الخوف من العمليات الجراحية فوبيا تلاحق المريض

 

بغداد ـ متابعة

 

الخوف والقلق الذي اللذان يتولدان لدى الكبار من العمليات الجراحية، هما غالبا ما يعودان الى الطفولة، ومرورهم بتجربة طبية فاشلة او تشخيص لحالة خطرة، فلذلك تبقى المخاوف كامنة بداخلهم حتى بعد تجاوز الازمة فضلا عن تجارب لأشخاص تعرضوا الى الاصابة بالعمى او فشل في عملية جراحية، او الوفاة مما يخيفهم أكثر.

يحمل جراح الوجه والفكين حازم محمد العتابي مواقع الانترنت المسؤولية بالقول: “الكثير من مخاوف المرضى، لا صحة لها ولا اساس لولا وجود مواقع الانترنت المختلفة، التي تكتب تجارب لسنا متأكدين حتى من صحتها كما من واجب الطبيب ايضاح العملية للمريض بشكل تفصيلي، حتى لو كانت تحتوي على مخاطر حتى يكون على بينة من امره”.

 

قلق مرضي

وبابتسامة مرسومة على شفتيها تروي استبرق بمرح التدابير والاجراءات التي قامت بها شقيقتها قبل ان توافق على العملية

قائلة: ” اتصلت بكل فرد من افراد العائلة، وحتى الاصدقاء والجيران واستفسرت عن تفاصيل عملية رفع المرارة وحصاها، بل وصل الامر بلجوئها الى اكثر من طبيب ماهر بهذا الاختصاص، حتى تتعرف على حيثيات الموضوع اكثر، واطلعت على اكثر من فيديو في اليوتيوب يوضح خطوات العملية الجراحية، وحتى بعد ان اطلعت على ادق التفاصيل للعملية، واكد لها اكثر من شخص سهولتها، وبساطتها الا ان خوفها وانزعاجها بقيا مستمرين حتى اللحظات الاخيرة، بل عمدت اكثر من مرة الى تأجيل العملية لسبب او اخر تهربا من الخضوع لها، والخوف من البنج وجرعاته التي قد تكون مفرطة فتسبب فيما بعد بتأثيرات جانبية، كما نسمع

احيانا”. ويشير الرديني الى “ان الخوف المبالغ به قد يدفع المريض الى تأجيل العملية اكثر من مرة، او اضطرار الجراح الى تأجيلها بعد ان يرتفع ضغط دم المريض، او حتى سكره مما يجبره على التأجيل حفاظا على الحياة”.

وتتفق بالرأي معه الجراحة النسائية الدكتورة شذى عطرة قائلة:

ان الخوف موجود لدى كل فرد وهو ليس بالضرورة ناجما عن التأثر بالآخرين بل من تجاربهم السابقة مع العمليات الجراحية، واعتقادهم بان العملية من الممكن ان تؤدي الى مضاعفات اخرى اصعب وتكون اكثر وجعا عادة من مرضهم السابق قبل العملية، وكذلك عدم ثقة المرضى في الوقت الحاضر بالكادر الطبي بشكل عام من ناحية التخدير فضلا عن الظروف الصعبة التي تعيشها البلاد التي تؤثر في الجميع بما فيهم الاطباء، وايضا قد تكون هناك اخطاء طبية تؤثر بشكل عام في سمعة الاطباء فيفقد المرضى املهم او تضعف ثقتهم في نسبة نجاح العملية”.

 

خوف شديد

لم تكن مخاوف الستيني جليل حكيم من عملية ناظور المعدة، طبيعية او وقتية بل وصلت به الى مرحلة من الوسواس القهري، اذ رفض تناول الطعام او الشراب، هذا ما قاله ابنه الاكبر يوسف متابعا:

” تعرض والدي قبل فترة قصيرة، الى آلام بالمعدة فلجأ الى طبيب اختصاص، كي يشخص له هذه الحالة وعندما طلب منه اجراء ناظور للمعدة، رفض بشكل قطعي اجراء العملية بالرغم من ان الطبيب أكد له عدم خطورة الموضوع، وبساطته الا ان خوفه الشديد منعه حتى من الاستماع الى رأي الطبيب، فضلا عن خوفه من التخدير نفسه”.

ويوضح تقني التخدير احمد غني “ان هناك عمليات تتطلب تخديراً عاماً، واخرى تحتاج الى موضعي حسب طبيعتها وخطورتها على حياة المريض، ومنها الناظور والجراحة العامة وبصورة عامة هناك خوف شديد من التخدير، ولكن من المهم معرفة ان هناك اجراءات وفحوصات طبية ومختبرية، تجرى بشكل كامل قبل اجراء التداخل الجراحي، مع الاخذ بنظر الاعتبار مرضى الضغط والسكري وهناك من يشكو من تخثر الدم ، هؤلاء تجرى متابعتهم بشكل مستمر حتى تتم العملية بنجاح، اما اثار التخدير فهي تختلف حسب فسلجة الجسم والطبيب والتقني المختص الذي تكمن مهمته في تحديد نسبة المادة المخدرة، حتى تتم العملية بشكل صحيح”.

 

 

الانطوائية

ويروي يوسف كيف انعزل والده عن العائلة، ولم يعد يتواصل مع اي شخص، وأصبح شخصا انطوائيا وفضل عزلته الشخصية على مخالطة عائلته واصدقائه ومحيطه بشكل عام، ويبرر الابن الاكبر هذا التصرف

بقوله:

“لدى والدي تاريخ من الامراض المزمنة، فضلا عن السرطانية والم معدته اصابه بخوف شديد، من تعرضه هو الاخر الى اي نوع من الامراض السرطانية، وحتى بعد ان أكد له الطبيب ان الالم طبيعي وربما ناجم عن الاكل المفرط لكن الناظور للتأكد اكثر، الا ان حالته لم تتحسن ابدا وبقي مصرا على انه مصاب بالمرض، واختار العزلة

والوحدة”.ويلفت الرديني الى “ان الخوف من مراجعة الطبيب يتولد بعد السنتين من العمر، اذ يخاف الطفل كثيرا من اللون الابيض احيانا، او من الحقنة التي تعطى له خلال فترة حياته تلك، ومع الكبر ينمو الخوف حتى يتحول الى فوبيا احيانا وكثير من الاطباء والمستشفيات في دول العالم تتجنب ارتداء الابيض، وتختار الوانا اخرى حتى يزول خوف الطفل

منهم”.

اما عطرة فتبين: “ان هناك مخاوف من العملية الجراحية، بسبب انتشار الاقاويل بين الناس عن ان النتيجة الحتمية لتلك العمليات، يكون هو الموت وهذا الاعتقاد خاطئ تماما اذ يشهد الطب يوميا نجاح العمليات وتعافي المرضى”.

 

 

تجاوز الازمة

تكمل استبرق حكاية شقيقتها بابتسامة عريضة قائلة:

” جاء اليوم الموعود، واتجهت اختي الى صالة العمليات بخوف وقلق واضحين على وجهها، حاولنا تهدئتها قدر الامكان حتى تنجح العملية وترفع المرارة، دون تعقيدات او اثار جانبية وبعد ان استمر التداخل الجراحي ساعتين، عادت الى وعيها رويدا رويدا ولم تكن خائفة بل تجاوزت مخاوفها وغلبتها، وتأكدت بان ما مرت به هي تجربة بسيطة تكللت بالنجاح، ولا داعي للخوف المزمن او المبالغ به بعد الان”.

ويجد الرديني:

“ان هناك طرقاً متعددة لنجاح العمليات، تبدأ بتهدئة المريض وأحيانا اعطائه عقارا مهدئا، يوصف له قبل موعد العملية فضلا عن التحدث معه وتبيان سهولة التداخل الطبي، ولا داعي للخوف المبالغ به”. ويقول طبيب الجراحة العامة طارق طاهر صادق:” ان من واجب الطبيب مراعاة مشاعر مرضاه، والتعامل معهم بشكل انساني وهذا ما تعلمه الكليات الطبية لطلابها، اذ يجب استيعاب مخاوف المريض والتعامل معه كفرد من افراد الاسرة، وان يتحدث مع المريض قبل خضوعه للعملية الجراحية، واقناعه بنجاحها وتوفر الكادر الطبي المتميز الذي سيبذل قصارى جهده، ليتجاوز المريض الازمة ويعود الى حياته الطبيعية معافى وسليما، ولن يشعروا بآلام العملية لخضوعهم للتخدير

العام”.

وتشير استاذة علم النفس في جامعة بغداد الدكتورة شيماء بعد العزيز الى “ضرورة الابتعاد عن اخافة الاطفال في اعمارهم الاولى بالطبيب والحقنة، حتى لا تتشكل لديهم حالة مرضية وما يعرف بالفوبيا التي تؤثر بشكل كبير في حياتهم لاحقا، اذ تمنعهم من مراجعة الطبيب وتلقي العلاج والاصابة بالخوف والرعب احيانا، وحتى بعد الكبر لن يستطيعوا ان يتخلصوا من مخاوفهم بسهولة، وعندما يلاحظ الابوان ان طفلهما يخاف من الطبيب لابد من التدخل حتى لا تتفاقم الحالة لديه في الكبر”.

مقالات ذات صله