها بأنها أصبحت ترفض حضور أي مناسبة من مناسبات الأعراس لأقاربها لكثرة شعورها بالتشبع من هذه الوظيفة التي تستلزم البقاء في محيط الأعراس لفترات طويلة.

عطاء دائم

أما تمارة علي -مشرفة اجتماعية في إحدى المدارس- فترى بأن لوظيفة الشخص تأثير بالغ على شخصيته فقد أنفقت الكثير من السنوات وهي تعمل في المجال الاجتماعي كمشرفة وأخصائية اجتماعية خلالها اقتربت من الطالبات ومن همومهن وحاولت مد يد العون لهن في مساعدتهن للخروج من مشاكلهن حتى الأسرية وكذلك المعلمات وقد وجدت نفسها مع مرور الزمن بأنها لا تستطيع أن تتغافل عن القيام بدورها الاجتماعي حتى في البيت من خلال أسرتها، وفي النشاطات الخيرية فأصبحت تتطوع من أجل الاقتراب من هموم الآخرين، مشيرةً إلى أنها ذات يوم كانت تنتظر دورها للدخول على طبيبها فلاحظت وجود امرأة تبدو على ملامحها الهموم والحزن فاقتربت منها وجلست بجوارها وأخذت تبدي رغبتها في الاستماع إلى همومها لعلها تستطيع أن تساعدها، مبينةً بأن لذلك سلبيات فالبعض أصبح ينعتها بالفضول وبالرغبة الدائمة لاستعراض مهاراتها كأخصائية إلا أنها تجد بأنها أصبحت مجبولة على حب عمل الخير ومساعدة الآخرين فقط.

متطلبات ذهنية

من جانبه أشار د. محمد علاء الدين -استشاري في الطب النفسي- إلى أن لكل وظيفة متطلبات ذهنية وفكرية وعقلية ووجدانية حتى تساعد الفرد على أداء مهمته في الوظيفة التي يمتهنها فمن يعمل باستخدام يديه يجب أن تكون لديه مهارة في استخدام يديه والترتيب والتنظيم، وكذلك من يعمل في مراقبة الآخرين فهذا يتطلب منه مهارات محددة وهكذا جميع الوظائف ولذلك فإنه مع مرور الوقت وتقادم الزمن ربما ينقل سلوكياته وطريقة تعامله التي يتعامل بها في العمل إلى حياته الخاصة في البيت.

وأوضح حافظ بأن هذا لا يعني بأن لا نستفيد بمعطيات عملنا بل نستفيد ولكن يجب التحكم في الفصل فالطبيب النفسي على سبيل المثال يستمع كثيرا لمشاكل وهموم الناس فإذا لم يستطع أن يفصل بين عمله وحياته الأسرية سينقل تلك المشاكل لبيته أو ربما يتصرف مع الزوجة والأبناء على اعتبارهم حالات لديه بها عقد نفسية وأشياء في اللاوعي فحياته تكون غير طبيعية، على سبيل المثال نجد شيخا وإمام مسجد ذي شخصية اعتبارية ولكنه في بيته لطيف ويمازح الأطفال وقريب من أسرته.

صفات مرتبطة بالوظيفة

وكشف محمد عن أهم الصفات لبعض الوظائف والتي تضفي بعض الصفات على صاحبها فالنجار يتصف بالمهنية العالية في العمل اليدوي لديه تآزر بصري ويدوي ولديه قدرة على التخيل والابتكار وغالباً النجار ما يستفيد من خبراته السابقة وبالتالي يكون رجلا يتصف بالصلابة واليد الخشنة والقوة وصاحب قرار كما أنه يتصف بالهدوء والتركيز، أما من يعمل في القطاع الأمني أو العسكري فغالباً ما تكون شخصيته حازمة أكثر من غيره ولديه حس عالٍ، أما الكاشير فهي من المهن التي يراها الناس بسيطة إلا أنها تتطلب قدرة عالية على الحساب بسرعة وإنجاز العماليات الحسابية بشكل كبير وعادة مثل هؤلاء نسبة ضربات القلب تكون عالية لديهم نظراً لتطلب السرعة في الإنجاز ولذلك فربما يغضب بسرعة عالية بسبب الضغط، أما الإعلامي فيتصف بالتعامل اللبق والبشاشة والحديث المنمق ولذلك فأسرته سعيدة بأسلوبه وبعباراته الإيجابية لأن عمله يتطلب ذلك ولذا فإن الإعلامي يستفيد من مهنته في تحسين علاقاته العامة والخاصة وذلك يكسبه الكثير من العلاقات الاجتماعية أما الآكاديمي في الجامعات فيتصف بالخبرة والمعلومات الكثيرة، أما مغسل الموتى فيتصف بالزهد والحياة صغيرة في عينه لأنه شاهد على النهايات فتفكيره في الزهد والورع، أما الخبير الصحي فيتصف بالتدقيق في أمور التغذية حتى أن حديثه دائما عن السعرات الحرارية في الطعام فقد يقدم خبرته للآخرين ولكنه يبالغ في التدقيق، أما الطاهي أو الطباخ فيتصف بالمرح والسعادة والسعي خلف التميز لأنه يسعى للأفضل حتى يسعد الزبون كما أنه يتصف بالحس الذوقي العالي.

وأوضح محمد بأن الوظائف السلبية هي تلك الوظائف التي يكون أثرها سلبي على نفسية الإنسان خاصة حينما يكون انطباع الآخرين عنه أيضا سلبي بسبب مهنته فعلى سبيل المثال من يعمل كسياف وهو الشخص الذي ينفذ حكم القصاص فهو يتصف بنفسية سيئة ويعاني كثيرا لأنه ينفذ الأحكام القضائية ولذلك فإن عددهم قليل وتقدم لهم الرواتب الضخمة حتى يقبلوا بمثل هذه الوظيفية فهي من أصعب المهن لأن فيها مواجهة مع الجمهور وهي وظيفة سلبية، وأيضا موظف رصد المخالفات المرورية فهو قد تكون النظرة إليه سلبية من قبل الناس بسبب المخالفات، وكذلك محصل الديون من أصحابها، مبينا بأن المرء يختار وظيفته ولكن أحيانا في اللاوعي يذهب المرء إلى الوظيفة التي يرتاح بها فيسعد في تلك الوظيفية وهناك من يمتهن وظيفة لمجرد الوظيفة ولذلك فإن من يتصف بشخصية حادة لا يفضل العمل في وظيفة تتطلب التعامل الطويل مع الناس فيفضل العمل مع الأجهزة.

مقالات ذات صله