الشباب بين عالميّ الواقع والافتراض

عبد الرزاق عبد الحسين

قبل ابتكار المواقع التفاعلية، كنا نعيش في عالم واحد، نتقنه تمام الإتقان، ونعرفه تمام المعرفة، لا نشعر بحالة الاغتراب والتيه في عالمنا الواقعي، غالبا ما نكون منسجمين معه ومتأقلمين، بسبب معرفتنا لتفاصيله، أزمنة وأمكنة وإيقونات ورموز، وحين بزغت شمس العالم الافتراضي، نعني بها شبكات التواصل (فيس بوك، تويتر، ماسنجر، يوتيوب) وسواها، نهض عالم وهمي أو خيالي محايث لعالمنا الواقعي، يسير الى جواره، ينافسه في الحضور والحركة والتفاعل وتطوير العلاقات المتبادلة بين الناس والكيانات الأخرى، كالدول والمنظمات باختلاف مهماتها وأعمالها وليس انتهاء بالعلاقات الفردية

إنه إذاً عالم ثان قائم بذاته، وهو ليس كيانا وهميا أو افتراضيا كما يحلو لبعضهم نعته أو تسميته، في بعض الإحصائيات، فقد كشفت شبكة فيس بوك عن أحدث إحصائياتها للمستخدمين النشطين على الشبكة ومن مختلف المنصات لتكشف وصولها إلى أرقام قياسية جديدة

وفي التفاصيل فقد حققت الشبكة حاضرا (1.11) مليار مستخدم نشط شهرياً، وهناك 665 مليون مستخدم نشط يومياً وسطياً بحسب أرقام شهر مارس، كما وأن مستخدمي الهواتف المحمولة والأجهزة المتنقلة بلغوا 751 مليون مستخدم

 

وبمقارنة هذه الأرقام مع إحصائيات سابقة نجد أن هناك زيادة 26% سنوياً في معدل المستخدمين النشطين يومياً، أي الذين يسجلون دخولهم ولو لمرة واحدة في الأقل على الشبكة في اليوم

أما المستخدمين النشطين شهرياً وهم الذين يدخلون مرة واحدة في الأقل في الشهر فزاد عددهم بنسبة 23% بمعدل سنوي مقارنة بأرقام العام الماضي

لكن النسبة الكبيرة في النمو كانت من نصيب مستخدمي الشبكة من الأجهزة المتنقلة كالهواتف الذكية والمحمولة والحواسب اللوحية حيث زاد عددهم بنسبة 54% بمعدل سنوي

هذه الأدلة تشي بما لا يقبل الشك أننا بإزاء عالم يصنع نفسه بنفسه، وينهض بقامته الفارعة وكيانه الكبير (المتجسد حقيقة) الى جانب عالمنا الواقعي، ما يثير اهتمامنا هنا تلك الآراء التي تتمخض عن ملاحظات معظم المتخصصين بالعوالم الافتراضية، إنهم يقولون إن الشباب هم الشريحة الأكبر التي تجد ضالتها في وسائل التواصل الحديثة أو في العوالم غير الواقعية، ويضيف هؤلاء إن ضغط الواقع وأعباءه الكثيرة والثقيلة، تدفع بالشباب نحو حافة الهروب من حياتهم الفعلية، بحثا عن حياة أقل عبئا وثقلا عليهم، فوجدوا ضالتهم في شبكات التواصل الحديثة عبر المواقع المعروفة لاسيما الفيس بوك

في كل ابتكار جديد، محاسن ومساوئ، الحال نفسها تنطبق على مواقع الشبكات الاجتماعية، خصوصا بالنسبة للشباب، لأنهم النسبة الأكبر من العقول متابعة لهذه المواقع، ومتابعة لمنشوراتها وأفلامها والضخ الكبير لأفلام الفديو كتقنية مستحدثة وفعالة وجاذبة للشباب بوجه خاص، وقد أصبح من المؤكد لدى مديري صفحات فيس بوك أن الفيديو يحقق مشاهدات أكبر من أي نوع آخر من المنشورات، ويقدم التبويب الجديد معلومات عن عدد المشاهدات لكامل أو لثلاثين ثانية أو أكثر من الفيديوهات على مستوى الصفحة، وأيضاً يمكنك معرفة أكثر الفيديوهات مشاهدة وتفاعلاً خلال مدة محددة

وفي هذه التفاصيل تطور ملحوظ عن الإحصائيات المتاحة سابقاً والتي كانت تعرض مؤشرات رقمية عن كل فيديو بشكل منفصل

إن الخطر يكمن في المضامين التي تعرضها الأفلام والمنشورات الأخرى، منها على سبيل المثال حاملة للتطرف والكراهية، وأخرى تروّج لاستراتيجيات الإرهاب وثالثة تشجع الشباب على الولوج في ثغرات الانحراف، ومنها من تجعل عقول الشباب في حالة تيه وفقدان شبه تام لليقين، خصوصا مع انطلاق موجات فكرية إلحادية زرعت تساؤلات مخيفة في نفوس الشباب، ومربكة لعقولهم، كأن هنالك مخططات تستهدف عقول الشباب، تقف وراءها دوائر مغرضة غامضة من حيث الهدف والمنشأ

والطامة الكبرى تتجسد في المشكلة التي باتت لا علاج لها، فالشباب جميعا، أو النسبة الأكبر من بينهم، باتت في حالة عدم مصالحة مع واقعها، حيث يحاصرها كل شيء رديء، حتى في البيت لا يجد الشباب ما يبحث عنه، الأب والأم أصبحا من ألد أعداء الأبناء الشباب، في جانب التضييق عليهم ومحاصرة رغباتهم والتشديد عليهم بقائمة ممنوعات ما أنزل الله بها من سلطان، الأمر الذي حدا بالشباب الى اللجوء لعالم آخر أكثر رحمة بهم.

 

فتلقّفهم الفيس بوك، مرحبا بهم، فاتحا أذرعه لهم، مانحاً إياهم أجواء الحرية فيما يريدون ويختارون ويفضلون، حتى صار هذا العالم (الوهم) صديقا لهم، وأكثر رأفة بهم من الأبوين، ومن بيوتهم وغرفهم الخاصة ومن أمكنتهم المعتادة، الخطر يتجسد هنا في هذه الجفوة التي ما فتئت تتوسع بين الواقع والوهم لدى الشباب.

وثمة مشكلة أكبر تتجسد في الخطر الذي تقدمه هذه المواقع التي شكّلت بديلا مكانيا وزمنيا للشباب، فالكراهية والتطرف والألفاظ السوقية والثقافات المسيئة والموجات الفكرية الهابطة، كلها باتت تشكل مصادر خطر مخيفة على الشباب، خاصة أنهم في حالة ظمأ للتعويض عن الخسائر التي يتعرضون لها في واقعهم الفعلي، فلا فرصة عمل مناسبة، ولا أمكنة ترفيهية مناسبة، ولا استيعاب لمواهبهم، ولا اهتمام حكومياً أو مدنياً بهم، كأنهم هبطوا فجأة على هذا العالم من كوكب آخر، فلم يجدوا ما يبحثون عنه إلا في العوالم الافتراضية الوهمية التي توفر لهم ما يرغبون به، لكنها من جانب آخر محملة بأخطار الكراهية والتطرف والإرهاب

من المؤكد أن لا سبيل أمام الشباب لمغادرة هذا العالم الجديد، بعد أن صار مفروضا عليهم كما هو مفروض على الفئات العمرية الأخرى، نحن نعرف أن حالة التعاطي مع هذه المواقع تختلف من شخص الى آخر، لكن بات من المستحيل على الشاب أن يتقوقع في عالم واقعي وحيد يحاصره بكل ما هو ضال وكئيب ومفسد ومثبط للهمم والقدرات .

مقالات ذات صله