وسط غياب الرقابة … مرضى نفسيون بين التشرد واستغلالهم لاغراض نفعية او ارهابية

 

بغداد_ فاطمة عدنان

هي ليس بظاهرة جديدة على الشارع العراقي وانما أصبحت في الآونة الأخيرة بتزايد مستمر ولعل اكثر ما نشاهده كبار السن , أن ظاهرة معاناة المرضى النفسيين المتشردين في الشوارع تعتبر من اخطر الظواهر المنتشرة في الدول العربية خاصة مع غياب الرقابة التي لم نرا لها أي دور اتجاهمم.

حيث أشارت منظمة الصحة العالمية في إحصائية، إلى أن المرضى نفسيا وعقليا يشكلون أكثر من 20 بالمئة من سكان العالم، وثلث البشر مصابون بالقلق، وقد تعدّدت الأسباب التي أدت إلى انتشار المرضى النفسيين في الشوارع ما بين الفقر والضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار، وفشل الكثير من الأسر في توفير احتياجاتهم، بالإضافة إلى انتشار البطالة وفشل الدول في توفير حياة كريمة لمواطنيها الذين من حقهم أن يتمتعوا بدور رعاية يقيمون فيها، ومسكن آمن بدلا من التجول في الشوارع والأرصفة والحدائق.

يعرف المرض النفسي على أنه اضطراب يظهر على هيئة أعراض انفعالية ومعرفية وجسدية مختلفة مجتمعة أو متفرقة. الوضع الذي ينتج عنه تدهور في جوانب متعددة من حياة الإنسان، وهو ينتج عن تداخل عوامل نفسية واجتماعية وأسرية ووراثية، مع تفاوت تأثير كل عامل منها على المريض، والمعروف أنه لا يوجد مرض اسمه “جنون” في تصنيف الأمراض النفسية، فعلى الرغم من كون هذه الكلمة دارجة في المجتمع، إلا أن الأطباء النفسيين لا يفضلون استخدام هذا المصطلح، وقد ألقى المتخصصون المسؤولية وراء ارتفاع نسبة هؤلاء الأشخاص في الشوارع وتزايدهم على عاتق وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية لأن هذه الفئة في المجتمع تحتاج إلى رعاية خاصة واحتواء من قبل الدولة وإعادة تأهيل وتقديم يد العون والمساعدة لها، في ظـل عجـز الكثيـر مـن الأسـر عن استيعاب المصابين وتركهم في الشوارع.

وأكد الدكتور إبراهيم عباس، استشاري الطب النفسي ، أن جرائم المرضى النفسيين في الشوارع تعددت خلال الفترة الأخيرة ما بين قتل وسرقة، لافتا إلى أن هناك بعض الأهالي الذين يرفضون إطلاق ذويهم في الشوارع حتى لا يطلق عليهم لفظ “مجانين”، وهناك من يتخلصون من تحمل مسؤوليتهم من خلال وضعهم في دور رعاية أو مستشفيات أمراض نفسية، ولكن بعد انتهاء المريض من فترة علاجه يرفض الأهالي استلامه، مما يجعل المستشفى يضطر إلى إطلاق سراحه في الشارع، وربما يعود إلى نفس الحالة التي كان عليها من قبل نتيجة العوامل التي يتعرض لها من وجوده بلا مأوى، وقد يعود إلى حالة أسوأ منها.

المريض النفسي له حقوق لا بد أن تتوفر له والجهل بمدى الضرر المترتب على الفرد ذاته والمجتمع يجعل هذه الظاهرة تنتشر

ولفت إلى أن أن المريض النفسي لا يشكل خطورة على المجتمع إلا في حالات نادرة، فالحوادث يتوقع حدوثها من أشخاص طبيعيين وليسوا مرضى نفسيين، حيث أن الشرطة تستقبل العديد من البلاغات من أشخاص طبيعيين كل يوم، ونادرا ما يكون السبب وراء حدوث جريمة شخصا مريضا نفسيا.

وحول استغلال هؤلاء المرضى، نبه إلى أنهم مهددون بالزج بهم في عمليات إجرامية ويصبحون أدوات جريمة، لذلك على الجهات المعنية رعايتهم، وتقديم العلاج المناسب لهم قبل أن يتفشى هذا المرض في المجتمع، ويتحول إلى ظاهرة اجتماعية تكون من الصعب السيطرة عليها.

وأشار إلى أن تأثيرهم على الجريمة يظل محدودا بسبب قلتهم في المجتمع، معتبرا أن الدول العربية هي الأقل في ظاهرة انتشار المرضى النفسيين في الشوارع وذلك وفقا لدراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية في موسكو، والتي وجدت أن نسبة رعاية المرضى النفسيين أكثر في الدول الفقيرة بالمقارنة مع دول مثل الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا.

وأكد أن السبب الأكبر الذي يؤثر على هؤلاء المرضى هو الإدمان على المخدرات وتأثيرها على خلايا المخ، ثم الأسباب الوراثية وتأثير الجينات، ثم تأثير العائلة وأساليب التنشئة التربوية، وهي تعتبر الأقل تأثيرا.

من ناحيته، يوضح الدكتور ناصر عبدالهادي، أستاذ علم الاجتماع ، أن كل فرد في المجتمع معرض للإصابة بأمراض نفسية نتيجة الضغوط التي يتعرض لها في الحياة والقلق المستمر وازدياد المشاكل، مشيرا إلى أهمية العوامل النفسية التي تحيط بالفرد من أجل تحصينه، وهنا تقع المسؤولية بشكل شبه كامل على الأسرة ثم المدرسة، لأن المدرسة لا تستطيع أن تعطي الفرد الرعاية والحماية وتؤهله للتعايش مع المجتمع كما في الأسرة؛ فالمدرسة من شأنها أن تعلم الطفل ما له من حقوق وما عليه من واجبات، لكن هناك وسائل أخرى توفر النمو النفسي السوي للطفل، والتي تتمثل في مراكز رعاية الطفولة والأمومة، وخدمات الإرشاد التربوي والنفسي.

وأكد أن المريض النفسي له حقوق لا بد أن تتوفر له سواء من قبل أسرته، أو الدولة التي يعيش فيها، مشيرا إلى أن الجهل في مدى الضرر المترتب على الفرد ذاته والمجتمع يجعل هذه الظاهرة تنتشر بصورة أكبر مع كثرة الضغوط التي يتعرض لها في المجتمع؛ فالمريض النفسي لم يخلق لكي يعيش في الشارع ووجوده يخل بالأمن ويخلق نوعا من التوتر في المجتمع.

 

وعن كيفية التعامل مع هؤلاء المرضى، يشير عبد الهادي إلى أهمية التعامل مع مشكلة المرضى النفسيين بطريقة سليمة من خلال خطط مقننة من قبل الجهات المعنية، وتقبل المريض النفسي ومعرفة كيفية التعامل معه وسط أفراد المجتمع، فهو غالبا ما يتميز بالخوف، ولا يمتاز بالعدوانية إلا في حالات نادرة من مدمني المخدرات.

مؤكدا أن المسؤولية مشتركة بين الأسرة والمجتمع، فمن واجب الأسرة الذهاب بالفرد المريض إلى الأطباء ودور الرعاية المتخصصة للعلاج حتى الشفاء وعدم تركه في الشوارع، وعلى الدولة القيام بإحصائية لهؤلاء المرضى وإعادة تأهيلهم نفسيا، لافتا إلى أن رعاية المرضى النفسيين ليست مهمة سهلة، لذلك يشعر الأهالي بالصدمة والإحباط لمجرد اكتشافهم أن أبناءهم يعانون من أمراض نفسية.

هذا و أصبحت مشكلة المرضى النفسيين التائهين في الشوارع من المشاكل التي تتفاقم كل يوم، فلا يخلو شارع من رجل أو امرأة يتجولان بملابس ممزقة وهيئة غير لائقة، وعليهما علامات الفقر والبؤس والخلل العقلي، وهو ما أرجعه خبراء علم الاجتماع إلى إهمال الأسر والمجتمع لهؤلاء المرضى، وعدم تقبلهم لهم ولمرضهم، بالإضافة إلى رفض الدولة والمجتمع القيام بدورهما تجاه رعاية واستيعاب هؤلاء المرضى , ولم تحظَ فئة المرضى النفسيين منذ الصغر بالرعاية الكافية من الأهل، بل إنها قابلت رفضا من قبلهم، ومن المجتمع بشكل عام، مما جعل هؤلاء المرضى عرضة للخطر والاستغلال وتعرضهم لحالات اغتصاب وعمليات التجارة بالأعضاء، وغيرها من المساوئ التي يتعرضون إليها، بالإضافة إلى تعديهم على المارة في الشوارع، مما يثير الكثير من الرعب والقلق في نفوس الأفراد.

مقالات ذات صله