خروجهم من دور الدولة يهدد مستقبلهم .. الأيتام في العراق معاناة مستمرة باستمرار الإرهاب

بغداد ـ متابعة

الايتام شريحة مهمة وواسعة في العراق منهم من يكون محظوظا ويلقى الرعاية عند الاعمام او الاخوال ومنهم من يكون غير ذلك، فيضطر للذهاب الى دور رعاية الايتام المسؤولة عنها الدولة، لكن المشكلة الحقيقية تبدأ معهم بعد بلوغهم سن الثامنة عشرة عاما، اذ تنتهي مهمة دور الدولة في ايوائهم وتوفير الحماية لهم، وهم في عمر يحتاج الى الرعاية والاهتمام والتوجيه ليواجهوا الحياة، لاسيما انهم لسنوات طوال لم يندمجوا في المجتمع، وعليه تباينت الاراء حولهم ومصيرهم بعد خروجهم، فكانت لنا هذه الوقفة مع المعنيين.

 

الايتام والمجتمع

 

الباحث الاجتماعي الدكتور محمد عبد الحسن اوضح: ” ان دور الدولة والمؤسسات الاجتماعية التابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية تحتضن في كل عام بعضاً من ابناء المجتمع الذين لم تكن الظروف بصالحهم، وحرمتهم من العناية والرعاية الاسرية، وهي المؤسسة الطبيعية التي يفترض أن يقضي اليتيم شطراً من حياته في وسطها وتحت رعايتها وما يمكن أن توفره له من حماية وتنوع في الفرص}، منوها {الى الرعاية والبرامج التي تقدم فيها، فضلا عن الانفاق عليهم يذهب ادراج الرياح عندما يطلب من النزيل أو المستفيد مغادرة الدار والاعتماد على ذاته، بعد أن يصل إلى سن الثامنة عشرة عاما، في ظل مجتمع تقليدي له ضوابطه في التعامل مع الاخر، فضلاً عن قلة الفرص التي يمكن أن تكون متاحة في الساحة الاجتماعية والاقتصادية، لاسيما أن آلاف الخريجين من الجامعات والمعاهد العراقية يرزحون تحت آفة البطالة والعطالة، فكيف يمكن أن نتصور من شخص كان مودعا لسنوات طوال في مؤسسة توفر له كل شيء، ومن دون سابق تجربة يطلب منه مغادرة هذه المؤسسة والاعتماد على ذاته، وهو لا يمتلك المأوى الذي يسكن فيه ولا توجد وظيفة أو عمل يركن اليه، مع غياب العائلة التي تعينه”.

ويتابع عبد الحسن: ” ان المجتمع بطبيعة الحال يتعامل بخشية وحذر، وفي غالب الاحيان يتم استبعاد هذه الشريحة من الناحية الاجتماعية فمن البعيد تزويجهم أو التزوج منهن، الامر الذي يعني أن مثل هذه الشريحة سوف تكون امام خيارات صعبة، وخطيرة كأن يصبح الفرد مشردا، والتشرد بالنسبة للبنات، يكون خطرا لانهن سوف يصبحن عرضة لمخاطر مختلفة، أو اللجوء إلى التسول، وهذا الخيار غير متاح، بالسهولة التي يتصورها بعض الناس، لذلك فان بعضهم من المحتمل يدخل حيز العصابات الاجرامية بالنسبة للذكور}، ملفتا النظر الى ضرورة ايجاد صيغ تعاقدية جديدة في الهيئة الاجتماعية تتعاطى مع هذه الشريحة الاجتماعية ومحاولة احتضانهم وتوفير الدعم المادي والمعنوي، ليكونوا عناصر بناءة في الساحة الاجتماعية”.

أزمات نفسية

الباحث النفسي الدكتور حيدر الدهوي يرى: ” ان هذه الفئة اذا لم توجه التوجيه الصحيح سيكونون لقمة سائغة لتنفيذ اعمال لجهات اخرى، وعليه لابد من زجهم في معامل وورش عمل يتعلمون من خلالها مهنة يستطيعون ان يقتاتوا منها، مشيرا الى ان بقاء الايتام في دور الدولة يجعلهم في مواجهة الكثير من المشاكل والازمات ويشعرون بالاضطهاد، منوها ان بعدهم عن المجتمع يجعلهم افرادا غير اسوياء يعيشون في حالة الغربة وصراعات نفسية كبيرة، مايولد لديهم شخصية معادية للمجتمع يعتبرون ان الدولة والاخرين هم السبب في يتمهم، مايجعل امكانية استخدامهم في عمليات التفجير او الارهاب ممكنة احيانا، داعيا منظمات المجتمع المدني والاقرباء والدولة بالدرجة الاساس للوقوف ازاء هذه الظاهرة واختيار اشخاص متمرسين ولديهم خبرة للتعامل مع الايتام”.

غطاء قانوني

وعد رئيس مركز دار السلام العراقي سامي شاتي: “خروج الايتام بعد هذا العمر من رعاية مؤسسة الايتام خطر وحساس في ظل التحدي الامني والخروقات الارهابية الكثيرة، ووجود الكثير من عصابات الجريمة المنظمة، لكن المشكلة في العراق ان دور المنظمات لم يعبر مرحلة الرصد وتوثيق هذا الموضوع والتوعية به}، مضيفا ان {استضافة مثل هذه الاعمار في المؤسسات لايتمتع بالغطاء القانوني، فهو يعاني نقصا تشريعيا وقصورا بالثقافة السائدة، فضلا عن الادوار التقليدية لمؤسسات الدولة، لافتا الى ان منظمات المجتمع المدني بحثت هذا الامر مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ومجلس النواب، فموضوع ايوائهم من قبل المنظمات صعب، اذ يحتاج الى امكانيات كبيرة، معتقدا ان {بامكان وزارة العمل الاستفادة منهم في برامج التشغيل من خلال برامج التأهيل الموجودة لديهم وبالتالي نعطي فرصة اقتصادية”.

كفالة اليتيم

مسؤول العلاقات والاعلام في المجمع الفقهي العراقي الشيخ مصطفى البياتي يبين:

” ان ديننا الحنيف ينظر الى اليتيم برعاية واهتمام من أجل أن يسود التكافل الاجتماعي في المجتمع الإنساني، وجائزة هذا العمل الانساني النبيل هو دخول الجنة بصحبة نبينا المصطفى (عليه الصلاة والسلام) كما ورد في الحديث الصحيح (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) وأشار النبي (صلى الله عليه وسلم) بأصبعي السبابة والوسطى، موضحا ان الكفالة لا تعني الرعاية المالية فحسب بل تشمل كل أنواع الكفالة من التربية والتوجيه والمتابعة لصناعة جيل ملتزم وايجابي في المجتمع}، مبينا ان {فئة الأيتام تنتمي الى المجتمع الإنساني ولها حرمة ولها حقوق مكفولة في التعليم والصحة والمسكن ولا يجوز استغلالها في أعمال السوء او مع كل ما يتنافى وأحكام شريعتنا السمحاء، داعيا الى ضرورة اعطاء هذا الملف الانساني اولوية من الاهتمام والمتابعة كونه يمثل لمسة وفاء لمن تركوا اولادهم بغيابهم عن الحياة وهي بسمة أمل للأجيال القادمة”.

 

 

تعديل قانون

تؤكد مديرعام دائرة رعاية ذوي الاحتياجات الخاصة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية الدكتورة عبير الجلبي: ” ان الوزارة اسهمت في تشريع وتعديل قانون رعاية ذوي الاعاقة والاحتياجات الخاصة رقم 38 لسنة 2013 واجراء تعديلات على التعليمات الخاصة بهذه الدور والتي تنص على ان اليتيم الذي يبلغ من العمر 18 عاما وليس لديه مأوى يبقى في الدار لحين ايجاد فرصة عمل مناسبة له، والامر يشمل الفتاة، اذ تبقى في الدار للعمل كمتطوعة لحين حصولها على فرصة عمل جيدة او زواجها} منوهة الى برنامج للرعاية اللاحقة لدور الدولة يشمل متابعة وضع اليتيم او المشرد عند خروجه من الدار والتحقق من انه يعيش في كنف اسرة وبظروف اجتماعية جيدة ومن دون استخدامه لاي اغراض اخرى، لافتة الى ان دار الايتام تضم ايتاما بأعمار مختلفة من بينهم من جاؤوا من عوائل مفككة اسريا ومنهم كريمو النسب”.

ونفت الجلبي: “ماتردد مؤخرا حول استغلال القائمين على هذه الدور للفتيات بعد بلوغهن سن 18 عاما للمتاجرة بهن وبيعهن الى تجار} مشيرة الى ان هذه التصريحات لاتسيء الى سمعة دور الدولة فقط وانما تسيء الى سمعة الفتيات اليتيمات، مؤكدة ان الوزارة ومنذ عام 2003 وحتى الان عينت اكثر من 37 يتيما في الدور الايوائية، فضلا عن تعيين اكثر من 75 يتيما في الوزارات الاخرى لاسيما الداخلية والدفاع والبعض منهم قد تم تزويجهم، فيما يوجد بعض المستفيدين في مراحل متقدمة من الدراسة”.

 

 

مقالات ذات صله