بين هشاشة المثقف العربي وتناقضه.. مواقع التواصل الاجتماعي تكشف سلوكه

بغداد _ متابعة
لم تعد الصحف والكتب والمجلات الورقية، هي الوسط الاوحد لنقل الافكار وبثها بين الناس، كما كان الامر هكذا في السابق، فقد تعددت وسائل الاتصال والنقل الفكري بكل انواعه واشكاله، فبالاضافة للصحافة والتواصل عبر الورق والكتابة، هناك مواقع الكترونية كثيرة ومتنوعة، اخذت على عاتقها نقل الفكر، فضلا عن مواقع التواصل الاجتماعي، ودورها الذي بات في عصرنا الراهن قويا ومؤثرا، في رسم الاحداث وبلورة المواقف والنشاطات، الاجتماعية ، وكذلك في المجالات الحيوية الاخرى.

إن مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما موقع (الفيس بوك)، بات لها تأثير كبير على المستوى العالمي، من حيث تلاقح الثقافات، فضلا عن ربط الافراد والمجموعات مع بعضها، عبر تبادل الاخبار والمعلومات والاراء والثقافات بصورة فورية وعلى مدار الساعة، وقد شكل المثقفون والادباء حضورا لافتا في هذا المواقع، وبات نقاشهم مع بعض مباشرا، فضلا عن اعلان آراءهم وتصريحاتهم حول الشؤون الثقافية وسواها، بصورة مباشرة، ويمكن توصيله عبر الفيس بوك في لحظات الى كل من يهمه الامر.
ولكن رافقت عملية نقل الافكار وعرضها وتوصيلها، ظواهر اخرى غير جيدة، فعندما نقول من الافضل ان نجد مساحة مفتوحة لحرية الحوار والتثاقف بين الجميع، هذا لا يعني اطلاق العنان لكل اساليب النقل، حتى المتهافت منها، او النقل بأساليب غير متحضرة، بمعنى هناك طرق حوار مبتذلة، وهناك افكار لا تحترم سواها، وهناك اختلافات كثيرة قد تصبح اضرارها كبيرة، فتشيع نوع من اساليب الحوار غير لائقة.

لهذا تكون مهمة المثقف في مواقع التواصل الاجتماعي مضاعفة، فهو بالاضافة الى بث افكاره وطروحاته وعرضها للجمهور الواسع من القراء، تقع عليه مسؤولية قيادة الحوار البناء بين الجميع، من خلال كونه النموذج الذي يحتذي به الاخرون، في طريقة الحوار وعرض الافكار، واستخدام اللغة بالطريقة السليمة والمناسبة، وعندما يرى الاخرون المثقف وكيفية تعامله مع وسيلة الاتصال والطريقة التي يتعامل بها لعرض ونقل افكاره، فإن الجميع سوف يتخذ من المثقف مثالا، لذلك لابد أن يكون مؤثرا وذا رؤية دقيقة متنورة تبث المحبة والسلام والتعايش بين الجميع، فضلا عن نشر طرق الحوار البناء بين الجميع.

ان دور المثقف ريادي دائما، وهو يمسك بزمام الامور، كونه مالك الوعي الأعلى من بين الجميع، لهذا السبب ينظر عامة الناس الى المثقف على انه انسان متكامل، قلما يخطئ بحق الاخرين، لهذا يبقى المثقف محط انظار الجميع، يتابعون اقواله وحركاته وردود افعاله وسلوكه، وغالبا ما يتأثرون فيها ويعملون بها، من هنا تتشكل اهمية المثقف، لاسيما في عرضه لافكاره ونشرها عبر مواقع الاتصال، فطريقة الحوار والمفردات واللغة المستخدمة، والابتعاد عن التعصب، ونشر احترام الرأي الاخر، كل هذا وغيره، يجب نشره وابرازه وتوصيله الى الملأ الاكبر، أي الى عامة الناس اللذين يستخدمون مواقع لاتصال الاجتماعي.

بطبيعة الحال هناك تجاوزات وهناك اخطاء كثيرة يمكن ملاحظتها في مواقع الاتصال، وخاصة قضية التعصب وعدم تقبل الاراء الاخرين، ورفض الرأي الاخر، وهناك اثارة مقصودة لنوع من الصراعات، لكن على العموم، يبقى المثقف هو صاحب المبادرة للتصحيح، وهو القادر على أن يقدم المثال المناسب والصحيح للجميع، في حين يتلكّأ بعضهم عن الدور المرسوم له كمنتمي للوسط الثقافي أو الادبي عموما، عندما يفشل في اداء الدور التنويري او المثالي المطلوب منه، كونه صاحب الوعي الاعلى، وعليه ان يكون المثال الافضل للاخرين.

هكذا يتلخص دور المثقف في مواقع الاتصال الاجتماعي، فهو لا يشبه غير من عامة الناس، انه قائد تنويري، يفتح آفاق الوعي امام الجميع، ويمنحهم قدرة على التلاقح الفكري والحوار المجدي، وهو بهذا السلوك يجعل من مواقع التواصل مساحة مفيدة ومثمرة لبناء مجتمع او فرد مثقف وقادر على أن يكون ذا تعامل انساني ناجح وسليم دائما.

ويؤكد حسن علي , انه لا فرق بين الانسان العادي ومن يطلق عليه مثقف: لا يختلف من يسمون مثقفين عن أي شخص آخر في قدرتهم على تحمل النقاش والجدل، فهم ليسوا بالضرورة يملكون ثقافة الحوار، التي هي فن وسلوك، وتدل على الوعي الذي يغيب عن هذه الشريحة. وهذا ما يضعنا أمام سؤال عن ماهية الثقافة، وهل ما يملكه هؤلاء ثقافة أم مجرد توصيف لا معنى له. نحتاج أن نبحث عن المثقف الحقيقي لنحاكمه على سلوكه في الحوار، أما الكثيرون الذين امتلأت بهم ساحات التويتر والفيسبوك فلا يحملون من الثقافة سوى اسمها.

الثقافة تعني تقبل الاختلاف، وعدم تجريح الآخرين والتعامل معهم بفوقية، فليس المثقف وحده من يملك الحقيقة، فكل يملك حقيقته، وكل له زاويته في النظر للأمور.

في حين يرى البعض ان وسائل الاعلام الحديثة كشفت وبشكل خاص مواقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك وتويتر هشاشة المثقف العربي وسطحيته وتناقضه في حين يدعو لاحترام الاخر واحترام الرأي المختلف تراه يضيق ذرعا بمن يعارضه او ينتقده ولا يتحمل النقد ويعتبره تجريحا شخصيا وانتقاصا من قيمته رغم ان ذلك يدخل في دائرة ما يدعو له ويروج له.

فيما يحصر سامي حسون الظاهرة في فئة من المثقفين قد تكون هذه النظرة عند البعض فيها نوع من الحساسية لأنها مكشوفة للعامة وليس للمثقفين والمحسوبين على الفكر فقط.. وقد يتخلل النقاش تجريح شخصي من كل من هب ودب .. كما انها تصل الى حد الشتم ، وتفتقد أدب الحوار والذي ينبني على احترام الاخر.. مما يجعله يقوم بالانسحاب منه بعملية بلوك.

مقالات ذات صله