من ذروة التطور في الشرق الأوسط …سينما الخيام تتحول إلى ورشة لصناعة الأثاث

بغداد _ الجورنال
مما لاشك فيه أن فترة الطفولة والصبا هي الأكثر التصاقاً بالمخيلة وهي تختزن الكثير من الأحداث والمشاهدات التي يحاول كل فرد أن يسترجع شذرات من تلك الذكريات الخالدة في اعماقنا عن بغداد القديمة و خاصة صالات ودور السينما في بغداد أيام الزمن الجميل , ولكن بليلة وضحاها اصبحت جميع هذه الذكريات رمادآ عندما باتت صالات السينما ورش لصناعة الاثاث وغيرها .
تعتبر سينما الخيام الواقعه في قلب بغداد من أفضل دور العرض وتم أفتتاحها عام ١٩٥٦ ،بعرض اول فلم فيها هو ( هيلين بطلة الطرواده) وبلغت تكاليفها ٣٠٠٠٠٠ ثلثمائة الف دينار عراقي في حينه ،واحتوت على ١٥٠٠ مقعد من النوع الجيد .
سينما الخيام التي لا تبعد كثيرا عن سينما “غرناطة”، تحولت بعد عام 2003 إلى ورشة لصناعة الأثاث. صورة لا تقارن بصورة الخيّام حين أنشئت في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، حين كانت تمثل ذروة التطور في صالات العرض السينمائي في الشرق الأوسط.

ولديكوراتها ميزة خاصه حيث زينت بلوحات أنيقة تتناسب مع ألوان مقاعدها المتحركه ،كذا الحال فأن موقعها أضاف رونقا خاصا ،حيث مطاعم الأكلات السريعه المتنوعه المحببه لدى أهالي بغداد بسبب جودتها ورخص ثمنها، وبفلافل ابوسمير، يجاورها بار رومانس على الطراز الفرنسي ،وشارعها الفرعي يطل باتجاهين (الرشيد والجمهورية).

كان الفنان الراحل عبد الخالق المختار. كانت بدايته للنجومية سينمائية من خلال فيلم”الحب كان السبب”. اختاره المخرج الراحل عبد الهادي مبارك لبطولة الفيلم، ووضعه وجهاً لوجه مع نجوم الدراما العراقية جواد الشكرجي وسناء عبد الرحمن، فيما كان المختار حينها طالباً في الدراسات الأولية لقسم الفنون المسرحية بكلية الفنون الجميلة ببغداد. نجح الفيلم إلى حد ما، ونجح معه المختار. المؤسف أنه لم يستطع، بسبب ظروف العراق المأساوية، في الثمانينيات والتسعينيات وما بعدها، أن يشارك في أفلام سينمائية محترمة. كان يقول باستمرار، إنه يتمنى أن يمثل في السينما، وإن السينما فن عظيم، وكان يسأل لماذا؟ فيجيب بالقول إن، الممثل في السينما لاعب ماهر واسطوري، خبير بعلم النفس، يستطيع من خلال أدق تعابير وجهه، أن يوصل رسالة ما. العين فقط يمكنها أن تحكي كثيراً… ألخ. تحول عبد الخالق المختار إلى نجم تلفزيوني يمكن القول عنه، أن حضوره في مشهد ما، كفيل بأن يضمن شد المتفرج إلى المسلسل.

أبرز ما يواجهك وأنت تصل إلى مبنى السينما، والذي يتشكل على هيئة قوس إلى الداخل، هو البوابة العملاقة للسينما، ومن حولها المطاعم والخمارات، وفي أعلى البوابة، ثمّة البوستر العملاق لفيلم اليوم. كان يتم تبديل البوستر نحو ثلاث مرات في اليوم الواحد أيام الأعياد، وذلك من أجل جذب أكبر عدد ممكن من الجمهور، حيث كانت السينما تعرض نحو ثلاثة أفلام في اليوم الواحد، من تلك الأيام المعدودة. كانت هذه الاجواء تدفع الكثير الذهاب في اليوم الواحد عدّة مرات للسينما، لكي يعرفوا الفيلم القادم، فأيقرروا حينها الدخول لمشاهدته أو لا.

مع سنوات الحصار الرهيب في التسعينيات أغلقت السينما نهائياً، هي وشقيقتها السينما الصيفية التي كانت تقع في ظهرها مباشرة. ووصولاً إلى سنوات ما بعد 2003، لم تعد الأجيال الجديدة في المدينة تعرف أن في هذا المكان، وسط شارع دجلة، كانت توجد صالة سينما افتتحت رسمياً في خمسينيات القرن الماضي!

الفخر بالسينما والمسرح والغناء، صار من أوهام الماضي. والمدينة التي تفخر بأنها أنجبت على الدوام المئات من المبدعين في الحقول الفنية، صارت تصدر منظرين في فنون المناحة والعويل. يا له من زمن مأساوي.
لقد كانت سينما الخيام، وما يجاورها من معالم مدنية في شارع دجلة، بقعة من وهم بالنسبة للأجيال الجديدة من أبناء المدينة. غابت السينما وتلك المعالم، وبقي حفنة من نساء ورجال التاريخ البعيد يلوذون بالصمت والخجل أيضاً وهم يرون مدينتهم وقد تحولت إلى معسكر ضخم للجلد ورتابة الواقع الجديد.

اليوم نرى ان صالات السينمات سارت في نفس الطريق نحو الإغلاق والتحول إلى ورش صناعية، فالمتفرجون قلة، والأفلام قديمة، والبنايات متهالكة، وحتى العاملون في قاعات العرض هم أيضا كهول.

الكثير من قاعات العرض السينمائي الآن، في بغداد والمحافظات، تحولت إلى مخازن للحبوب وورش فنية لمختلف الأعمال، مثل سينما “البيضاء” في بغداد التي تحولت إلى “معمل نجارة البيضاء”. ويقول صاحب معمل النجارة: “أنا حزين لتدهور حال هذه الدار، وقد احتفظت باسم السينما كاسم لمعملي اعتزازاً بهذه الدار العريقة”!

ويأسف المخرج العراقي هادي ماهود لهذه الحال التي انتهت إليها دور السينما، والتي يرى أنها “كانت تشكل معلماً للحياة المدنية في العراق، وجزءاً من أماكن الترفيه الأساسية لدى العائلة العراقية”، بل إنها، يضيف ماهود، “كانت تربي لدى الإنسان العراقي نوعاً من السلوك الحضاري”. ويختم ماهود كلامه قائلاً: “لا افهم عراقاً جديداً دون دور للعرض السينمائي”.

مقالات ذات صله