سجن الأحداث .. نظرة دونية تلاحقهم رغم ظلم المجتمع

بغداد ـ متابعة

ما زالت النظرة الدونية المصاحبة للشك تطارد (مهند ) ذي السبعة عشر ربيعا منذ أن خرج من سجن اصلاح (الطوبجي ) لارتكابه جريمة السرقة، عندما  سطا  على أحد بيوت الذين سكنوا المنطقة حديثا، بهدف سرقة بعض الادوات الاحتياطية للسيارات. هذا ما أودعه في سجن الاصلاح لمدة عام كامل. مهند لم يكن يعلم أن تلك النظرة التي كان يرمقه بها ابناء المنطقة والجيران غير المحبذة على الاطلاق، تجعله نادما على ما فعله في تلك الليلة المشؤومة، مقررا بدافع كبير أن يبدأ حياة جديدة كي لا يعود لذلك السجن، وان تحركاته ستبقى مراقبة ذهابا وأيابا، مخاطبا والدته بعد تفكير طويل بأهمية أن ينتقلوا من منطقة سكناهم الى منطقة أخرى حتى لا يعلم سكانها ما فعله سابقا.  أراد صفاء عبد الرزاق وهو (أحد الخارجين من سجن الأحداث قبل ثلاثة أشهر)  أن يحول تلك النظرة القاسية التي واجهها بعد خروجه من السجن قائلا:

” كثيرا ما كان ينعتني من حولي بصفات مختلفة بعد خروجي من السجن لألقاء القبض علي من قبل شرطة الاحداث في منطقة البياع ، بسبب سرقة سيارة في منطقتنا بالاتفاق مع بعض اصدقاء السوء، والذين تم القاء القبض عليهم بعد اعترافي بأماكن تواجدهم، وطبعا هذا الاعتراف أخذه القاضي بعين الاعتبار أثناء حكمه الذي أقره بعام واحد أودعت فيها بسجن اصلاح الأحداث، ولكن قبلها تم عرضي على طبيب نفساني لتقييم وضعي وابداء المساعدة النفسية وهكذا أكملت مدة حكمي في دار الاصلاح، وها أنا أحاول أن أبدأ حياة جديدة بعد خروجي من هناك، وليست في نيتي العودة للسرقة على الاطلاق حتى لا تتم عودتي للسجن مرة اخرى،

اما بخصوص معاملة الناس والجيران وحتى الاقارب لي لم تعد مثل السابق، بل حتى عودتي للدراسة رفضها مدير المدرسة طالبا مني أن ابحث عن مدرسة اخرى، كوني أودعت

في السجن .”

 

لا يهمني السجن

 

تلك النظرة الدونية من قبل الناس على أنني مجرم كانت عاملا محفزا وكبيرا بالعودة للجريمة من جديد، هذا ما تحدث به الحدث صفاء خليل (16 عاما) بعد ان عاد لسجن الاحداث للمرة الثانية على التوالي في جريمتين تختلف احداها عن الاخرى،

مضيفا :

” حاولت بعد انتهاء محكوميتي الاولى ان اعود لممارسة حياتي مرة اخرى، ولكن همسات من حولي ونعتي بـ( خريج السجون )  كانتا من أهم الاسباب لعودتي مرة ثانية، هذا الامر قادني للتعرف على عصابة تمتهن التزوير والتي انخرطت بها من اجل الربح السريع الذي أوهموني به وقتذاك، ولكوني كنت في السجن سابقا لم اشعر بغرابة الموضوع وفعلا عدت الى ذلك السجن وانتهت محكوميتي ايضا، فما عاد الامر يهمني حتى وان عدت مرة ثالثة .”

 

 

كآبة وانطواء

 

وبين سعدون ضيدان (والد أحد الاحداث الذي خرج من السجن قبل مدة قصيرة):

” لا يمكن تخيل حياة الحدث وعائلته  بعد خروجه من السجن، فنحن بشر ولسنا ملائكة والظروف التي نعيشها قد تجبر المراهق على ارتكاب بعض الاخطاء ، كوني مريضا ولي من البنات خمسة ،الامر الذي دفع ابني الى ارتكاب جريمة النصب والاحتيال وشاء الله ان يتلقى عقابه لمدة سبعة أشهر في سجن الاصلاح، وأنا ووالدته كنا نتلمس عودة ابننا لممارسة حياته الطبيعية والعمل والزواج ، وللأسف الشديد لم يتقبله المجتمع على الاطلاق بسبب ما ارتكبه سابقا، الامر الذي أثر في نفسيته بشكل كبير، ما زاده اكتئابا وعزلة حتى عن أفراد عائلته،  أما انا ووالدته فما زلنا نعاني الامرين، خاصة بعد رفض أهل خطيبته بإكمال مراسيم الزواج، كونه أودع  في

السجن سابقا.”

 

 

نواة المجتمع

 

واوضحت استاذة علم الاجتماع وداد الشمري :

” المجتمع العراقي ما زال يشهد أنواعا كثيرة من الجرائم التي ترتكب من قبل الأحداث ما بين عمر 15 الى17عاما والتي تتركز حول السرقة والسطو المسلح، كل شخص ينشد الحب والاحترام من قبل الاخرين منذ نعومة اظفاره، وهذا حق مشروع، لذلك تبقى نظرة الشك والدونية لمن أودع في السجن سابقا لها دور كبير في عودة هؤلاء الى ارتكاب  الجريمة نفسها أو ابشع منها ، وهذا ما تشهده أروقة المحاكم بالفعل من عودة هؤلاء لارتكاب نفس

الجرائم .”

واكدت الشمري ” ان كل المجتمعات في العالم تعمل على مكافحة الجريمة بكل صورها وخاصة اذا تم ارتكابها من قبل أطفال ، بل يتم التركيز على الطفل والحدث بشكل كبير وأكثر من الانسان الراشد باعتباره نواة المجتمع والذي يقع على عاتقها بناء مستقبله، أما في مجتمعاتنا فيتم أخذ المسألة بلا مبالاة وعدم اهتمام وهذا ما يؤدي بالعودة للجريمة من قبل هؤلاء الاحداث بل

واحترافهم لها.”

الشمري اختتمت حديثها بالقول  ” ان دور الاصلاح هذه ونظرة المجتمع لها باتت مؤلمة جدا وليس هذا فقط، بل نجد انها تفتقر الى أبسط الاساليب التي يحتاجها الحدث كي يتأهل للاندماج في المجتمع، اذ يجب أن تكون هناك أماكن تأهيل عالية المستوى، أو على الأقل العمل بشكل كبير على دار الاحداث، والمحاولة الجادة لتفعيل البرامج التي تقام هناك ، كي نضمن  خروج مواطنين صالحين بعيدا عن مرتع الاجرام.”

 

 

اقصاء وتهميش

 

واشارت الباحثة في علم النفس الدكتورة نيران حسين :

” لعل أقسى درجات الألم التي يواجهها الحدث أو حتى السجين عند خروجه من السجن هي نظرة الاتهام والتشكيك التي تطارده من قبل الاهل والجيران والاقارب، اضافة الى حالات الإقصاء التي يجدها من مجتمعه وموقفه السلبي بعدم مغفرة ما قام به سابقا من شبهة أو جريمة أودعته السجن، وان على المسؤولين القائمين على متابعة تلك الدور العمل على اعطاء المحاضرات لتوضيح بأن هناك رفضا نوعا ما سيواجههم فيما لو خرجوا من السجن ، كي تتم تهيئتهم للطرق الصحيحة في التأقلم مع تلك النظرة وزرع الدافع لتغييرها بنجاحهم في المجتمع، أما تلافي تلك النقطة المهمة فأنها تؤدي إلى إحداث شروخ نفسية عميقة لدى الحدث والسجين تؤثر بشكل كبير في عملية تكيفه الاجتماعي والنفسي مع من حوله ، وبذلك قد تكون عاملا مهما في عودته للانحراف الاجرامي، وقد تكون طريق عودته مرة أخرى إلى ما وراء الأسوار، ويبقى المجتمع المسؤول الاول عن عدم عودة هؤلاء لمرتع الاجرام ، وكيف يمكن أن نصنع منهم أعضاء نافعين بعد أن نعيد إليهم الثقة والاستقرار

النفسي .”

 

أرض خصبة

 

المحامي صادق سمير من محكمة بداءة الكرادة كان له هذا الرأي قائلا:

” هناك نسبة كبيرة من الجرائم التي تحدث من قبل الأحداث بل يعتبرون أرضا خصبة لهذه الجرائم ، كون  حب التقليد من قبل هذه الاعمار يكون كبيرا وخاصة ما يشاهدونه من مشاهد أفلام العنف و(الأكشن) التي يتم عرضها على القنوات الفضائية،  كما أن الوازع الديني يكون ضعيفا ضمن هذه الأعمار، وأروقة المحاكم لا تزال تشهد محاكمة الحدث نفسه بالجريمة نفسها سابقا، أو غيرها كون الامر ما عاد يهمه .”

وأكد سمير ” ان القانون رفع الحد الادنى من المسؤولية الجنائية عن هذه الاعمار والتي تتراوح ما بين (9 – 17) عاما من عمره ، مراعيا بذلك اعتبارات تتصل بعدم ادراك الحدث دون هذا السن لطبيعة فعله المخالف للقانون، وان القانون العراقي أجاز ايقاف تنفيذ الحكم بحق الحدث، أو تخفيف العقوبة عنه  كما وردت في المادة (128) من قانون العقوبات، التي تنص على تخفيف العقوبة ، وبعد اصدار الحكم من قبل القاضي يودع في احدى دور الاصلاح وذلك لمنع اختلاطهم بالمجرمين الكبار، وطبعا هذه الدور تهدف الى اعادة هيكلة هؤلاء الأحداث للاطمئنان تماما بخصوص عدم عودتهم للجريمة مرة

أخرى.

ولكنها لا تزال تفتقر الى بعض الإمكانيات،  التي يجب أن تكون متوفرة ، وهذا ما يقع على عاتق وزارة العمل والشؤون الاجتماعية “

مقالات ذات صله