وسط جفاء الابناء..كبار السن بين إثبات الوجود أو الاستلام لظروف الحياة الصعبة

بغداد_متابعة

لم يعرف “أبو محمود” الذي دخل عقده السابع من العمر، كيف اشتعل رأسه شيبا على حين غرة وهو يقاسي من الظروف المعيشية الصعبة التي أثقلت كاهله ولم تسمح له أن يقضي السنوات المتبقية من عمره شأنه شأن أقرانه الذين يعيشون أجواء الراحة مع أبنائهم الذين رفعوا عنهم كاهل العمل والمسؤولية.

وجد “أبو محمود” نفسه مسؤولا بالرغم من كبر سنه، عن أسرة تتكون من خمسة صغار وزوجة. ومما زاد من حجم معاناته إن الله ابتلاه بابن مقعد، ثم زاده ابتلاء بعد ذلك بأن يتوفى زوج أبنته، ليكون اثر ذلك مسؤولا عن توفير مستلزمات المعيشة لكل هؤلاء.

“71 عاما” من العمر، قضى “أبو محمود” الثلثين الكبيرين منه بالعمل الشاق، بحر الصيف اللاهب وبرد الشتاء القارس، يبدأ يومه بعد فرض صلاة الصبح الذي اعتاد على إن يؤديه في وقته، ويستمر مسلسل كده ومعاناته حتى مساء اليوم، ليزيد عمله من المعاناة التي تأبى إن تترك “ابا محمود”، معاناة عندما أوجزها فقال انها معاناة  امراض السكر وارتفاع ضغط الدم والتهاب المفاصل.

وبالرغم من معاناة “ابي محمود” المعيشية والصحية او الجسدية، إلا انه لم يحمّل أي جهة أو مسؤول أية مسؤولية، مكتفيا بالقول إن متطلبات حياته مع أسرته المعيشية فاقت جهده ومقدرته على توفيرها، لذا وجد نفسه مضطرا على عمله في “العمالة” البناء وخاصة إن راتبه التقاعدي لم يعد يفي لتوفير مستلزمات الحياة.

أما الرجل السبعيني “أبو خيري” فأنه منذ زمن الحصار الاقتصادي إبان الحكم الصدامي البائد، وحتى الآن لم يفارق “البسطية” المكان المتواضع الخاص به قرب عمارة سيد نور الذي اتخذه للمتاجرة ببعض الحاجيات البسيطة.

يقول “ابو خيري” إنه لم يبرح مكانه طيلة تلك الفترة لا في الصيف ولا في الشتاء، وهو يعاني من صعوبة ظروف معيشته بالرغم من كبر سنه، التي لم تعد تعينه على العمل مثل السابق.

مضيفا انه استبشر خيرا بعد تغيير النظام السابق، وكان كله امل إن يكون مشمولا بقانون شبكة الرعاية الاجتماعية ليحصل على راتب متواضع إن لم يكفيه ليترك عمله في هذه “البسطية” بشكل نهائي فانه يساعده على سد بعض من مستلزمات معيشة أسرته.

فيما تجلس “ام حيدر” بالرغم من دخولها العقد السادس، في الشارع مفترشة أرضية السوق، لتتخذ من “بسطية” وسيلة لبيع بعض البسكويت وما شابه، لتعين بذلك نفسها مع ابنة أختها التي تبنتها هذا غير امها ابتلاها الله بالمرض فأصبحت مقعدة.

ويكاد يكون عدم الشمول بقانون شبكة الرعاية الاجتماعية، هو القاسم المشترك بين “ام حيدر” و”ابو خيري” مما جعلها مضطرة على هذا العمل الذي لا تجني منه من ارباح سوى مبلغ زهيد، لا يتكافئ مع المعاناة التي تواجهها “ام خيري” بسبب حر الصيف وشمه اللاهبة وبرد الشتاء ومطره.

ويرى الباحث النفسي محمد سعيد جبير إن في عمل كبار السن ثمة سلبية وايجابية في الوقت نفسه. مصنفا إن هذه الاثار السلبية والايجابية تعتمد على المسن نفسه.

وقال اذا كان السن مضطرا على الخروج الى العمل قد يؤدي ذلك الى زيادة حالات الانفعال النفسي في تعاملاته اليومية مع اسرته والمجتمع وقد يقود الكآبة الى مصاحبته له اثناء تأديته عمله.

واضاف جبير اما النوع الثاني من الاثار فهو الايجابي، فعمل المسن في هذه الحالة قد يسهم بصورة ايجابية عندما يعاني من الوحدة والعزلة النفسية وبعض من صور التهميش النسبي من اسرته او المجتمع.

موضحا إن الإحساس الأخير يقود المسن الى محاولة إثبات وجوده وانه ما زال مؤثرا بحيث يحتاجه الآخرون كما هو بحاجة اليهم وليس عالة على الأسرة او المجتمع، وهذا الاحساس او الدافع يعتبر نقطة ايجابية جدا تجعل من المسن مصرا على العمل بل انه يبدع فيه كما نشاهد ذلك في كثير من الصور والمشاهد التي شهدناها.

ورغم قسوة الحياة وظروف المعيشة  يعيش كبار السن  بين جفاء الابناء واهمال المجتمع , يقول الحاج ابو حاتم (82عاما) خرجت من هذه الدنيا بأبن واحد وثلاث بنات وزوجة وبيت متواضع، أما البنات فقد تزوجن وانشغلن بحياتهن واما الولد فقد ذهب في الحرب مع ايران ولم يعد لحد الان.

ويضيف، بقيت لوحدي مع زوجتي العجوز وقد تدهورت صحتي ورغم مساعدة بعض أقاربي لي في ظروف معينة، لكن أضطررت لبيع نصف بيتي المتواضع واوشك المال على النفاذ ولا أدري ماذا سافعل اذا أطال الله فيعمري.

ويستدرك ابو حاتم، هناك من يقول أن ولدي أسير وهناك من يدعي بأنه قتل في معركة شط العرب، وأشاعه تقول بأنه أحترق ولم يتعرف عليه أحد، لا أدري لكنه لم يعد.

ويتابع، علما باني ذهبت الى دائرة الرعايه الاجتماعية، فيقولوا لي لا يحق لك أن تتقاضى راتب، لأنك تستلم راتب أبنك المفقود تصورهل يكفي راتب كل ثلاثة أشهر، لي ولزوجتي وزوجة ابني المفقود وأبناءه جميعا.

الحاج ابو علي (77عاما)، له قصة غريبة لكنها تتكرر دائما فهو يقول، اني رجل قد رزقني الله ثروة كبيرة وثلاثة أبناء وعندما كبر ابنائي أخذوا يديرون عملي، لكنهم أتفقوا على تقاسم اموالي وانا على قيد الحياة.

ويضيف، صحيح انهم انهم لا يعملون أي شيء الا بموافقتي، لكن بمرور الوقت أخذ كل واحد نصيبه من الاموال وزوجته وابناءه، وذهبوا ولم أعد أراهم الا في المناسبات.

ويختتم ابو علي، في آخر مرة دخلت المستشفى لم يهتم بي أحد منهم، بل جاءوا مثلما جاء الجيران والغرباء.

اما الحاج ابو عقيل (65عاما) له حالة خاصة فقد سيق الى جبهات القتال مع ايران ، فوقع في الاسر وظل أسير لمدة خمسة عشر عاما وعندما عاد الى وطنه وجد نفسه غريبا حتى عن اولاده، بحسب قوله.

وقد زادت حالته النفسية سوا من عزلته، كما أن أبناءه الذين اعتادوا على عدم وجوده صاروا يشعرون به عبئا ثقيلا عليهم، فيقول، أتمنى لو اني قتلت قبل عشرين عاما، ولا اعيش ما انا عليه اليوم.

مواطن آخر رفض ذكر اسمه، يرى انه قد اذنب بحق والدته، فاراد كما يبدو ان يخفف من المه من خلال حديثه فيقول، أنني لن أسامح نفسي مهما طالت بي الحياة لأنني قصرت في حق والدتي.

ويضيف، تصورت أن توفير الغذاء والملابس والدواء يكون كافيا للاهتمام بها، وكنت أطمئن الى زوجتي للعناية بها، وكم كنت مخطئا أذ أن زوجتي أهملتها هي الاخرى.

ويتابع، كانت النتيجة أن أمي قد ماتت في ليلة شتاء قارصة البرد، وكانت بحاجه الى الدواء والدفىء لكنني أهملتها والان ادعوا الله كل يوم أن يغفر لي.

أما الدكتور (عباس الطائي) أختصاص علم نفس فيقول، أن كبار السن تنتابهم حالات نفسية خاصه منها الشعور بأن ما كان في الماضي أفضل من الحاضر، ومنها الشكوى الدائمة ومنها التصلب في الرايء وادعاء الصواب دائما والعزلة والشعور بانه قد بلغ نهاية المطاف.

ويضيف الطائي ، مهما بذلنا من عناية فان من الطبيعي أن تستمر مشاكلهم الصحية فعلى الابناء أن يكونوا أكثر ايجابية في التعامل مع أباءهم وامهاتهم بصبر وتفهم فليس من المنطق أن تطلب من بلغ السبعين عاما أن يحمل نفس أفكارنا وان يكون مرحا دائما بل يجب أن نتقبله كما هو، لان سنة الحياة هي أن الاب والام هم الذين يربون ولا يمكن أن نعكس هذه العملية عندما يكبر الابناء فيرغبون أن يعلموا اباءهم مفاهيم جديدة.

وفي الختام يجب أن نؤكد على أن كبار السن من الرجال والنساء لهم حق مقدس في ممارسة دورهم في الحياة كما هم الشباب والاطيقول بل ربما يستحقون منا أن نؤليهم أهتماما اكبرمن خلال متابعة حالاتهم الصحية والنفسية والمادية كذلك وفي ذات الوقت نحن ندعو كافة المنظمات الانسانية ومؤسسات المجتمع المدني والدوائر الطبية والاجتماعية ومسؤلي الدولة على أيجاد مساكن خاصه للمسنين والاهتمام بها أن وجدت وللتذكير فقط أن هذه المساكن تهمنا جميعا لاننا جميعا اذا طال عمرنا فسنقف في صفوف المسنين يوما ما.

مقالات ذات صله