تعويم الدينار العراقي ظاهرة اقتصادية من شأنها دعم العملة الوطنية

بغداد – الجورنال نيوز
“التعويم” أداة من أدوات السياسة النقدية للدول، تستخدم فقط مع العملات التي تحدد الحكومات قيمتها، ولا تكون متروكة لعوامل أخرى.

ويختلف التعويم عن “انخفاض قيمة العملة”، الذي تحدده السوق المفتوحة على أساس العرض والطلب.

والتعويم عكس الربط، فالعملات المربوطة مقابل عملة رئيسية أو سلة عملات يتم تعويمها من خلال “فك” الربط جزئيا أو كليا, أما انخفاض قيمة العملة فعكسهُ ارتفاع قيمتها، كما يحدث للعملات الرئيسية في الأسواق الحرة مثل الدولار الأميركي أو اليورو أو غيرها, إذ ترتفع قيمة تلك العملات أو تنخفض في السوق حسب العرض والطلب، وقوة أساسيات الاقتصاديات التي تمثلها، وتصرفات المضاربين في أسواق العملات.

وعلى سبيل المثال، تربط الصين عملتها الوطنية (اليوان) بسلة عملات وبالدولار الأميركي بالأساس، وتتعرض لضغوط من الغرب لفك هذا الارتباط وترك عملتها لترتفع قيمتها أو تهبط على أساس عوامل السوق، وهو ما يعني “تعوّم اليوان”.

وبالفعل، لجأت الصين مؤخرا إلى تعويم عملتها مقابل الدولار، ردا على انتقادات خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية لسياسات الصين النقدية وتأثيرها على التجارة مع أميركا.

تعويم الدينار العراقي:-
اقترح خبير الاقتصاد والمصارف رحيم العادلي على البنك المركزي العراقي والحكومة اعتماد “التعويم المقيد” في مزاد العملة بدلا من “العامل المقيد” الذي يحدد سعر صرف ثابت للدولار، يحاول الحفاظ عليه بسد حاجة السوق من العملة الصعبة، لكن مسؤولين في البنك يؤكدون ان الاخير يخضع للمتغيرات الاقتصادية وحركة السوق، مشيراً الى ان احتياطي العراق النقدي يغطي احتياجات القطاع الخاص من العملة الصعبة، وكذلك الكتلة النقدية للدينار العراقي بنسبة 160 بالمئة.

وأوضح العادلي “أن هناك ثلاث طرق تتعامل بها البنوك المركزية مع العملة الصعبة؛ أولها يصطلح عليها بـ”العامل المقيد” التي يعتمدها المركزي العراقي، والتي تتضمن تحديد سعر صرف ثابت للدولار، وضخ الدولار إلى السوق للمحافظة على ثبات السعر السوقي للعملات المتداولة.

اما الطريقة الثانية وتسمى “التعويم”، فيوضح العادلي انها “تقضي بجعل السوق هو المتحكم بسعر الصرف”، مبينا ان “هذه الطريقة تشكل خطراً على اسعار الصرف، كونها تعرض الدينار العراقي الى الانهيار”.
وتتضمن الطريقة الثالثة وهي “التعويم المدار”، أو المقيد، بحسب العادلي “تحديد سعر معين للدولار، وآخر يمثل حدا اقصى له، لتترك تلك العملة تعوم بين هذين السعرين”.

وتابع الخبير المصرفي أنه في حال تجاوزت اسعار الصرف الحد الاقصى يقوم البنك المركزي بضخ كميات من الدولار حسب حاجة السوق المحلية، مشيرا الى انه اقترح على البنك المركزي والحكومة اعتماد هذه الطريقة “كونها الافضل، ومعتمدة في اغلب دول العالم”.

من جانب آخر رأى المراقب لسوق المال ومزاد البنك المركزي العراقي حميد سليم “أن البنك يحاول الحفاظ على استقرار أسعار الصرف”، مشيرا الى ان سياسته النقدية وتعليماته “تتغير وفقا للظروف الاقتصادية التي يمر بها البلد”.

وتشهد أسعارُ النفط العالمية منذ منتصف العام الماضي انخفاضاً مستمراً، بسبب لجوء بعض الدول الى زيادة معروضها مقابل قلة الطلب عليه.

ويقول سليم وهو مختص مراقب لشؤون السياسة المالية في العراق “إن احتياطي البنك النقدي انخفض الى 60 مليار دولار بسبب تراجع اسعار الخام، لكنه طمأن بأن هذا الانخفاض لا يهدد بانهيار العملة المحلية ، كونه يسد 160 بالمئة من الكتلة النقدية للدينار العراقي”.

وكان محافظ البنك المركزي علي العلاق قد هوّن في وقت سابق من المخاوف التي تقول إن استمرار الهبوط سيضغط على الدينار العراقي الذي يبيعه “البنك المركزي” للمصارف والمتعاملين الحاصلين على تراخيص بسعر ثابت 1166 ديناراً للدولار.

وقال “إذا نظرنا إلى الأسواق في هذه الأيام، سنرى أن السعر مستقر جداً، ومعقول للغاية”.

وكانت العملة المحلية هوت إلى حوالي 1400 دينار للدولار في السوق الموازية في منتصف حزيران الماضي من 1228 قبلها بأسبوع.

وضمن مساعي الحكومة الى سد عجز الموازنة، سوّقت بغداد أول إصدار لها من السندات الدولية في تسع سنوات في أوروبا والولايات المتحدة الأسبوع الحالي.

وتؤمل الحكومة جمع ستة مليارات دولار من تلك الإصدارات الدولارية، لكن العلاق قال إن المرحلة الأولى ستكون لجمع ملياري دولار، وتوقع أن يتجاوز سعر الفائدة ثمانية في المئة بسبب المخاوف الأمنية.

وتخطط بغداد أيضاً إلى إصدار محلي لسندات بقيمة خمسة مليارات دولار، بدءاً من الربع الأخير للعام الحالي.

تأثير التعويم:-
من شأن تعويم الدينار أن يقلل الضغط على البنك المركزي فيما يتعلق بحجم احتياطيات العملة الأجنبية فيه، لكن هذا العامل في الاقتصاد الكلي ليس مهما كثيراً، وإنما الأهم أن انخفاض قيمة العملة الوطنية نتيجة التعويم سيؤدي إلى زيادة الصادرات.

فالمنتجات العراقية ستصبح أرخص كثيراً في الأسواق الخارجية (لأن الدينار العراقي انخفضت قيمته كثيرا مقابل الدولار واليورو وغيرهما) ومن ثم تصبح أكثر تنافسية.

في المقابل ستصبح الواردات أغلى كثيراً، ومن ثم سيصعب على العراقيين شراء الكثير من السلع المستوردة لارتفاع أسعارها بشدة وهذا بالتالي سيزيد من استهلاك السلع المحلية، ويزيد من النشاط الاقتصادي الداخلي.

لكن اختلال ميزان الصادرات والواردات يؤدي غالباً إلى ما يسمى “تضاعف الطلب الجمعي”، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع معدلات التضخم، وذلك طبعاً بالحسابات النظرية وفق “كتب الاقتصاد”.

لكن يضاف لذلك أن نسبة “الاقتصاد الموازي” (أي ما هو خارج الكتاب) في مصر تكاد تساوي نسبة الاقتصاد الرسمي، ما يعني أن معدلات التضخم الحقيقية ستكون أعلى بكثير مما يسببه تضاعف الطلب الجمعي، وقد يعني ذلك مزيدا من الإفقار للطبقات الفقيرة بالفعل في المجتمع.

أشكال التعويم:-
إما أن يكون التعويم خالصاً أو يكون مُوجَّها:
– التعويم الخالص: يتم ترك تحديد سعر الصرف لقوى السوق وآلية العرض والطلب بشكل كامل، وتمتنع الدولة عن أي تدخل مباشر أو غير مباشر.

– التعويم المُوجَّه: يتم ترك تحديد سعر الصرف لقوى السوق وآلية العرض والطلب، لكن الدولة تتدخل (عبر مصرفها المركزي) حسب الحاجة من أجل توجيه أسعار الصرف في اتجاهات معينة من خلال التأثير في حجم العرض أو الطلب على العملات الأجنبية.

أنصار التعويم:-
لطالما دافع منظرو المدرسة النقدية في الاقتصاد (ميلتون فريدمان نموذجا) عن تعويم العملات، زاعمين أن تحرير أسعار الصرف سيجعلها تعكس الأساسيات الاقتصادية لمختلف البلدان (النمو، الرصيد التجاري، التضخم، أسعار الفائدة)، وسيقود ذلك بالتالي إلى إعادة التوازن للعلاقات التجارية وحسابات المعاملات الجارية باستمرار وبشكل آلي.

ويرى هؤلاء الاقتصاديون، على غرار التيار الكلاسيكي الجديد في الاقتصاد، أن تحرير جميع الأسعار -أسعار السلع والخدمات، أسعار الفائدة، أسعار العمل (الأجور)، أسعار النقد الأجنبي (أسعار الصرف) -وترك تحديدها للأسواق من دون أي تدخل أو توجيه من الدولة، يضمن دائما الوصول إلى حالة التوازن.

وينبع ذلك من إيمانهم الأعمى بكفاءة الأسواق، بالرغم من أن الواقع الاقتصادي أثبت غير مرة أن الأسواق في غياب الرقابة والضبط تقود إلى الكوارث (أزمة الرهن العقارية في الولايات المتحدة نموذجا).

ويبرر هؤلاء اقتناعهم بتعويم العملة قائلين إن أي عجز تجاري سيؤدي إلى طلب مكثف على العملات الأجنبية، مما سيؤدي إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، وبالتالي إلى تعزيز القدرة التنافسية للبلد المعني.

وهذا كفيل، حسب قولهم، بزيادة الصادرات والحد من الواردات، فيعتدل بذلك عجز الميزان التجاري ويعود إلى حالة التوازن. والمنطق نفسه يعمل في اتجاه عكسي في حال وجود فائض تجاري.

وقد رحب أنصار التعويم كثيرا بتبني الاقتصادات الكبرى في العالم لأنظمة أسعار الصرف العائمة (المرنة)، بعد انهيار اتفاقية بريتون وودز في سبعينيات القرن الماضي، التي كانت قد أرست من قبل منظومة نقد دولية تقوم على أسعار صرف ثابتة (لكنها قابلة للتعديل) بين العملات.

خيبة أمل
بعد عدة عقود من اعتماد أنظمة أسعار الصرف العائمة وتعميمها على عدد كبير من بلدان العالم (بما في ذلك البلدان النامية)، لم ينجز تعويم العملة وعوده بإعادة التوازن إلى الموازين التجارية للعالم، ولم تتحقق آمال أنصاره.

فأسعار الصرف الجارية ابتعدت كثيرا عن المستوى المفترض أنه يقود إلى التوازن، وأكبر شاهد على ذلك هو حجم الاختلالات العالمية (Global Imbalances) التي وصلت إلى مستويات قياسية ولا تزال عصية على المعالجة.

فالولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية إضافة إلى بلدان نامية عديدة تعرف حالة عجز تجاري هيكلي منذ عدة عقود، وفي المقابل تعرف الصين وألمانيا واليابان والدول المصدرة للنفط فائضا تجاريا هيكليا.

وبدلا من أن يضمن تعويم العملات إعادة التوازن للعلاقات التجارية الدولية، عرف العالم حالة من عدم الاستقرار النقدي بسبب التقلبات المستمرة لأسعار الصرف ومعدلات تغيرها الكبيرة، التي لا تخضع أحيانا لأي منطق عقلاني بسبب العوامل النفسية التي تؤطر حركة المضاربين العالميين.

يعادل تعويم العملة ما يمكن ان نسميه نظام معدل الصرف الحر Free or flexible exchange rate system، وهو نظام بمقتضاه يقوم البنك المركزي للدولة بترك معدل صرف (تبادل) عملته المحلية (الدينار) بالعملة الأجنبية (الدولار) يتحدد وفقا لاتجاهات الطلب والعرض على الدولار، فإذا ما ازداد الطلب على الدولار في سوق النقد الأجنبي (سوق الدولار)، فإن معدل صرف الدولار يميل نحو الارتفاع، وإذا ما انخفض الطلب على الدولار فإن معدل صرفه يميل نحو الانخفاض.

معنى ذلك ان معدل صرف الدولار سوف يخضع لموجات الطلب عليه والعرض منه، ولذلك أطلق على هذا النظام تعويم العملة Floating، أي ترك قيمة العملة عائمة ترتفع وتنخفض مع موجات الطلب والعرض.

وانه من غير المفضل اتباع سياسة تعويم العملة في الاقتصادات الضعيفة أو غير المستقرة وذلك بسبب عدم تكافؤ المنافسة بين العملة المحلية والعملات الأجنبية في السوق كما أن ضعف البنية الصناعية وعدم توافر السلع القابلة للتصدير وتوفير العملات الاجنبية يزيد من تعقيد المسألة.انتهى

مقالات ذات صله