يكفي ضغوطاً … معاناة المطلقة بين عبء اجتماعي وقسوة أهلها

بغداد_ متابعة

ما كانت تنتظره “ريم” أثناء عودتها من رحلة زواج فاشلة هو أن تلجأ إلى بيت أهلها، بعد معاناة وحياة مليئة بالمشاكل والمتاعب، والتي قررت أن يكون الحل النهائي فيها “الطلاق”، وسعت “ريم” أن يتقبل أهلها الأمر الواقع ويستقبلوا ابنتهم بمحبة وعناية ورحمة، رغم قسوة حكم العادات وبعض التقاليد في مجتمعها، إلاّ أنّهم زادوا معاناتها، واصبحوا ينظرون إليها ك”مذنبة”، وحاولوا أن يعيدوها إلى كنف زوجها -أكثر من مرة-، ولكن دون جدوى، كما أنّهم -حسب قولها- لا علم لهم بما يعترضها من مشكلات، لكنّهم على كل حال يفضلون بقاءها مع زوجها على أن تكون مطلقة، وهذا مادفعهم دوماً إلى تكرار “إصبري إلين يجي الفرج”، مطلقين الوعود بإيجاد الحلول والسعي لإنهاء المشكلات التي تعاني منها، وعدم تنفيذهم لأيٍ منها يثبت أنّ وعودهم ليست سوى حقن مهدئة خوفاً من هاجس “المطلقات”؛ مما زاد من معاناتها وضاعفها، حتى أتُهمت بالتقصير المخلّ في حق زوجها، وحُملت مسؤولية فشل الزواج!.

وعلى الرغم من الإحصائيات التي تشير إلى أنّ الرجل هو السبب -غالباً- في كثير من حالات الطلاق، وأنّ المرأة لا تطلب الطلاق عادة سوى عند فقدان الأمل في الإصلاح، إلاّ أنّ نظرة المجتمع الشرقي إلى المطلّقة لا تزال سلبية وفيها قدحٌ كبير، وأصبحت محكومة بنظرة اجتماعية بعيدة عن عين الإنصاف، فبدلاً من كونها ضحية لعلاقة زوجية غير متكافئة توجه إليها أصابع الاتهام ودعاوى التقصير، على عكس الرجل المطلّق الذي يتمتع بصورة حسنة ويعد مقبولاً في المجتمع، فهذا الحكم الجائر يحرمها من فرصة اختيار شريك العمر مرة أخرى، ويضعها -دائماً- في دائرة الشكّ ومحل اتهام غير مبرر، على اعتبار أنّها ساهمت في انهيار بيتها وتشتيت أسرتها، وبالتالي فهي غير جديرةٌ بالثقة، ولا تستحق فرصةً أخرى!، متناسين الوضع الذي عايشته، والحياة التي قاستها، والظروف التي ساهمت في اتجاهها لأبغض الحلال عند الله -الطلاق-، ويتجاهلون أيضاً احتمال أن يكون الزوج هو من أوقع عليها اليمين من دون أيّ مبرر حقيقي.

“لم أبرح غرفتي منذ أن لازمني وصف المطلقة، وصار لهذه الكلمة معاني بغيضة وجارحة في نفسي، ومجتمعي أصابني بالإحباط” هذا ما قالته “أم بشرى” التي عانت كثيراً بعد طلاقها، وكانت أحوج إلى الحنان لمساعدتها على تخطي متاعبها وأوجاعها النفسية التي سببها الإنفصال، إلاّ أنّ مجتمعها القريب كان أشدُّ قسوة من الحياة التي أجبرتها على اتخاذ قرار “الطلاق”، خصوصاً بوجود الأطفال، فمعاملة أهلها القاسية وظروفها النفسية أجبرتها على اعتزال الاجتماعات والأفراح والمجالس العائلية، حتى بقيت بمنأى عن رؤية الناس التي تراها بعين الرأفة والرحمة تارة وأخرى بعين التشكيك والازدراء.

إنّ المتأمل في واقع الأمر لا يمكنه إنكار النظرة السلبيّة للمرأة المطلقة، فما إن تتخلص المرأة من مشاكل الزوج ومتاعبه، حتى تدخل في دائرة المنزل الذي خرجت منه تحت سلطة الوالدين، وسيطرة الأخ ووصاية العائلة عليها، ويظل الشك يحيطها في كل لفتة وسهوة؛ مما يدل على ثقافة المجتمع السلبية.

ويبقى دور الأهل في التقليل والتخفيف من هذه المعاناة، من خلال مساندة المطلقة معنوياً ومادياً، وإحتوائها نفسيا وعاطفياً، حتى تتمكن من إعادة ترتيب أوراقها، وهو الأساس الذي تحتاجه لتنهض من جديد، إضافةً إلى ضرورة تفهم الوالدين والأسرة لابنتهم المطلقة، ومعاونتها لتعيد صياغة حياتها من خلال الدراسة أو العمل، فالدعم النفسي والمجتمعي هو أول ما تبحث عنه المطلقة بعد فشل حياتها الزوجية، فهذا هو السبيل الوحيد للخروج من حالة اليأس والإحباط، والحزن الشديد الذي قد يدفع بعضهن إلى الزواج بأول رجل يطرق الباب.

وعلى الرغم من ذلك كله أصبحت المرأة المطلقة اليوم هي المكافحة التي تسعى لكسب رزق أطفالها، في ظل الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تعيشها، فهي الأب والأم معاً، فقد أصبحت أقوى من ذي قبل، وذلك من خلال خروجها للعمل وبدء حياة جديدة بكل ثقة، فلم يبق الرجل همّها الأول في التفكير، وحتى في حالة زواجها للمرة الثانية ستكون أكثر وعياً وحذراً بسبب تجربتها السابقة، فقد أصبح على المرأة أن تتولى مهمة دعم نفسها بنفسها، حيث يمكنها أن تبدأ بخلق مكانةٍ في مجتمعها، والخروج من عنق الزجاجة، والإقبال على الحياة من جديد دون قلقٍ وإحباط.

 

بعد الطلاق، وبعد أن تهدأ النفوس بعامل الفراق وعامل الزمن تبحث الزوجة عن رفيق جديد للحياة وتصدمها الحقيقة المُّرة وهي أن الرجال بمعظمهم في عالمنا الشرقي غير مستعدين أن يتزوجوا امرأة لم تستطع في تجربتها الأولى أن تكسب ودَّ زوجها فيحتفظ بها، فطلقها، أو أصرت هي على الطلاق.

وتصدمها الحقيقة الثانية وهي مشكلة الأولاد فمن من النساء من ترضى أن تتخلى عن أولادها وتخدم أولاداً غير أولادها إن هي تزوجت رجلاً أرمل أو مطلقًا مثلها ، فقد لن يتمكن من سد حاجيات أطفاله وأطفالها معاً ، بالإضافة إلى غيرته من هؤلاء الأطفال كلما رآهم ، لأنهم يذكِّرونه دائماً بأن أمهم كانت لرجل قبله.

وتصدمها الحقيقة الثالثة وهي أن أهل المطلقة نفسها ومحيطها لا يقبلون لها حياة العزوبية للاستقرار أولاً وخشية كلام الناس ثانيًا، فالمرأة المطلقة لا مكان لها وبخاصة إذا كانت شابة جميلة، ذلك أن المجتمع ربَّى المرأة على فكرة ثابتة وهي أن الجمال الجسماني هو كنزها، فتحول جسدها إلى إطار ذهني وأصبح الشغل الشاغل للرجل جمال المرأة ، لذا يسارعون في تزويجها قبل أن تلتئم جراحاتها النفسية وفي كثير من الأحيان يجبرونها على ذلك.

وفي الإطار نفسه ، لا يمكننا تجاهل الحقيقة الدامغة وهي أن الأطفال هم أولى ضحايا الطلاق لأنهم يفقدون بفسخ الرابط الأسري بين أبويهم معاني الإحساس بالأمن والحماية والاستقرار، ليصبحوا فريسة صراعات بين والديهم حول تبعيتهم التي قد تتجاوز حدود المعقول ، حيث يتسابق كل منهما ليكسب الطفل إلى جانبه، ولو أدى ذلك إلى استخدام الوسائل الجذابة كالرشوة أو التجسس أو تشويه صورة الآخر.

هنا تتحطم الصورة المتوازية لتركيبة الزوجين في ذهنية الطفل، الأمر الذي يجعله يفقد الثقة بالاثنين معاً، وقد يضيق ذرعاً بهذا الوسط الذي يعيش فيه محكوماً بخبرات سيئة؛ فيبدأ في البحث عن وسط جديد علّه يجد فيه تعويضاً عمَّا فقده من حب وحنان، مما يعرضه أحياناً إلى رفاق السوء الذين يقودونه إلى عالم الانحراف.

بالواقع أن خطورة موضوع الطلاق تكمن حينما يُفهم على أنه لعبة يلهو بها الرجل، وأن الحياة الزوجية لا قداسة لها ولا احترام، فيخرج الطلاق عن الغرض الذي أباحه بسببه الله عز وجل، واعتبره أبغض الحلال، فالله تعالى يريد للحياة الزوجية دواماً واستقراراً، ولكن بشرط أن يكون ذلك محققاً لقدر من السعادة تسير الأسرة في ركابه.

ولكن عندما يعني استمرار الحياة الزوجية تدميراً لسعادتها، وعندما تنقطع كل رابطة مقدسة، وتُسْتَنفد كل سبل الإصلاح يصبح أبغض ما أحل الله هو الحل؛ تماماً كالطبيب لا يلجأ إلى إجراء عملية جراحية إلا عند الضرورة القصوى.

فلا يجوز للرجل أن يهدد زوجته كلما تعكَّر الجو بينهما: أنتِ طالق!! ولا أن تهدد المرأة زوجها كلما لاحت بادرة خلاف: طلِّقني!! فذلك خروج عن جادة الصواب ، لأن الطلاق لم يُشْرَع ليتلهى به اللاهون، ويعبث به العابثون، وإنما بعد استنفاد جميع وسائل التفاهم والإصلاح والعتاب، وبعد تدخل الحكام لإصلاح ذات البين من أهل الزوج أو الزوجة، وإلا فإلى دفتر المأذون ليفكَّ عرى ما وُثِّق.

فيا أيها الزوج والأب لا تتلفظ بأبغض الحلال عند الله، إلا إذا تعذر لك العيش مع زوجتك وأسرتك، وإلا تكون قد هدمت بيتك بيديك وشردت أطفالاً لا ذنب لهم إلا أنهم أطفالك. وأنت يا أيتها الزوجة والأم لا.. لا تطلبيها: طلِّقني .. إلا إذا تعذر عيشك مع زوجك، وإلا تكون قد شردت أطفالك لتعيشي في مجتمع لا يرحم. فالطلاق حلال لكنه أبغض الحلال.

وزيارة قصيرة إلى إحدى المحاكم الشرعية لنرى بأم أعيننا المآسي والمآسي العائلية التي تتجاوز العشرات كل يوم والمطروحة على المحاكم، ولتجعلنا نفكر بعمق قبل أن نلجأ إلى هذا الحل.

ولكن إن وقع الطلاق بعد استنفاذ كافة الحلول الأخرى وأيقن كلا الطرفين عدم إمكانية التعايش وأن وضعهما أصبح لا يطاق ، فلا بأس باللجوء إلى الحل الأخير ، ولكن علينا جميعا أن ندرك أن الطلاق بحالته الصحيحة ليس وصمة عار على جبين المرأة بل قد يكون نهاية سعيدة لحياة شقية ومرهقة.

مقالات ذات صله