الجوائز الادبية …. ظاهرة صحية بين دعمها للثقافات وتشجيعه للمواهب

بغداد-متابعة

رغم تعدد الجوائز التي تحتفي بالأدب والأدباء في العالم العربي، سواء المحلية منها أو الدولية، إلا أنه بمجرد الإعلان عن جائزة هنا أو هناك يثور اللغط حول الجائزة واستحقاقها من عدمه للكاتب أو عمله الأدبي.

لجوائز الأدبية تعتبر ظاهرة صحية تدعم الثقافات كافة، لهذا نلاحظ وجود جوائز متعددة المستويات، منها محلي على مستوى المدينة، او البلد، وربما تقتصر الجائزة على اعمار معينة، وقد تتصاعد لتصبح قارية، أي تخص قارة بعينها، وهناك جوائز عالمية شهيرة كما في جائزة نوبل المعروفة، وقد نتفق على أن الجوائز تساعد تنمية المواهب، وتشحذ قرائح الشعراء وأخيلة كتاب السرد، وتمنح كتّاب النص المسرحي والدرامي والثقافي عموما، دافعا قويا للابداع، وابتكار الجديد على مستوى الشكل او الفكرة، فكلنا نعرف أن المبدع الذي يفوز بجائزة نوبل، سوف يتحول الى عالم الاغنياء من خلال الشهرة الكبيرة التي يحصل عليها، والاقبال الكبير على شراء كتاباته ومؤلفاته، وطبعها بعدة لغات بملايين النسخ، كما تابعنا ذلك مع جميع الكتاب والادباء الذين فازوا بهذه الجائزة الاهم في العالم.

هذه المقدمة تطرح سؤالا مفاده، هل الجوائز الادبية طريقة للتشجيع أم التقريع والتعويق؟، لا شك أن الجائزة المرموقة النزيهة، تهدف الى تشجيع المواهب، وتسعى الى حث الكتاب نحو الابتكار والتفاعل، نظرا للاهمية القصوى التي تنطوي عليها الكتابات الادبية، فقد بيَّنت دراسات متخصصة، أن المشاريع والمضامين التي يطرحها الخيال البشري الابداعي كما جاء في الروايات مثلا، أسهم ولا يزال في تطوير العالم، وأسهم في نقل الانسانية من حال الى حال، وأن معظم التطورات في مجال التقانة والمكتشفات المستقبلية، إنما كانت على يد الخيال الابداعي، لهذا يستحق هؤلاء جوائز رفيعة تناسب ما قدموه للبشرية من ابداع متقدم.

ولكن متى تكون الجوائز الادبية فاعلة، وقادرة على تحقيق الاهداف الحقيقية التي تسعى إليها، وتبتعد عن حالات الاحباط التي قد تتسبب بها، من خلال اعتماد المعايير الفاشلة؟، ثمة ضوابط ومعايير هي التي تعطي الانطباع الجيد عن الجائزة أو العكس، بمعنى هناك جوائز ادبية كاذبة، وأخرى غير نزيهة، ومنها جوائز للدعاية الفارغة، وثمة جوائز تخضع للامزجة الشخصية، ، وفي هذه الحالة تكون المردودات التي تفرزها جوائز كهذه سيئة جدا، وتصيب المبدعين الحقيقيين بالإحباط، فالجائزة التي تتحكم بها السلطة، والسياسة، ، إنما تشكل ثقلا كبيرا على تطور الادب، واسهامه في تحقيق تحولات كبرى في حياة المجتمع.

ومن الشروط الاساسية لنجاح الجائزة الادبية، انها ينبغي أن تراعي قضية المواهب، وتتنبّه الى وجودها، وأن تبتعد كليا عن السطحية، والمآرب التي تثير الشكوك فيها، خاصة تلك الصفقات المشبوهة التي قد تشي بفساد، او اتفاقات مسبقة على النتائج وما شابه، بمعنى اوضح، من المهم ان تكون الجائزة شفافة، تعتمد معيار النزاهة بدقة، وتحترم الكفاءات والمواهب، وتحفظ الحقوق وفق معيار تكافؤ الفرص، والمساواة في التحكيم والاختيار وما شابه، وأن تبتعد بصورة كلية عن النزعة المتحاملة، وعن الايدولوجيا وعن السياسة عموما.

بمعنى أن يهتم القائمون على الجائزة باستقلاليتها، وخاصة في قضية التمويل، وعدم الانصياع لمآرب مسبقة تطيح بالأهداف الجيدة للجائزة، على أن يكون المعيار الدقيق لمنح الجوائز، قيمة النصوص من الناحية الابداعية، والتجديد في الطرح والتناول، ومدى الاستفادة من المادة الادبية فنيا وفكريا، ومدى امكانية مشاركة مضامين النصوص في تحسين الحياة، وفي كل الاحوال، تبقى الجوائز الادبية وسيلة لتطوير الادب واستنهاض الافكار من واقع الانسان نفسه، لتحقيق الواقع الافضل والاجمل دائما، وهذا لا يتحقق من دون اعتماد معايير، تعتمد الاستقلالية والعدالة والشفافية، في منح الجوائز للمتسابقين.

ولكن هناك من يرى أنه لا ضير في مثل هذه الجوائز، بل لازالت محدودة وقليلة مقارنة مع كم الكتب والكتاب في الوطن العربي، ويتساءل عن جدوى النظرة الطوباوية للكتابة لدى البعض، وكأن الكاتب لا يأكل الطعام ولا يمشي في الأسواق، وبالتالي هو ليس من حقه أن يكون له طموح مادي من وراء كتاباته، وإن كنا نتفق أنها ليست بالضرورة الهدف الأول من الكتابة.

حيث من الأفضل أن تتضاعف هذه الجوائز مرّات ومرّات، كي تزداد فرص فوز أكبر عدد من الكتاب، وكي نعيد للكتب والكاتب قيمتهما التي فُــقدت. لو كانت نسبة القراءة في العالم العربي مرتفعة لربما كان الوضع سيكون مختلفا، لأنه عندها سيكون البقاء لـ”الأكثر مبيعا”، وبالتالي الأكثر دخلا، والحكم الأول والأخير سيكون للجمهور القارئ، كما هو الحال في الدول الغربية.

 

اما من ناحية مسألة إنصاف لجان التحكيم، فهي مسألة نسبية جداً، فالأمر أشبه بلعبة كرة القدم. فقرارات الحكم ليست صائبة دائما، لكن لديه السلطة التقديرية التي قد لا ترضي كثيرين. وهذا ما يحدث مع لجان الجوائز.. فهم في آخر المطاف أشخاص لديهم خلفياتهم وآراؤهم وميولهم، وهذه العوامل كلها تؤثر طبعاً في منح الجائزة لهذا أو ذاك. هم يمنحون الجائزة لمن يرون أنه يستحق، والكاتب ليس عليه سوى أن يترشح وينتظر، فلا يد له في الموضوع إطلاقاً، ولا داعي لأن يحول الأمر لمأساة ومؤامرة إن لم يفز. إنما هي مسألة اختيار من طرف أشخاص لهم ما لهم وعليهم ما عليهم.

الأدب هو مساحة رجراجة ومراقبة لمساحات أخرى لنشاط الانسان، انه دائما أبعد بخطوة او متأخر بخطوة لينفتح على ممارسات الناس ويعينها على فهم نفسها. تحجيم الأدب داخل «وصفات» الجوائز» ينتهي به إلى كونه مهنة، ليست المشكلة مجددا في الجوائز، ولكنها في مضمون فعل ممارسة الأدب ذاته في مجتمع لا يفهم حتى معنى التمثيل ومقصده.

مقالات ذات صله