ذكريات من ” جيل الطيبين “..تقاليد المجتمع العراقي بين الماضي والحاضر

بغداد ـ لميس عبد الكريم

في خضم التطورات ووسائل الاتصال المختلفة والمتعددة بات من الممكن الاتصال بمن تشاء حتى لو كان بالطرف الثاني من العالم ليس هذا وحسب بل تشاهده أيضا

والحديث عن التغييرات والمشاكل التي أحدثتها التطورات والتكنولوجيا ليس بجديد، فقد تنوعت الاقلام واختلفت بشروحها وتفسيرها، والانسان العراقي واحد من البشر الذين تأثروا سلبا كان او ايجابا بها، وربما السلبية فاقت ايجابياتها، كون المجتمع العراقي محافظا على تقاليد وأعراف المجتمع بالإضافة الى انها  في فترة حكم الدكتاتور لم تكن ممنوعة وحسب إنما اغلبنا لم يسمع بها او يتصورها.

سابقاً, عندما يريد شخص ما زيارة أقاربه في بلدة بعيدة فانه يذهب وهو لا يدري هل سيجدهم أم لا، وتعد البرقية أول وسيلة تواصل عرفها الناس حيث ساهمت في سرعة التواصل، فعندما يسافر أحد من الناس فإنه يرسل إلى أهله برقية تفيد بوصوله أو العكس حيث يخبر برجوعه في يوم محدد، كما حملت البرقيات الأخبار السارة كالولادات أو الزواجات أو الأخبار المحزنة كالوفاة، ولكن لكون البرقية في ذلك الوقت مكلفة وانتشارها في كل بلدة قليل فقد كانت وسيلة صعبة وغير متوفرة للكل، ومع ظهور الهاتف بدأ الناس يعرفون طريقة أسهل للتواصل وان كان الهاتف في بداية ظهوره محدوداً حيث كان انتشاره في المدن الكبرى .

وسائل الاتصال الحديثة

كانت الفترة التي سبقت ظهور وسائل الاتصال الحديثة تتسم بميزتين فالأولى منهما كانت محزنة وهي تأخر وصول الخبر إلى من يصاب بفواجع الدهر، حيث كان البعض يرحل إلى عمله لأيام وينقطع عن أهله وأحبته وذلك لعدم وجود وسائل اتصال حديثة فيعود ويفجع بموت أحد أحبته من أقاربه كأحد والديه أو إخوته أو زوجته أو أحد أبنائه، أو حتى أحد أعز أصدقائه وجيرانه فيعض أصابع الندم لعدم حضور تشييع جنازته أو حضور أيام العزاء الأولى، وقد تعددت القصص المحزنة في هذا المجال مثل قصة من عاد بعد ثلاثة أيام وهو يحدوه الشوق بعد أن أتم عمله في نقل الركاب إلى أحد المناطق المجاورة إلى لقاء زوجته وابنته الوحيدة التي أحضر لها بسكويتاً وكان شغوفاً بها ومتعلقا، وما أن حط رحاله أمام البيت إلا وأخوه ينقل إليه خبراً نزل عليه كالصاعقة وذلك بوفاة زوجته وابنته الوحيدة منذ ثلاثة أيام احتراقاً في البيت بفعل انفجار (ثلاجة) والتي كانت تعمل بـ (الغاز) قبل انتشار الكهرباء فأظلمت الدنيا في عينيه ورمى ما بيده ودخل في نوبة بكاء حزناً وكمداً، وأما الميزة الأخرى التي كانت جميلة في ظل انعدام وسائل التواصل الحديثة فهي أن المرء إذا خرج إلى نزهة أو سفر فانه ينقطع عن جميع المشاغل فلا يتصل عليه أحد يطلب منه الحضور لإتمام عمل أو حل مشكلة فيفسد عليه نزهته، فيقضي وقته مستمتعاً حتى يعود ويتولى إتمام مهامه المعدودة.

 

طبع الإنسان على الأنس بمن حوله، فلا يتصوّر الإنسان أن يسير مركب الحياة بدون أن يكون هناك تواصلٌ بينه وبين النّاس وخصوصاً ممن تربطه بهم قرابة أو صداقة، فالتّواصل والاجتماع وتبادل المعارف والمعلومات بين النّاس هو سنّة الكون وسنّة الحياة الدّنيا، ومن أقدم الوسائل التي عرفها الإنسان للتواصل هي كتابة الرسائل وبعثها من خلال البريد، وقبل توفر تقنية الاتصال الحديثة كما هو علية الحال الآن فقد كان السبيل الوحيد للتواصل هو المراسلة، فما كان على من أراد معرفة أخبار من يحب إلا أن يبادر إلى كتابة خطاب والذي كانوا يطلقون عليه اسم (خط)، ومن ثم بعثه مع من يثقون في إيصاله إلى من يرغبون وذلك قبل تأسيس البريد الرسمي ووصوله إلى كل بلدة.

وقد كنا حريصين على ان يكون بين سطورنا رأي لإحدى الفتيات وفعلا جاء رأي الطالبة نبراس خليل في كلية الإدارة والاقتصاد جامعة كربلاء كما يلي, إن أغلب الأهالي اليوم عندما يكتشفون ان بناتهم يعشن قصة حب او أنها تتواصل مع شاب يغتاظون ويصدرون العقوبات التي تصل أحيانا حد القتل.. متناسين البحث والوقوف على الأسباب التي دفعتها الى ذلك، ودون السؤال هل السبب هو نقص في الدين أم الإطلاع والمعرفة؟ وما سبب هذا النقص؟ ام هناك اسباب اخرى؟ فإذا كان السبب الاول هو المرجح فهل النقص يشمل البنت فقط ام كل افراد الاسرة؟ ولم دينها ناقص؟ لابد انها لم تحصل على الارشادات الكاملة من الاهل.. اما إذا كان هناك اسباب اخرى فما هي؟ كثيرة هي التساؤلات.. ولكن حسب تجربة مجموعه من البنات وحسب كلامهن وبعد سؤالهن والنقاش حول الاسباب وجدت ان أغلبهن يبحثن عن الحب ويثير اهتمامهن لدرجة كبيرة ويشغل حيزا كبيرا في حياتهن والسبب هو نقص الحب والاهتمام في العائلة.. لم يكن السبب نزوة ولا غريزة ولا نقص بالدين ولا عدم معرفة المجتمع وانما هو نقص بداخلها بسبب الاهل.. الاهتمام بمفهوم البنات هو ليس توفير الطعام والملبس ووسائل الراحة كما يعتقد الكثيرون.. بل الاهتمام هو بتقديم الحب.. بسؤالها ماذا تحبين؟ ماذا تفضلين؟ هل نمتِ جيدا؟ مع ملاحظة ان كانت سعيدة او حزينة وسؤالها عن سبب عبوسها؟.. وأن يخبروها بأنهم يحبوها فهذا أفضل من تقديم طعام فاخر لها.. وان تحتضنها والدتها وتخبرها انها جوهرتها الثمينة اهم من تقديم الجوهرة لها.. وأخيرا لكي ينشأ جيل صحيح لابد من تربية صحيحة.

في الختام لقد اخترنا هذه الآراء لتشابهها مع الكثير ممن وجهنا لهم سؤالنا، وكذلك تراوحت نسبة اعتقادهم بتأثير (التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي) على المجتمع العراقي بين 40% الى70% بحسب وجهات نظرهم، ونود ان نختم موضوعنا هذا بقول للإمام علي ابن ابي طالب: (لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم). متمنين على الأهل أن يرفعوا من مستوى المسؤولية والاهتمام ببناتهم وتأديبهن ليس بالقهر والجبر بل ترغيب البنات بمحاسن الأخلاق لتتم عن قناعة وتبقى راسخة في شخصيتها.

تأثير التطور

أخيرا ..كان لظهور التليفون وانتشاره في كل مكان بداية إلى التواصل بشكل مؤكد مع الآخرين، حيث كان همزة وصل مع الغير، فعندما كان البعض مثلاً ينوي القيام بالسفر إلى أحد أقربائه أو أصدقائه في بلدة بعيدة عن بلدته فانه يجري اتصالاً هاتفياً به ومن ثم يخبره بعزمه على القدوم إليه ويحدد موعداً مناسباً لوصوله، وبذلك فانه يمشي وكما لو أنه قد أدى حجز مؤكد لدى شركة طيران في أيامنا هذه، ومن ثم ظهر الهاتف (السيار) المرفق في السيارات والذي كان يعد في وقته من علامات الترف إذ كان سعره باهظ الثمن لذلك لم يكن يتم تركيبه إلا في السيارات الفارهة، بعدها جاء الهاتف الهوائي الذي يعمل في محيط دائرة معينة لا يتجاوز قطرها ثلاثين كيلومتراً، وبعد ذلك ظهر الهاتف الجوال والذي يعد أهم وسيلة ظهرت للتواصل إلى الآن حيث تمكنك من التواصل مع أي شخص ليس في بلدك فحسب بل في أي مكان من العالم إذا توفرت لديه شبكة اتصال، وبعد انتشار الجوال وحصول كل الناس عليه وصلت موجة التواصل ثورتها حيث صار هذا الجوال لا يجعلك تتواصل مع من تحب من أصدقاء وأقارب فقط بل مع العالم كله، ففيه تصلك الأخبار العالمية التي تمكنك من متابعة الأحداث التي تجري في العالم ككل في لحظة وقوعها، كمشاهدة حدث معين كالاحتفالات العالمية أو المباريات الرياضية وغيرها، وبذلك ودّع الناس حياة البساطة إلى حياة التقدم في كل شيء، فقد أصبح الإنسان غائباً شبه حاضر فهو غائب بجسده ولكن حاضراً بطيفه بأجهزة التواصل الحديثة في كل لحظة وحين.

مقالات ذات صله