هل تسبّب الفضاء الإلكتروني في ابتذال الشعرالعربي وفرض الدُّخلاء عليه؟!

بغداد _ متابعة

كثرت الآراءُ وتضاربتْ حول تأثيرات الفضاء الإلكتروني على واقع الكتابة الشعرية، وذلك من جهة أنّ بعض الكتّاب يرون فيه «مساحة جميلة تمنح فرصا متكافئة للجميع للتعبير عن مواهبهم والاستغناء عن سلطة الصحافة ودور النشر»، بينما يرى آخرون أنه يمثّل «مساحة مسؤولة عن تخريب الذائقة، نظرا إلى غياب أدنى المعايير المتّصلة بنشر النصوص الشعرية والنثرية». ولتعرّف مختلف تحليات هذه المسألة طرح على مجموعة من الكتّاب العرب سؤالَ: هل تسبّب الفضاء الإلكتروني – ذاك الذي حرّر الشاعر من قبضة الصحافة ودور النشر- في ابتذال الشعر وفرض الدُّخلاء عليه؟ وكانت إجاباتهم عنه كالتالي:

يعتقد الشاعر السوري المقيم في ألمانيا علاء الدين عبدالمولى أنّ , المستوى المبتذل من الشعر وجد قبل الفضاء الإلكتروني بمئات السنين والدليل أننا قرأنا كثيرا من الشعر الرخيص والهابط فنيا ورؤيويا منذ القدم.

ويضيف قائلا , إنّ الأمر نفسه يتكرر اليوم مع ثورة الاتصالات الحديثة. ويظن عبدالمولى أنّ الإبداع له الحق في استثمار هذه الثورة الالكترونية. وتفصيلُ ذلك أنه ,  أتيح لنا – مع الثورة التقنية الهائلة- الاطلاع بشكل يومي على ذلك الرخيص والمبتذل والدخلاء على الإبداع كله نسبة لطبيعة الفضاء الالكتروني الذي يتسم بكونه «حرّا سهلا مشاعا، لا رقابة نقدية فنية عليه». وأضاف أن هذا الفضاء يشكل «فسحة مغرية جدا للجميع كي يظهروا ويمارسوا لعبة الشهرة والأضواء. لكنها في العموم شهرة زائفة وأضواء مصطنعة سرعان ما تتكشف عن فقاقيع لا قيمة لها». وعزا الشاعر عبد المولى هذه الظاهرة إلى «المجتمع العربي المأزوم بكل ما فيه من قيمٍ وطاقات وهوية، مجتمع ليس فيه أساساً بناءٌ قيميّ لشيء، لذلك سوف ترى عاهاتنا وأمراضنا متجلية بوضوح في أشكال التعبير الشعري المستمرة على وسائل الاتصالات خاصة الفيسبوك»، ويوضّح ذلك بقوله «إنّ الفيسبوك لم يفاجئنا بأسرار، بل فضح أسرارنا ونشرها على الملأ. أسرارنا المتمثلة هنا في عطالة إبداعية وأمية ثقافية ومسوخٍ تمارس متعةَ (طحبشة) كل شيء جميل جوهريّ».
وتطرّق الشاعر عبدالمولى إلى مسألة مهمة صورتُها أنّ «متلقي الفيسبوك صار يلهث وراء الصورة الشخصية للشاعرة مثلا، ولا ينشغل بصورتها الشعرية الفنية. وتعاني الشاعرة أكثر من غيرها هنا». ولم ينسَ أن يوضح أنه يتحدث هنا عن «الشاعرة التي تنسج كيانها الشعري بمعزل عن مؤثرات خارجية ومغريات عابرة. ترى أنها محاصرة في نمط رجوليّ بائس، ينشغل بفتنتها الجسدية عن فتنتها الأدبية».

وفي السياق نفسه يرى الشاعر العراقي أحمد ساجت شريف «أن للتقنية دورها في فتح آفاق جديدة أمام المتلقي، وهي لا تتيح له التواصل لوحده، بل تنفتح به على مديات أكثر، وهي بلا شك تعمل على ترسيخ مفهومات جديدة، وتضع مُنْتِج النص ومتلقيه في مواجهة مباشرة مع العالم». ويضيف أحمد ساجت شريف أنه «كما أسهم الفضاء الالكتروني في تحرير الكاتب من دور النشر ومنحه مساحة أوسع، فإنه قد خلق شرخا هائلا في الذائقة وأتاح لمن لا يستحق أن يُضفي على نفسه ألقابا وهمية، كما صدّر للواجهة أسماء لا تمت للكتابة الإبداعية بصلة من قريب أو بعيد. فقد أفلت كم كبير من هؤلاء من ضوابط النشر ولجان فحص النصوص ليدخلوا بسرعة إلى فضاء مجاني بعناوين كُتاب». ويذهب ساجت إلى القول إننا «لم ولن نكون أمام منجز شعري يستحق الاحتفاء في ظل هذا الكم الشعري الهائل الذي فرضته التقنية، ويبقى البحث عن شاعر حقيقي مهمة شاقة وعسيرة».
ومن الآراء المناهضة لتأثير الفضاء الإلكتروني على نوعية الشعر، رأي الشاعر اللبناني نهيد درجاني الذي وزّع إجابته على مجموعة من النقاط الأساسية، منها قوله «إننا نعيش في زمن تعدّدت فيه المنتديات والأمسيات الشعرية، بشكل لم تشهده عكاظ ولم يحفل به العباسيون في عصورهم الأربعة مجتمعة». وينتقد «المادة الشعرية» التي تقدمها هذه الأمسيات، ملمحا إلى غياب المعايير المعتمدة لنشر قصيدة؛ سواء أكان النص نثريّا أم شعريا. ويتساءل درجاني عما إذا كانت العلاقات الاجتماعية واللااجتماعية -أحيانا- تلعب دورا في إبراز أسماء بعينها وتقديم أصحابها على أنهم شواعر الزمان والمكان. ويتساءل: «هل دور النشر هي مؤسسات تسعى إلى الربح كأي دكّان، وهل أصبحت الكلمة تباع كالمواد الاستهلاكية؟» منتقدا بذلك الغياب التام للرقابة على الأعمال المطبوعة والمنشورة. وكان لصفحات التواصل الاجتماعي حصة كبيرة في النقد، إذ يظن نهيد درجاني أن هذه الصفحات تطفح بالمجاملات للركيك من النصوص والقصائد.

يذهب الشاعر والناقد المصري عبدالله السمطي إلى القول إنه «لطالما ارتبط الشعر بالإنشاد، وبالتواصل المباشر مع الناس والجمهور» والدليل على ذلك أدبيات الموروث الشعري وما وصلنا من كتب طافحة بشعريات عربية لا نظير لها بالعالم. ويضيف السمطي قوله إن الشعر «لم يُبْتَذَل إلا في عصور قليلة، ومراحل تاريخية تراجعت فيها الحضارة العربية»، ذلك أننا نعاني اليوم من المسألة نفسها «فحين انتقل الشعر ليصبح ديوانا مطبوعا، أو نصا منشورا بصحيفة أو مجلة، كان هناك ثمَّ وعي والتزام بمستويات محددة خلقت تنافسا كبيرا بين الشعراء خاصة من رواد الحداثة: كالسياب، وأدونيس والبياتي، ونازك، وعبد الصبور، ودرويش، وأمل دنقل، ومن تلاهم من أجيال الستينيات والسبعينيات والثمانينيات». ويواصل السمطي قائلا «إنه مع فورة الاتصال، وابتكار الإنترنت، والقنوات الفضائية، والمدونات، ومواقع التواصل الاجتماعي أصبحت هناك مساحة هائلة للنشر، وفرصة رحبة ليقدم الجميع منشوراتهم دون تحكيم، ودون مرور على مسؤول التحرير المثقف غالبا. وهنا أصبح الشاعر هو رقيب نفسه، وهو الذي يجوهر نصه وهو الذي يتحكم في رؤيته، ومساحته، ومناسبته». وكان الناقد عبدالله السمطي قد تناول في دراسات له موضوع ظهور شعريات وأشكال أدبية أسماها بالنص الفائق لأنه مرتبط بتسارع إيقاع الزمن في هذا الفضاء. وأشار إلى أن نظريات ما بعد الحداثة، (البوستموديرنيزم) مشغولة برصد هذه الظواهر أيضا. ويعود الناقد ليؤكد أنّ «مَن يريد أن يحافظ على صورته الإبداعية في مستويات محددة فله ما شاء، ومن يريد أن يؤكد حضوره فقط بأي شكل كان فله ما شاء أيضا». واختتم السمطي إجابته بالقول إن «الفضاء الالكتروني حرّر الشاعر، والكُتّاب جميعا، وعزز من فرص المتابعة ونشر النص الطازج الحيوي، وأسهم في التواصل والتفاعل على نطاق عالمي بين الأدباء والشعراء، لكنه رغم ما فيه من نصوص عادية وسطحية أحيانا، إلا أنه بسّط الصورة أمام الجميع ليقرأ ويتأمل ويقارن ويتساءل. وهذا هو الإنجاز الكبير الذي صنعه هذا الفضاء، وإن تأثيرات الفضاء المستقبلية ستكون أرسخ وأعمق مما يحدث اليوم».

وترى الشاعرة السورية عبير سلمان أن إيجابيات الفضاء الإلكتروني أكثر من سلبياته فيما يتعلق بالشعر؛ فلولاه ما تعرفنا عن قرب على أهم الأدباء والشعراء الموجودين في وقتنا الراهن، ولاقتصرت ثقافتنا الشعرية على ما يقدمه الإعلام بأدواته التقليدية التي تراجعت مؤخراً أو ربما وصلت لمرحلة مُحْبِطة وقاصرة جداً، فهي لم تواكب التطور الثقافي، ولم ترتق لطموحات الجيل الشاب الذي يحتاج إلى دماء جديدة وروح جديدة أكثر مرونة تدير المنابر الثقافية.وفي هذا الشأن تضيف قولها إن «تحكّم العلاقات العامة والمحسوبيات في تقديم أسماء شعرية دون غيرها إلى الناس، يسيء جداً للشعر وللشعراء». وتؤكد سليمان أن هناك دُخلاء على الشعر ممَن يستحوذون على آلاف المعجبين والمتابعين على صفحاتهم المتواضعة فكراً وشِعراً وفنّاً. وتستطرد قائلة إن «هذا طبيعي جداً، فدوماً كان عدد الأشخاص الذين يميلون إلى السهل والساذج والغرائزي أكبر بكثير من عدد القراء الحقيقيين الذين يمكن الاعتماد على ذائقتهم وثقافتهم في حماية الأدب الحقيقي من التلاشي». وعن ابتذال الشعر تقول الشاعرة عبير سلمان إنها لا تخشى على الشعر من الابتذال «لأن الشاعر الحقيقي يشتغل على مشروعه بحرص ومثابرة ويحاول تطوير نفسه وفنّياته، أما الطفيليون فهم ينتمون إلى ظاهرة مؤقتة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمصلحة ما أو بغاية ضيقة أو بتسلية وملء فراغ، وهذا حتماً سينتهي دون أثر».

مقالات ذات صله