اخــر الاخــبار

الكاظمية .. اعتمدها العباسيون مقبرة لهم وإتخذها الناس مزاراً ومركزاً تجارياً

بغداد – الجورنال

عندما انتقلت الخلافة العباسية الى بغداد اختاروا موقع الكاظمية الحالي مدفناً للمنحدرين من قريش .. وقد اعتنى فيها بنو العباس اعتناءً بالغاً تكريماً لموتاهم .. عند ذاك شاع اسمها بين الناس بمقبرة قريش ..

وعند دفن الامامين الجليلين موسى الكاظم وحفيده محمد الجواد (عليهما السلام) عرفت بالكاظم والكاظمين والكاظمية والجوادين ..

ولاجله فقد جعلوا حول هذه المقبرة ومرقدي الامامين سورا .. عند ذلك اخذ اهل بغداد بنقل موتاهم الى هذه المنطقة وجعل لهم حق الدفن خارج هذا السور فاصبحت مقبرة عامة لجميع الناس . لذا احتاجت هذه المدينة الناشئة الى عمال يقومون بدفن الاموات فبنوا بيوتاً بسيطة في اطرافها حيث اصبحت مهنة دفن الاموات كسبهم ومعيشتهم هذا بالاضافة الى الذين يمتهنون حرفاً اخرى ، كالزراعة والنقل النهري والبناء والبستنه .. اما الذين في داخل السور فهم المقيمون في داخل المقبرة فمنهم الموظفون على نفقة الخلافة العباسية ..

ويسترسل الاستاذ محمد مسلم الكوفي بالحديث ويقول:- وعندما توسعت بغداد وكثر سكانها الذين كانوا خليطاً من العرب والاعاجم حدثت ارهاصات عديدة من لايمتون للعرب بصلة فقوة شوكتهم وتسلموا لبعض المناصب في الدولة والتجارة وقسماً من زمام الامور في السلطة والحياة الاجتماعية فشاخوا وشمخوا .. فأخذ العرب يتململون ليجدوا لأنفسهم مخرجاً من هذه الضائقة عند ذلك جاءت بعض القبائل العربية نازحة الى مدينة الكاظمية فبنوا لهم فيها حارات وأسموها بأسماء قبائلهم التي منها (ابو حية من طي والانباريين والسميرات والكنعانية وكنانة وابو هيازع والجبور والشيبانية والعقيلية والسادة المدافعة وغيرهم ..

اما بالنسبة لمدينة الكاظمية فقد اصبحت قبلة انظار التجار والكسبة واصحاب الحرف وهاجرت اليها العديد من الاسر وهم خليط من الجنسيات من مدن الدنيا فتوغلوا في المدينة وسكنوا في مناطق عديدة منها وبنوا دوراً وخانات ومحلات في الثغرات الواقعة بين حارة واخرى ، وبذلك اصبحت مدينة كبيرة نسبياً وشاعت المصالح فيها وامتهن الناس اضافة الى ما كانوا عليه مهن اخرى كصناعة الجلود في المنطقة التي جاء اسمها من تلك الحرفة “الدبخانة” وفي مكان اخر شاعت تجارة القطن وبيعه وتصنيعه فسميت المنطقة بالقطانة وهناك صناعة اخرى هي صناعة الاكواز التي كانوا اربابها من قبيلة كنانة وسميت تلك المنطقة كوز كنانة لشهرتها وموقعها اليوم قرب “المنطقة الصناعية حالياً” وقد اندثرت من زمن بعيد ..

اما بالنسبة للأزقة فقد اخذت تحمل اسماء شتى نسبة الى ساكنيها من المتنفذين وارباب العمل وبعض التجار ممن راق لهم على منوال الحارات القديمة التي تحمل اسماء العشائر العربية ، ولكن تلك الاسماء لم تدم فعند غياب ذلك الشخص او اندثار المهنة يختفي الاسم ليظهر اسم آخر بدلاً عنه باسم الشخص الذي يليه او بأسم مهنته ..

وعلى سبيل المثال نأتي على اسماء الأزقة كزقاق (الكنجلي او الاستربادي او القندهاري او الشوشتري او توستري) واغلب هذه الاسماء الاعجمية اندثرت ومحاها الزمن وحنكة اهل البلد ، ودخلت ضمن التحديدات الادارية الجديدة بأسماء عربية كما كانت عليها سابقاً اما القليل الذي بقي فلا يستحق الذكر ..

وقد اصبحت الكاظمية محط رحال السواح او الزائرين على جميع معتقداتهم والوافدين اليها كثيرين بهدف زيارة قبري الأمامين الشريفين (عليهما السلام) او زيارة قبر ابي يوسف القاضي المدفون ضمن مقبرة قريش اضافة الى زيارة قبور اهله .. ولأجله اخذ بعض التجار واصحاب الاموال ينتفعون من خلال ابناء الخانات لتكون مأوى للسياح والزوار والمسافرين والتي منها :

1- خان جرموكة : يقع في شارع المفيد من الجانب الشرقي حالياً 2- خان ليلة : مكانه الان هو الحسينية الافغانية والدور المجاورة لها .

3- خان فرمان : مكانه حالياً خلف المدرسة الايرانية في مدخل سوق الاستربادي .

4- خان جركالة : يقع بالقرب من المدرسة الخالصية في نهاية سوق الاستربادي.

5- خان سريع: يقع في منتصف الفرع المؤدي الى محلة ام النومي وهو قائم لحد الان .

6- خان السادة : يقع خلف صيدلية السلام مدخل زقاق السادة .

7- خان الاستربادي يقع في سوق الاستربادي مقابل باب القبلة للصحن الشريف .

8- خان اليهودي : تقع مكانه الان عمارة البياع نظراً لاندثاره .

9- خان العصافير : مكانه الان عمارة الدفاعي نظراً لاندثاره .

10- خان باب الدروازه : استعمل اثناء وجود عربات الكاري اسطبلاً للخيل ومحطة الكاريات مكانها حالياً عمارة القصاب .

11- خان الكابولي : مكانه سابقاً المنطقة المحصورة مابين المدرسة الايرانية والحسينية الافغانية وساحة بارود.

وبعد ان اصبحت الكاظمية مدينة كبيرة نسبياً لذا كان لابد من ايجاد وسيلة لتعليم وتثقيف الناس ولو بصورة مبسطة عن طريق بناء المدارس والحسينيات حيث لاتوجد مدارس حكومية في ذلك الوقت الا انها قد شيد فيها داراً للشفاء وسجناً للمجانين خارج المدينة “في المنطقة الصناعية الحالية” وجعلوه مأوى للمعتوهين والمصابين بالامراض ..

اما المدارس والحسينيات فقد شيدت من قبل ذوي المال والمتبرعين من اهل الخبر لكي تدرس فيها اللغة العربية والصرف والنحو والتفسير وكانت الدراسة تشمل مرحلتين :

1- للاطفال دون سن البلوغ : حيث يتلقون فيها القراءة والكتابة في الكتاتيب “الملالي” ويشغلون بعض الجوامع والصحن الشريف.

2- الحسينيات: وجعلوها لتلقي دروس اللغة العربية والصرف والنحو والحديث وتفسير القرآن الكريم ولبعض المسائل الفقهية والشرعية ..

وقد سميت المدارس والحسينيات الحيدرية والخالصية – وآل ياسين..

وكان بالاضافة الى المقبرة التي تقع ضمن السور “الصحن الشريف” كانت هناك مقابر لعامة الناس نظراً للزيادة الهائلة بالنفوس وبناء الدور والخانات والجوامع في ذلك الوقت فقد انحسرت شيئاً فشيئاً تلك المقابر العامة الى خارج المدينة واستقرت في “تل احمر” الذي تقع عليه الان دائرة البريد ومستشفى حماية الاطفال .. وبعدها لجأ الناس الى الدفن في المنطقة المعروفة بمسجد (براثا) في العطيفية ..

ويحدثنا الباحث التراثي خليل الوردي عن الكاظمية قائلاً: يتوسط المرقد الشريف مدينة الكاظمية مكوناً المركز الذي تتجمع حوله العمائر والاسواق والمحلات والاطراف .. حيث ينعطف نهر دجلة العظيم من مدخل ضاحية التاجي انعطافاً قوياً نحو الجنوب الغربي ملتفاً حول المدينة متجهاً الى الغرب ثم ينحدر جنوباً نحو بغداد من داخل العطيفية “مقابل تمثال الشاعر عبد المحسن الكاظمي حالياً” تاركاً وراءه المدينة على شكل شبه جزيرة دائرية بديعة ..

وكانت الكاظمية في وسط غابة جميلة من النخيل والاشجار الباسقة واما عن تخطيطها القديم .. فأن الضريح الشريف يقع وسط المدينة ويكون القاعدة لتنظيمها وتحيط بالصحن الاسواق العامة والمشاغل اليدوية ومحال اصحاب الحرف والصناعات ويقع بينها وحول الصحن ايضاً ازقة خاصة تضم بيوت الاشراف من السدنة والخدم ..

ثم يأتي نطاق اخر يدور حول النطاق الاول بصورة غير منظمة يحوي بيوت العامة من الناس “السواد الاعظم” حيث محلات المدينة الاربعة الكبيرة .. ويتخلل هؤلاء الناس سكن الاجانب من الفرس والهنود والاتراك والافغان ولكل من هؤلاء ازقة “درابين” او عقود “طوق” تتجمع فيه بيوتهم تسمى بأسمائهم وتتخلل تلك البيوت مقاهي الاطراف المعروفة بطرافتها وبعض الحوانيت ومعامل النسيج الصغيرة اليدوية التي كانت المدينة مشهورة بها منذ زمن طويل..

وكانت المدينة مقسمة الى محلات اربعة كبيرة .. كل محلة تقسم الى عدة اطراف حسب سعتها . وكل طرف كانت فيه عدة ازقة “درابين” تسمى بأسماء السطان المشهورين . او السكان القدماء في المحلة . وكان في المحلة عدد من العقود “عكد” وقد تسمى هذه المحلة او الطرف باسم واحد من العقود ايضاً ..

وكانت اضيق دربونة ولا تزال في الكاظمية هي دربونة (الكنجلي) في محلة القطانه ثم دربونة اسرة (الجشي) البرحانية التي يبلغ عرضها متراً واحداً وعليها طاق تقع في محل التل قرب الحسينية الحيدرية ..

وكانت الكاظمية مسورة بسور اشبه بالدائري وقد استوطنتها بعض القبائل بجوار ذلك السور من داخل المدينة وخارجها وكان هؤلاء هم خط الدفاع عنها اذ تعرضت للغزو من الخارج.

مقالات ذات صله