9 نيسان … التغيير الديمقراطي في العراق والتخلص من رواسب الدكتاتورية

بغداد_فاطمة عدنان

بعد مرور 14 سنة على سقوط النظام السابق واحتلال بغداد من قبل الاميركيين ما زالت ذاكرة العراقيين طرية، وهم يستذكرون يوم التاسع من نيسان عام 2003، عندما دخلت القوات الاميركية الى بغداد، وفرضت سيطرتها عليها، إن إطلاق صفة “المحتل” على القوات الأميركية والأجنبية التي وصلت الى العاصمة بغداد ومن قبل مجلس الأمن والأمم المتحدة لأسباب قانونية طبقاً للقرارات الأممية المتبعة في مثل هذه الحالات، لا يلغي حقيقة الدور الذي أدته في استئصال سلطة الطغيان وكل ما يتعلق به من مؤسسات وتشريعات قمعية، لتسنح الفرصة مجدداً للعراقيين كي يتعرفوا على ما اغتربوا عنه طويلاً، أي الحرية وقيمها المناصرة لكرامة الإنسان والأوطان.

يذكر أن اميركا وبريطانيا وحلفاءهما بدأوا في 19 اذار 2003 شن اولى غاراتهم على العراق، إذ كانت عبارة عن محاولات لقتل رئيس النظام المباد، واستمر الحال إلى 21 اذار، بدأت ما يقارب من 1700 طلعة جوية عسكرية، القت 504 من صواريخ كروز، وتم غزو بغداد بعد ثلاثة ايام مما عرف لاحقا بـ “معركة المطار”.

لقد كان الشعب يخشى الخروج بعد ان وصلت الدبابات والمدرعات الاميركية الى حيّنا، لانهم كانوا يتوقعون ان يتكرر سيناريو عام 1991 عندما انتهت الحرب من دون إسقاط النظام آنذاك.. وما ان أُعلن سقوط النظام حتى خرج الاهالي ليشاهدوا ما يحصل، لكن الخوف من عودة النظام كان لا يزال يتملّك البعض، وسرعان ماخرج الاهالي بكل فرح عندما علموا بسقوط النظام ولكنهم في الحقيقة جهلوا ما يمكن ان يخبئ لهم هذا السقوط من مشهد سياسي جديد .

 

فبعد 14 سنة لم تشرق شمس الاستقرار المجتمعي، حيث القتل بات عنوانا للأخبار وسلوكا شخصيا لدى أغلب المسؤولين، وكأنهم تأثروا حد “الهلوسة” بعقلية الاحتلال و خططه التدميرية، منذ أيام نيسان الأولى من عام 2003 يوم دمرت قوات الاحتلال الأميركية هوية الدولة العراقية واستباحت سيادة البلاد والعباد قبل أن تنهي المعركة بانتخابات مشكوك بأرقامها، سيما وأن الجميع لم يترب على الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة لأنهم اقحموا باللعبة بقوة سلاح الاحتلال لا النضال.

 

لايوجد شيء في العالم اعظم من نهاية الظالمين لدى الفئات المظلومة،ففي يوم الانتقام الالهي الموعود،تفتح ابواب الحرية من جديد على مصراعيها، وتغلق ابواب السجون هذه المرة على الظالمين واعوانهم،وكما قيل يوم المظلوم على الظالم اشد واقسى.

 

وهنا تكون الولادة الحقيقية من جديد للمظلومين الذين حالفهم الحظ بالاستمرار في الحياة، وتكون مصاحبة لها الحرية والكرامة الانسانية التي من الشروط الرئيسية للعيش في هذا العالم والتي عادت الى كل انسان مقهور.

 

وبين كل تلك التنوعات للمسميات يبقى التاسع من نيسان نقطة تحول كبير ومهم في تاريخ العراق المعاصر. حيث التحول الكبير لإدارة الدولة العراقية من قبل أفراد …أو بالأحرى من فرد واحد متغطرس الى منظومة مؤسسات وسلطات متنوعة ومستقلة ودستور روج له وثقف المواطن لكي يصوت عليه…مع كل التحفظات على السلبيات. يبقى هذا اليوم يوم تحول كبير ومهم في ذات الإنسان العراقي لبناء دولة حديثة لكي يلحق ركب العصر وتطوراته.

اليوم مع كل المخاطر التي مرت على العراقيين من قبيل التفجيرات وقتل عشرات الآلاف من الأبرياء وتهجير الملايين داخل العراق وخارجه…وكل أنواع الفساد …يبقى هذا اليوم نقطة تحول لكي يرتقي العراقي الى المسؤولية من أجل بناء دولته المعاصرة والمتطورة.

اليوم يملك العراقي الحرية (وإن كانت بقيود) تمكنه من الاعتراض والتصدي لأي قرار لا يتناسب وتطلعاته وحقوقه…مازال العراقي يكافح من أجل نيل حقوقه الطبيعية…والذي بدأ المطالبة بحقوقه المكتسبة…إن العراقي اليوم مدعو لكي يتفاعل بقوة من أجل أن يكون مشاركاً حقيقياً لبناء دولته…المستند الى القانون لكي يبقى القانون فوق الكل ومن أجل الجميع.

 

وعلى الرغم  من مرور كل تلك السنوات فإن تداعيات ذلك التغيير مازالت تلقي بظلالها الثقيلة على المرحلة الحالية حيث يخوض العراق اشرس حرب ضد العنف و”الإرهاب” المتمثل بتنظيم “داعش”، الذي استطاع على حين غرة أن يجتاح عدداً من مدن البلاد ويفرض سيطرته واحكامه المتشددة على سكانها كما هو الحال في الموصل والفلوجة.

 

لقد بقي العراق بعيداً عن الأمن والسلام والاستقرار الذي انتظره طويلاً. من سوء حظ العراق والعراقيين أن يحصلوا على مثل هذه المنحة التأريخية المفاجئة بدخول داعش الارهابي الى بعض محافظات العراق، ومقاليد أمورهم اصبحت بيد نوع ممن يفتقر الى الشجاعة والحكمة والوعي العميق بمثل هذه الفرص التي لا تمنحها الأقدار دائماً؛ لنسدد برفقة حماقاتهم كماً هائلاً من الفواتير القاسية بشرياً ومادياً.

 

بعد هذا العذاب وكل ما رآه المواطن العراقي , بقي صامدا وقويا اما جميع العقبات التي واجهته والتي ستواجهه في المستقبل واكبر دليل على هذا الكلام النصر الذي قدمه ابناء العراق بكل فئاته وبكل قومياته و بكل اعماره من شماله الى جنوبه, حيث تمتزج في هذا اليوم ذكريات العراقيين مع امنياتهم ودعواتهم بأن يتمكن العراق من تجاوز مرحلة “داعش” كما تجاوز العراق مرجلة النظام المباد، وأن يستعيد السيطرة على كامل التراب العراقي وإعادة أكثر من مليوني نازح ومهجر بسبب العنف والعمليات العسكرية التي تشهدها مدنهم منذ اشهر.

 

مقالات ذات صله