اخــر الاخــبار

عنكاوا.. صفحة مهمة من تأريخ ما بين النهرين

أربيل ـ متابعة

عنكاوا، عمكاباد ، همكاباد، عمكو أَو عين كاوة أسماء عديدة تداولها الكتاب والباحثون والمؤرخون لمدينة أو قرية صغيرة ولكنها أكبر القرى المسيحية ضمن الحدود الجغرافية ، لأربيل. قرية تشكل طوقاً مع قرى سبع أُخرى حول القلعة وتبتعد الواحدة عن الأُخرى بما لا يتجاوز السبعة كيلو مترات.. هذه القرى السور كانت تشكل مورد تموين مهماً ورئيساً من الغلاة الزراعية والحيوانية لأربيل وهي ما يطلق عليها اليوم (دشتا دأربل) أي سهل أربيل.

عنكاوا، صفحة مهمة من تأريخ مابين النهرين يعود إلى القرن السادس قبل الميلاد وما (كهاريز) عنكاوا التي تعود إلى عهد الملك الآشوري سنحاريب ضمن مشروع إروائي كبير(مشروع سنحاريب) وقد ورد ذكر هذا المشروع في لوح مسماري يقول “أنا سنحاريب، ملك العالم وآشور، حفرت مجاري ثلاثة أنهار في جبال خاني وهي الجبال الواقعة في أعالي أربيل وأضفت إلى هذه الأنهار مياه الينابيع الواقعة في الجوانب اليسرى واليمنى من هذه الآباء وقد حفرت القناة وسط مدينة أربيل التي هي موطن السيدة المبجلة “الإله عشتار” وقد عرف الآثاريون بأن جبال (خاني) التي وردت في اللوح المسماري هي جبال صلاح الدين (بيرمام) وسفين حيث تنبع مياه (باستورة) حيث كهريز عنكاوة..

إذن عنكاوة وإلى وقت قريب كانت الـ (عنكاوية) تحمل جرار الفخار (تلما) لتملؤه من (روما دقطما) أي تل الرماد، وهو أحد كهاريز مشروع سنحاريب الأروائي وكان مصدر المياه لأبناء (عنكاوة) حتى القرن التاسع عشر..

وتل (قصرا) أي القصر وقد يكون مكاناً لقصر الملك الواقع شرقي كنيسة مار كوركيس ويرتقي إلى عصر الأمبراطورية الآشورية (961-612ق.م).

هذه هي “عنكاوا” جزء مهم ورئيس من حضارة وتاريخ المنطقة كانت ولا تزال تشعّ، خطوتها واضحة ومتميزة في مسيرة الحياة الإنسانية لأنّ أبناءها يشكلون امتدادات طبيعية لأجدادهم الذين سطّروا مشاعل مضاءة في التاريخ.

 

عنكاوا.. المدينة

عنكاوا، (بالسريانية: ܣܘܪܝܝܐ) بلدة عراقية، تقع شمال شرق العراق، ضمن إقليم كردستان ، مركز ناحية بموجب التقسيمات الإدارية للمدن منذ عام 1956، تتبع ادرياً لمدينة (أربيل) أربا ايلو (مدينة الإلهة الأربعة) أو هولير كما يحلو لإخوتنا الأكراد أن يسموها.

أقول مدينة وأقول قرية، والتسميتان تنطبقان على (عنكاباد) الخيمة الدافئة التي شعرت بدفئها في كل زيارة لها منذ الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وفي كل مرّة كانت قدمي تتخطّى أسوار هذه المدينة ، أشعر بأن بلدتي بغديدي تذوب فيها أو هي تذوب في بغديدي وكيف لا وقد زارها واحد من أبنائها (الأب منصور دديزا) زارها في 27 تشرين الثاني 1929 وكان حينها رئيساً لدير مار بهنام وتقول الوثائق، بأن أبناء عنكاوة جمعوا له (200 روبية) و (400) علبه من الحنطة والشعير تبرعاً للدير. إلى نيسان 2003 كانت المدينة تعيش بحذر وترقب حالها حال كل مدن كردستان، خاصة وإن الصورة لم تكن واضحة المعالم كان (العنكاويون) حذرون من أية خطوة يتخذونها، وفي الاعلام يقولون “هدوء… ولكنه مشوب بالحذر” فهل كان (العنكاويون) يتوقعون ” الولادة ” قبل الحَمْل ؟

نعم.. هكذا كانت الأُمور تجري لهذا توقفت كل (العمليات الحياتية) فيها باستثناء ما هو ضروري لديمومة الحياة اليومية. عنكاوا، مدينة فلاحية الجذور، الزراعة وما تدره على أهلها من خيرات أرض آبائهم هي المصدر الوحيد الذي يُكوّر لقمة العيش ليدفعها في أفواه أبنائهم بعد أن يجبلها بالعرق لكي يشعرون بطعمها وطعم الأرض التي من أجلها نزفوا دماً ونضحوا عرقاً.

هذه المدينة كانت هكذا حتى قبل نهاية القرن العشرين، لا يتجاوز عدد سكانها عن (4000) نسمة: بساطة الحياة، بيوت طينية متراصة متلاصقة، عفوية التعامل، التزام بالثوابت، تجذر في أرض أحبوها. السنوات العشر الماضية انسلخت عن واقعها الفلاحي لتدخل المدينة من أوسع أبوابها ولتتجاوز كل التحديدات التي تؤسر التطور التدريجي لسياقات المدن .

عنكاوا.. المزارات

انتشرت المسيحية في بلاد ما بين النهرين في القرن الأول الميلادي، كونها مجاورة لسوريا وفلسطين، فقد انتقل إليها تلاميذ المسيح الاثنا عشر، فكان توما الرسول، احد الذين وصلوا إلى الموصل واربيل سنة 99، بالإضافة إلى كنيستي مار كوركيس والتي يعود بناؤها إلى القرون الأولى للمسيحية، وكنيسة مار يوسف (1981) وكنائس أخرى عديدة بنيت بعد 2003، تضم عنكاوا العديد من المزارات وهي كالآتي:

مزار مريم العذراء والذي يعرف محلياً بـ (مريمانة) وهو عبارة عن قبتين مبنيتين على الطراز الروماني القديم يعلوهما صليبان. ويقع نحو 5 كم جنوب غرب بلدة عنكاوا، وهو من أهم ألاماكن المقدسة لدى الأهالي، ليست هناك معلومات تاريخية عن المزار، قد يكون هذا الموقع حسب التقليد المحلي، بقايا كنيسة على اسم مريم العذراء لقرية مندثرة، المزار عبارة عن قبتين مخروطتين متلاصقتين، لكنهما مستقلتان عن بعضهما البعض،. يقبل المؤمنون كثيراً لزيارة المكان، على مدار السنة، لاسيما في الربيع وأيام أعياد العذراء، وبالذات في عيد انتقالها الذي يوافق الخامس عشر من كل آب.

مزار مار ايليا، والذي يقع إلى الشمال من البلدة، يرجع اسمه إلى ايليا عبدوكا، الذي جحد إيمانه مع كثيرين من سكان عنكاوا، خوفاً من حملة محمد باشا الراوندوزي الملقب ميراكور في شمال العراق بين 1831 – 1836، ولما عدل ايليا عن جحوده وعاد إلى إيمانه الأول في أيلول 1831 وكتب على قبره سهدا ايليا (الشهيد ايليا).

والى الشمال من عنكاوا يقع أيضاً مزار مارت شموني، كان الموقع في البداية عبارة عن صخرة في المنتصف يتردد عليها الناس للصلاة وإضاءة الشموع، ثم شيّدت فيما بعد غرفة صغيرة مقببة من الطين، وفي عام 1985 هدمت تلك الغرفة، وأقيمت محلها غرفة اكبر بالطابوق وسقفت بالشلمان. وإبان الثمانينات، بوشر ببناء هيكل جديد على الطراز البابلي بمساهمة أبناء عنكاوا واربيل. يعتقد الناس في البلدة، أن المزار كان في الأصل كنيسة الشهيدة نفسها، التي يعد تذكارها وأولادها السبعة، في الثلاثاء الأول من شهر أيار.

مزار مار قرياقوس: يقع هذا المزار على تل كبير في مدخل قرية (كزنه) نحو 7 كم شمال عنكاوا.بناؤه أشبه بالكنيسة، وكان يزار من قبل الأهالي، خاصة لطلب الشفاء للمرضى. ويحتفل به 15 تموز من كل عام…

مزار مار سنيقا: يقع إلى الجنوب الغربي من عنكاوا على نحو 3كم على يمين الطريق إلى اربيل، وقد اندثر بين المنشآت العسكرية عام 1978 ضمن معسكر اربيل. والاعتقاد السائد أن الموقع وما فيه من آثار وبناء قديم ليس إلا بقايا كنيسة قديمة لقرية مندثرة تدعى(ديرك).

عنكاوا.. والتهجير ألقسري

لم يكن يوم 6 آب 2014، يوماً اعتيادياً في عنكاوا، فبعد توتر الوضع الأمني في قرى سهل نينوى، وسقوط عدة قذائف على المدن، ذهب ضحيتها عدد من الشهداء والجرحى، وورود معلومات بأن قطعان داعش تتقدم لاحتلال المنطقة، بدأ الناس بالنزوح من قراهم متوجهين الى مدن كردستان كونها الأقرب جغرافياً لهم، ولكن الثقل الأكبر تحملته عنكاوا كونها مدينه مسالمة وأغلب سكانها هم مسيحيون، وتضم العديد من الأقليات والقوميات، فقد كان عدد نفوسها (30 ألف) نسمة ليرتفع العدد خلال أربع وعشرين ساعة إلى أكثر من (100 ألف).

فتصور حجم المأساة الإنسانية التي تحملتها هذه المدينة وهي تستقبل ثلاثة أضعاف سكانها، فقد أمست المدينة كتلة بشرية كبيرة تتحرك في شوارعها تبحث عن موطئ قدم تستريح فيه بعد ساعات من المعاناة والانتظار والجوع والعطش، وجميعم لم يحملوا معهم أكثر من مستمسكاتهم وقسم من نقودهم على أمل أن التهجير لا يستغرق سوى أيام .

فقد كانت ساحات وأرصفة وكنائس وحدائق ومدارس وملاعب عنكاوا، مكاناً لهذه الجموع في كارثة انسانية قلّ نظيرها، وقد حاولت الإدارة المحلية والجهات الكنسية ومحافظة أربيل، إلى بعض المنظمات الإنسانية، التخفيف عن هذه المعاناة، بتوفير ما تيسر لديها من طعام وشراب وأغطية. ورغم مرور ثلاثة أشهر على تحرير مدن سهل نينوى، لا توجد أيّة بوادر للعودة القريبة، خاصة وأن أغلب الدور قد أحرقت ونهبت وهدّمت.

مقالات ذات صله