مسرح بغداد… صرح ثقافي ابتلعته النفايات امام انظار المسؤولين

بغداد-خاص

شهد المسرح العراقي عروضا ما زالت نكهتها وصداها لا يغادران ذاكرة الثقافة العراقية حتى يومنا هذا ذلك بفضل وجود عدد غير قليل من كتاب المسرح العراقي الذين حررو الفن والفنان العراقي من قائمة الممنوعات والعقد والمخاوف يتطلع محبوه إلى فن رصين وجمالي، تكون فيه الفنون الأدائية مرآة حقيقية لنهضة العنقاء العراقية من أوجاعها الدامية.

لم يكن تخيل اي فرد عراقي و اي كاتب ، ان يصبح “مسرح بغداد” ورشة الامل الفنية التي احتضنت “فرقة المسرح الفني الحديث” في عروض لنحو عقدين شكلت ملامح الحداثة في المسرح العراقي المعاصر، مكبا للنفايات، وهو الذي شهد مسرحيات شكلت علامات بارزة في الثقافة العراقية مثل “النخلة والجيران” و” بغداد الازل بين الجد والهزل” و” رحلة في الصحون الطائرة” و”جيفارا عاد فافتحوا الابواب” وغيرها من عشرات العروض التي شكلت منهلا ثقافيا لاجيال من العراقيين، طبعه فنانون كبار مثل خليل شوقي، قاسم محمد، سامي عبد الحميد، جواد الاسدي، روميو يوسف، مقداد عبد الرضا، ازادوهي صاموئيل، فاضل خليل وكثيرون غيرهم، بلمسات من الرقي الثقافي والانساني.

وكان موسم هذا المسرح في العطلة الصيفية والربيعية، حيث كان يغص بالمتفرجين حتى انك لا تستطيع ان تجد مكانا لك او لعائلتك دون ان تحجز قبل مدة ليست بالقصيرة . وغالبا ما يكون الحجز صعبا بسبب شدة الاقبال على عروض هذه الفرق التي كانت تشكل ظاهرة ثقافية غاية في الروعة.

فقد استقبل مسرح بغداد تجارب مخرجين كبار كسامي عبد الحميد وتجربته في اخراج مسرحيات يوسف العاني. وإبراهيم جلال، وجعفر علي، وجعفر السعدي ، وتجربة فاروق فياض الاخراجية الوحيدة. كما أبدع فيه الكثير من الممثلين والممثلات كالراحلتين زينب وزكية خليفة. كذلك الفنانة اقبال محمد علي وغيرهم.

ان الذي لم يشاهد قاعة هذا المسرح ويتأمل حجمها المتواضع يعتقد من حديثنا عنها انها قاعة فخمة وكبيرة، لكن زيارة واحدة لها تجعلك تقف بإجلال واحترام لرواده المسرحيين وتتساءل كيف كان يمكنهم تقديم عروض مهمة كالتي نسمع عنها ونشاهد بعضها على اليوتيوب وتنالٍ الكثير من الثناء والإعجاب المتناهي على مسرح صغير مثل مسرح بغداد.

يقع هذا المسرح في زقاق من ازقة شارع السعدون قرب سينما النصر. هو في الاصل بناية كانت كنسية تركها القائمون عليها لصغرها. اختارتها ادارة فرقة المسرح الفني الحديث لتكون خشبة مسرح لهم ومقرا لإدارة فرقتهم. وقدمت من على المسرح أجمل العروض المسرحية التي بقيت في ذاكرة الناس تحفظ لها جمالها ومازالت تشكل تراثا ثقافيا رائعا عراقيا.

وعلى الرغم من انه قد شهد في السبعينيات ترميما وتوسيعا اشرفت عليهما فرقة المسرح الفني الحديث “وهي المالك الشرعي له” وصار بعدها يتسع لأكثر من ثلاثمائة وخمسين كرسيا، بعد ما كان يسع اقل من مائتين وخمسين كرسيا لكنه، اليوم هو مغلق تماما فقد رصت بوابته بالطابوق واختفت تلك اليافطة الجميلة التي كتب عليها “مسرح بغداد”، وكانت هذه اليافطة هدية من اهالي كربلاء تثمينا لجهود العاملين فيه.

يشهد المتابعون الذي حضروا تلك العروض التي قدمت على هذه الصرح الكبير بأنها كانت عروضا متقدمة في التقنية والأداء . ومن اهم هذه العروض مسرحية بيت برنالد البا للشاعر الاسباني لوركا والتي اخرجها الفنان القدير سامي عبد الحميد وفيه تجلت تجربة الفنان التشكيلي الرائع الراحل كاظم حيدر الذي غير شكل العرض التقليدي اذ جعل بيت برنالد البا على شكل قفص شيده وسط القاعة وأظهر من خلاله الممثلات وكأنهن طيور مسجونة. وهذا ما اراده لوركا من مسرحيته هذه. ولا ننسى عروضا مثل الخان وفيها ظهر الشهيد دريد ابراهيم الذي أعدمه الطاغية وكان أول أدواره على المسرح بعد تخرجه من اكاديمية الفنون الجميلة، وكذلك مسرحيات المفتاح والشريعة وأضواء على حياة يومية والرائعة التي لا تنسى القربان. وشهدت قاعة هذا المسرح كذلك حادثة الممثلة المعروفة ناهدة الرماح حين اصيبت بالعمى.

 

ما ضرّ لو قامت امانة بغداد بالتنسيق والتشاور مع وزارة الثقافة باستملاك مثل هذه المرافق الثقافية بغية اعادة تأهيلها وجعلها مزارا لمريدي الثقافة او متحفا يقصده المهتمون بالمسرح وانْ كنّا نفضّل ان نعيده مسرحا حديثا يعيد مجده السالف بعروضه الثرية كما كان قبلا؟!

 

من المؤلم ان نرى مثل هذه الصروح الإبداعية والأضرحة الثقافية ان يتمّ تخريبها وإهمالها بهذا الشكل المروّع وربما المتعمّد حتى اصبحت واجهته وأرصفته مكبّا للنفايات ومرمى للمزابل والأوساخ في مكان كان يوما ما مركز إشعاع ثقافي يزهو بألقهِ ولمعانه .

 

ليس فقط الفقدان والخراب وحدهما، بل عدم الإحساس بهما. فهناك ذاكرة مشتركة تمحى بكلّ قسوة وخبث وتجاهل أيضاً.

ويسرد ممثلون و طلبة سابقون موقع المكان في ذاكرتهم  اتذكر حين كنا طلابا بمعهد الفنون الجميلة، نأتي الى هذا المكان “مسرح فرقة الفن الحديث” ندخل مجانا كوننا طلبة، شاهدنا مسرحية “نفوس ” للفنان يوسف العاني وسامي عبد الحميد، و”مسرحية بغداد الازل بين الجد والهزل”، بطولة عمالقة المسرح العراقي : خليل شوقي ويوسف العاني، ومسرحيات لاحصر لها.

في هذه البناية التي اصبحت الان مكبا للنفايات، وقفت على خشبة مسرحها الممثلة ناهدة الرماح واصيبت بالعمى وهي تؤدي احد ادوارها، هذا الصرح الذي كان عمل على تثقيف ذائقتنا الفنية.

 

أعطني خبزا ومسرحا اعطك شعبا مثقفا، مقولة جسدها الكاتب المسرحي “ويليام شكسبير” والتي خلدت في الاذهان، فهو يعلم جيدا مدى تأثير المسرح على الناس وانطباعاتهم، فالمسرح هو حياة مصغرة تعرض تفاصيلها داخل الخشبة بأسلوب تمثيلي يحمل في طياته الكثير من الرسائل تطلق الى اذهان الجمهور ممكن ان تحدث في الفهم والادراك للجوانب الحياتية ومحيطها بكل ابعادها السلبية والايجابية والدعوة للالتزام بالمنطق والمعقول.

 

مقالات ذات صله