الحسين.. شفاه ذابلة تسقي الحرية

سعد الكعبي
عاشوراء قمّة في الحماسة وقمّة في التراجيديا؛ فلم يبصر تاريخ البشرية حماسةً بهذا الرقي، ولا تراجيديا بهذه الدموية، وبماذا يمكن مقارنة الراميانة والإلياذة وأوديزه وأناهيد أو الشاهنامة بسفر عاشوراء؟ وعاشوراء حماسة؛ لأن قائدها ترجّل فرداً أمام الحكم الفاسد والسفاك، فلم يبايع يزيداً وقال: مثلي لا يبايع مثله، ولم يرضخ للبطش والسلطة ولم يرض بالذلّ والهوان بديلاً؛ لأنه قال: إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً؛ فظلّ ثابتاً على موقفه قاتل وأثقل بالجراح حتى قُتل، وكانت كلّ جراحاته من وجهه، أي أنه لم يُدبر أمام القوم.

ظلّت الرؤية العاطفية هي الطاغية على المشهد العاشورائي؛ وذلك بسبب تغيّب الشيعة عن الساحة السياسية تحت ضغط بعض العوامل، أما في القرن الرابع عشر وبعدما دخل التشيّع معترك السياسة بقوة، فقد بدأ يغلب طابع السياسة في قراءة معطيات عاشوراء، فبينما كانت الرؤية العاطفية تركّز على مصاب الحسين وتبكيه.. جاءت الرؤية السياسية وأضافت إلى ذلك مفردات السياسة والنضال والحماسة عند الحسين، موظفةً المأتم والمصائب فيما يصبّ في صالح الهدف الأصلي.

في السابق، كانت الرؤية العاطفية تحجّم عاشوراء عند حدود التراجيديا وتختصر شخصية الحسين في معاناته ورزيّته، ويشهد على ذلك ما وصلنا من عناوين وما تواتر على الألسن من قاموس المأساة، من قبيل مصطلحات: البكاء، الدمع، المصيبة، الحزن والغم، البلاء والابتلاء، العزاء، المأتم، الظمأ، الأسر. أما في الوقت الحاضر وبعد غلبة الطابع السياسي على قراءات عاشوراء، تجلّى عنصر الحماسة بيّناً، فلم يعد الحسين فيه رمزاً للعزاء والمأتم وإنما أصبح رمزاً للحريّة والخلاص
إنّ هذا التحوّل في مفردات الماضي والحاضر كفيلٌ بتفسير التمايز الجوهري في رؤى الفريقين؛ ففي السابق كانوا يردّدون الحسين في كلمتين هما: المصرع والمقتل، أما في الوقت الحاضر فيمكن ملاحظة شيوع مفردتين تمجّدان إنجازات الحسين هما: الثورة والشهادة، والبون شاسعٌ جداً بين الرؤيتين، كما يتضح لنا أنّ هذا التحوّل لم يأت من منطلق لفظي أو من التفنّن في صياغة هذا اللفظ أو ذاك، وإنما كان نابعاً من اختلاف الرؤية لجوهر ومعنى الحسين وعاشورائه؛

بعبارة مجملة، إذا كانت نظرتنا لعاشوراء سياسيةً باعتبار الحماسة أصلاً فيها، فالنتيجة ستكون «الإسلام الحماسي»، و «حسين الشهادة»، وليس حسين المصيبة والعزاء، بل «حسين الدم» وليس حسين الدمع، وسيكون هذا إسلاماً ملهماً من الحماسة الحسينية فيخلق الحماسات ويهدّ صروح الظالمين بسلاح الشهادة ويروي شجرة الحرية بالدماء الأبية. نعم سيظلّ البكاء أيضاً مفردةً من مفردات هذا الإسلام، لكنّ هدف الحسين ليس البكاء، كذلك الشفاعة حاضرة بين المفردات لكنّ دور الحسين ليس مقتصراً عليها ولن يكون شفيعاً لكلّ من هبّ ودب.

سيدي ياحسين مازال رحلك المحروق بانتظارك,مازل ايتامك يتاملون نظرة منك ,مازلن نساءك بثياب مخرقة وعيون ذابلة وقلوب محروقة بانتظارك هناك على التل الزينبي .

اتعلم سيدي الكريم مازال اتباعوك ومحبوك ,يتمنون رؤية طلعتك البهية التي لم تغيرها ضربات اللعين شمر ولم تنل منها الدماء التي غطت لحيتك المقدسة ولم تغيرها شفاهك الذابلة ولاخدك الذي رسم على التراب حكاية الحرية .

فسلام عليك يوم ولدت ويوم قتلت شهيدا ويوم تبعث حيا .

مقالات ذات صله