بعد سيرة أدبيّة ناصعة … حميد العقابي شمعة ثقافية انطفأت في ذروة عطائه الإبداعي ونضوجه الإنساني

بغداد- فاطمة عدنان

ليس عمر الحادية والستين موعداً نموذجياً للانصراف النهائي من العالم، ربما كان كذلك للأنبياء الذين أتمُّوا رسالتهم وحروبهم ووصاياهم، ولكنه ليس العمر المناسب لرحيل شاعر وروائي ما زال في ذروة عطائه السخي ونضوج وعيه، وهل المنفى مكان مناسب؟ بعد أن أصبحت البلاد غير جديرة بموتنا؟

انطفأ الروائي العراقي حميد العقابي (1956- 2017) في الدنمارك، بعد سيرة حياتيّة وأدبيّة ناصعة، منذ ولادته في مدينة الكوت (جنوب شرق بغداد)، إلى هجرته نحو كوبنهاغن حيث استقرّ منذ العام 1985، لم يكن فيها إلا كاتباً متميّزاً يتلقف القرّاء أعماله حال صدورها.

 

«الحياة معاملات… كلّ شخص تنتهي معاملته يوماً ما». هذا المقطع الوارد في رواية حميد العقابي “الفئران” (2013 ـ منشورات الجمل)، يلتقي مع منحى رحيله المفاجئ، إذ انتهت معاملته مع الحياة وتوقف نبضه فيها على اثر سكتة قلبيّة.

خبر ضجّ لأجله أصدقاؤه ومحبّوه، ممّن عرفوا صدق هذا الكاتب وجرأته التي تجلّت في أكثر من عمل روائيّ وكتابة في السيرة الذاتيّة. مثالنا القريب ما أفصح عنه في كتابه المعروف «أصغي إلى رمادي». واحدة من الميزات التي يتّصف بها مع جمع محدود آخر من الروائيّين العراقيّين، هي تفكيك العلاقات والبنى المعقّدة بين مفهوم التسلّط ممثّلاً برمزه الأعلى الدكتاتور، وبين ضحاياه وهم يتقلّبون على جمر العيش في الوطن الكبير.

 

إلى جانب الاشتغال الروائي الذي أصدر فيه أربعة كتب هي «الضلع» (2008 ـ الجمل)، و«أقتفي أثري» (2009 ـ دار طوى)، و«الفئران» (2013 ـ الجمل)، و«القلادة» (2016 الجمل)، أنجز أيضاً العديد من المجموعات الشعريّة من بينها: «أقول احترس أيها الليلك» (1986)، و«بمَ التعلل؟» (1988)، و«تضاريس الداخل» (1994)، و«الفادن» (2005)، و«صيد العنقاء» (2014)، و«التيه» (2015).

في مجموعة «صيد العنقاء»، يعبر العقابي إلى منطقة شعريّة يبرز فيها حساسيته في اللغة والمعرفة، من دون ضجيج أو تكلّف، بمحاورة شاعر وعلامة مثل محمد إقبال (1877- 1938)، ليصارح في مقدّمته القارئ بأنّ لهذا الشاعر الهندي الذي يستدعيه سلطاناً عليه.

في كتابه «التيه (عهد الشاعر)» الصادر عن «دار ميزوبوتاميا» في بغداد، تنهيدات سخّرها في مئة نصّ عن عزلته وانكفائه الذاتي إلى أعماقه، مع الإعلان عما في دواخل النفس من تمرّد وشك، لتكون كتابة تستمدّ نضجها من قيمة التأملات التي تحتضنها تلك التجربة.

لم يكن الراحل يقرأ الراهن العراقي عبر متابعة نشرات الأخبار التي تذهب إلى سطح الأحداث لا أعماقها. راح يفصّل في منشوراته على الفيس بوك، بمتابعة ظواهر من الحياة العراقيّة، مطلاً برأيه على وجوه الإعلام العراقيّ الجديد، وطبائع الناس وترجمة ذلك في الأغاني العراقيّة واليوميات الاعتياديّة.

كان يقرأ الواقع السياسيّ من منطلق وطنيّ رافضاً الآليات الحالية التي تدار بها البلاد.

من ضفة الشعر إلى الرواية، انتهى العقابي ليكون واحداً من أبرز كتّاب الرواية في العراق، ظلّ مشغولاً بمهنة الكتابة حتّى الليلة الأخيرة من حياته حيث ودعنا في أحد مستشفيات كوبنهاغن.

وفي وداع فايسبوكي خاص له يقول :

يقول الشاعر عبد العظيم فنجان , لا أعرف لِمَ، في هذه الساعة المبكرة من الصباح، فتحت الـفيس بوك ، ربما لأصطدم بخبر مفاجئ، صادم ومرعب: رحيل الروائي العراقي حميد العقابي، المثقف الرصين والمثابر، والمثير للأسئلة الكبيرة في هذا العالم الأزرق.

لم أتبادل معه الرسائل منذ أكثر من سنتين، لأسباب تخص المزاج، ففي ما سبق كنا نتحاور كثيرا، لكنه رحل، ربما لأنه أراد أن يختفي، أن لا يبقى مكانه ينظر إلى نفس المشهد: العراق الذي يتخرّب على يد الإسلام السياسي، والكتابة التي فقدت تقاليدها الرصينة بفضل رواد هذا المكان اللعين.

وداعاً حميد العقابي (نحن القلة الذين نعتقد أن السعادة معك ممكنة).

اما الناقد حميد حسن جعفر يشير الى ان , الشعراء يغادروننا بصمت هكذا كان الشاعر والروائي حميد العقابي يصغي لرماده، تاركا ضجيجنا وارتباكاتنا وعويل القصيدة، هكذا تكون خيانات القلوب عندما تدخل فضاء ما يسمى الجلطة، وداعا حميد العقابي، لروحك الطمأنينة. ولأصدقائك ومتابعيك ثقافيا الصبر والسلوان. وداعا للبلاد التي أحببتها. وداعا للمنافي التي أتعبتك حد الرحيل.

وبحزن شديد يقول الكاتب شاكر الناصري : يا للهول يا حميد العقابي.. كيف لك أن تتركنا عراة في هذه العالم القبيح: الغربة؟ الغربة التي فتكت بك وبجسدك وروحك الهاربة من كل دنس ولغو ومهاترات… كلما حاولت الابتعاد عن أخبار الهم، يصفعني خبر يزلزل كياني، تمام مثلما يحدث لي الآن، وأنا أقرأ وبذهول من يكذب على نفسه، خبر موتك بالجلطة القلبية. لا قلوب لنا يا حميد. منهكة ومتآكلة وتنتظر لحظة الانطفاء.

مريع هذا العالم، لكنه ليس أوان رحيلك المفجع. منذ أن قرأت أعمالك الروائية وأنا أمني النفس بأن يسمح لك العمر، ووحشة الغربة القاتلة بكتابة رواية جديدة تسمو فوق القلادة، أو تكون بمصافها. مفجوع بك يا حميد، مفجوع بك حد الموت.

فيما بين محمد مظلوم ,  لا أدري لماذا قلقتُ عليكَ قبل بضعة أيّام فكتبت لك أسألك عن وضعك، حدثتني فعلاً عن مرض «ليس مقلقاً ولكنّه يتعبني جداً!» وسخرنا من أشياء كثيرة بينها الشيخوخة التي تقتربُ منَّا! لكن ليسَ إلى الحد الذي تكون معه النهاية داهمة وصاعقة بهذا الشكل.

وفي آخر عبارة لي وأنا أودعك: قلت لك عبارة معتادة أفهمهما الآن بشكل مختلف: «أتركك الآن بسلام ونتواصل» فأجبتني في آخر عبارة أصبحت هي آخر تلويحة منك في هذا الزمان: «لك مكان واسع في القلب، مع السلامة!» وها أنت تجعل الأمكنة ضيّقة أكثر فأكثر، والقلوب النقية نادرة أكثر وأكثر. فمع السلامة لروحك يا أبا دجلة ونتواصل في الأبدية!»

مقالات ذات صله