المسؤولون يستحضرون التأريخ بينما ينصب اهتمامهم على المصالحة الوطنية والأمل بتحقيق السلام

بغداد ـ الجورنال

ربما لا يوجد مكان أكثر ملاءمة لترديد رسالة المصالحة والتعايش أكثر من زقورة عكركوف، ذلك النصب الشامخ والشاهد الماثل للعيان على تراث العراق الثري.

ففي الحادي والعشرين من آذار من كل عام، وعلى مدار الأعوام الثلاثة المنصرمة، تنبعث الحياة في المنطقة الريفية الواقعة ضمن قضاء أبي غريب إلى الغرب من بغداد مع إقامة (مهرجان  عكركوف للتعايش والسلم والمحافظة على التراث).

وشهد مهرجان هذا العام تجمعاً لمسؤولين حكوميين و شيوخ عشائر و وطلاب تمت دعوتهم من محافظات الأنبار ونينوى وديالى وبغداد، فضلاً عن إقامة معرض السلام الفني الذي عرضت فيه لوحات جسدت قيم المصالحة والتعايش والحرب ضد الإرهاب، الى جانب فعالية غنائية أدتها المطربة العراقية البارزة أمل خضير واستعراض قامت به مجموعة من الفتيات يرتدين فساتين بيضاء ويلوحن بالعلم العراقي.

يرمي المهرجان الى تعزيز مشاركة المجتمع المدني في جهود المصالحة الوطنية،  بالإضافة الى استخلاص الدروس من الماضي: ربط ماضي العراق الباعث على الفخر بحاضره الحافل بالصراع، بغية غرس الأمل بأنه رغم الدمار الذي سببه داعش في السنوات الأخيرة والحملة العسكرية المتواصلة لهزيمة التنظيم الإرهابي، فإن العراق سوف يتغلب على التحديات ويسمو ثانية إلى مصاف مجده التليد، تماما مثلما فعل الأسلاف مرارا وتكرارا عبر التاريخ.

ونظمت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق  (يونامي) هذه المناسبة، والتي حملت شعار (معـــاً نصنع السلام)، ضمن إطار ولايتها في تعزيز التعايش والتسامح والسلم بين العراقيين، بالتعاون مع لجنة المصالحة الوطنية في رئاسة الوزراء وجمعية شمس الحياة، وبتمويل من وزارة الشؤون الخارجية في مملكة هولندا ووزارة الخارجية الاتحادية لجمهورية ألمانيا.

وتزامنت المناسبة مع عيد النوروز الذي يحتفل به العديد من العراقيين، وعيد الأم وبداية الربيع، مناسباتٌ لم يغفل المسؤولون الإشارة اليها في كلماتهم التي ألقوها.

وقال نائب محافظ بغداد جاسم البخاتي ,إنه يأمل أن تعود علينا المناسبة في العام المقبل “ونحن نحتفل بنهاية داعش والعودة الى الوضع الطبيعي في بغداد وأن يحل السلام، في مجتمع تسوده العدالة والإنصاف”. وقال أيضا أن اليوم هو احتفاء بتاريخ العراق وبالنساء والأمهات في هذا البلد.

ووجه حسين العادلي من لجنة المصالحة الوطنية، رسالة واضحة، إذ تحدث من على المنصة التي أقيمت على مقربة من الزقورة، مشيراً بأصبعه إلى الأعلى نحو الأثر التأريخي ومخاطباً الحشد الذي تألف من بضع مئات من الأشخاص تراوحت أعمارهم بين أطفال في الخامسة وشيوخ في سبعينيات العمر، بالقول إنه  مع مثل هذا التاريخ الغني لا ينبغي ان نقلق بشأن الحاضر أو المستقبل.

وأضاف العادلي: “لسنا بأُمّةٍ مصطنعة، نحن نتاج التاريخ. نحن نعيش لحظة تاريخية مأزومة يسودها التوتر والعنف، للأسف ، لكن من المستحيل أن نستسلم إلى لحظة قلقة “.

وتابع موضحاً مزايا المصالحة بالقول أن الحكومة تعمل بكل طاقاتها وعلى مختلف المستويات “للتوصل الى تسوية وطنية قادرة على اعادة الدولة إلى سكة التعايش والتوحد “.

ومن جانبه، قال جورجي بوستن، نائب المُمثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق للشؤون السياسية، أن تشديد الأمم المتحدة على التعايش والتسامح يأتي لكونهما من القيم التي تسير بالشعوب نحو السلام الذي هو شرط لنمو الاقتصاد وتحقيق الإزدهار. واضاف بوستن: “في العراق، وفى ظل هذه الظروف فان ذلك يعد ضرورة قصوى” ، منوهاً الى أنه لولا وحدة الشعب لما كان العراق قادراً على تحقيق الانتصارات ضد الارهابيين.

يعود تاريخ موقع عكركوف الى السلالة الكيشية بحدود عام 15000 ق. م. ويشرف هيكل الزقورة الضخم على الأراضي المنبسطة التي تمتد أسفله.

وأُقيم المهرجان في اجواءٍ مفعمة بالفرح، حيث لعب الأطفال وتسلقوا الهيكل القديم، بينما انشغل من هم أكبر سناً بالتقاط الصور أو بالاستمتاع بالموسيقى. وقد تم عرض حوالي 40 عملاً، بين لوحة زيتية ورسم كاريكاتيري، حملت مدلولات وطنية متنوعة كالتنديد بتنظيم داعش والإشادة بقوات الأمن العراقية، بالإضافة الى التعبير عن التعايش بين كافة مكونات المجتمع العراقي.

وأوضح عودة الفهداوي، وهو أحد رسامي الكاريكاتير، أثناء تقديمه لأعماله، أنه حاول إظهار بعض الجوانب الإيجابية للنشاط المجتمعي على الرغم من الطائفية والعداء، حيث قال: “حاولت إضفاء بعض النور على مشهد الظلام السائد نتيجة الصراع”.

وعبر الفهداوي، الذي يبلغ من العمر 39 عاماً وهو موظف حكومي يزاول الرسم كهواية منذ عام 2005، عبّر عن شديد إعجابه بالإقبال على المهرجان، وأعرب عن أمله في أن يثمر هذا النوع من الفعاليات نتائجاً إيجابيةً على طريق المصالحة، حيث قال: “صحيح أن النتائج قد لا تكون سريعة ومباشرة، ولكن بكل تأكيد سيترك هذا المهرجان أثراً ما”.

مقالات ذات صله