اخــر الاخــبار

نكتب لنهزم الموت … شغف الكتابة في عيون بعض أشهر الروائيين العرب

بغداد _ متابعة

بالطبع جميعنا يعرف الروائي الروسي ديستوفسكي، وربما قرأ البعض منّا له رواية أو روايتين. ولكن هل تساءل أحدنا يوماً: لمَ كتب بهذه الغزارة؟ كان ديستوفسكي يبيع إبداعه بـ”الكيلو” للناشر كي يسدد ديونه ويستمر في الحياة.

أما الكولومبي غارسيا ماركيز الذي ذاع صيته بعد روايته “مئة عام من العزلة”، اضطر لجمع العبوات البلاستيكية من القمامة ليستأنف كتابة الروايات. حتى نجيب محفوظ حين سُئل عن تعلقه بالوظيفة، قال: “الوظيفة من أجل الرواية”.

ولكن، ما السر وراء الشغف بكتابة الرواية، مع أنها قلّما تسمح للكاتب بإعالة نفسه؟

صدر لأثير صفا، الكاتبة الفلسطينية ، رواية “تغريدة ” والتي لاقت حفاوة نقدية.

عن شغف الكتابة، تقول صفا أنّ الكتابة بالنسبة لها ضرورة، “أكتب لأن الكتابة هي الشكل الأمثل في التعبير عن أفكاري، كـ”يونس” الذي يتململ في بطن حوت، لا بدّ أن يُلفظ”.

وتضيف: “لستُ الخوارزمي حتى تتجسد أفكاري في لوغاريتم، أو مايكل أنجلو حتى أفرش أفكاري بالفرشاة على جداريات ,على ما يبدو أنني كاتبة كي تتجلى أفكاري على هيئة أدب يُجانب الواقع ويلامس المُتخيّل من خلال أداة تُدعى اللغة”.

واللغة وحدها كمفردات تظل أضعف من إملاء الكتابة ما لم تُبطّن بالفكر والتصوّر الذاتي، كمحصّلة لتجربة إنسانية فريدة، تُعزى إلى حساسية خائضها في إدراك النفس البشرية وإسقاطاتها على المجتمع من حوله.

والكتابة بالطبع ملَكَة مشروطة بقدرة على الاستقراء لا التوقف عند القراءة.

ما من فعل نرتكبه إلا ووراءه منفعة أو هدف إلا الكتابة، ولعل ذلك ما دفع ماركيز لأن يقول: “أي سرٍ هو هذا الذي يجعل مجرد الرغبة في رواية القصص تتحول إلى هوىً يمكن لكائن بشريٍ أن يموت من أجله، أن يموت جوعاً، أو برداً، أو من أي شيء آخر لمجرد عمل هذا الشيء الذي لا يمكن رؤيته أو لمسه”.

ويختتم فيقول: “وهو شيء في نهاية المطاف، إذا ما أمعنّا النظر، لا ينفع في أي شيء؟” ورغم رؤيته بعدم نفعية ما يقدمه إلا أنه يقول في موضع آخر: “الكاتب الجيد سيستمر في الكتابة وإن لم يجد ثمن ترميم حذائه”.

ولكن هل تختلف تلك الرؤية عند الكتّاب العرب؟ لماذا يكتب الروائي العربي؟

الروائي المصري مكاوي سعيد الحاصل على جائزة سعاد الصباح عن مجموعته الأولى “الركض وراء الضوء”، والذي وصلت روايته الثانية “تغريدة البجعة” إلى القائمة القصيرة للبوكر في دورتها الأولى، وتصدرت روايته الأحدث “أن تحبك جيهان” قائمة الأكثر مبيعاً بالإضافة لكونها في القائمة القصيرة لجائز الشيخ زايد لهذا العام، يجيب “أكتب لأن القراءة أمتعتني كثيراً وأخرجتني من كآبة شديدة وجعلت لأيامي معنى، وبالكتابة أحاول رد الجميل لأناس سبقوني ومنحوني البهجة”.

وعن الكتابة يضيف سعيد “الكتابة هي التي منحتني حب القراءة وجعلتني أشعر بالتقدير. ورغم أنني عملت في مهنتي كمحاسب في كبرى الشركات المالية وكمدير مالي في بعض شركات إنتاج وتوزيع الدراما إلا أن القليل الذي أناله من الكتابة أسعدني أكثر لأنه أحسسني أني أنال مكسباً من شيء خلقت له”.

وحول تلك الإشكالية يصرّح الكاتب السوداني حمور زيادة، الذي صدر له مجموعة “أم درمانية” ثم رواية “الكونج” وحصلت روايته الثانية “شوق الدرويش” على جائزة نجيب محفوظ، بالإضافة إلى وصولها إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر،: “أكتب لأني لا أحسن فعل أيّ شيء آخر. ولأني لما جربت عمل أشياء كثيرة وجدتها ثقيلة أو وجدتني أفشل فيها. حتى جربت الكتابة فغرّتني نفسي أنها ما أعرفه”.

ويرى حمور أن الكتابة تجعل للعالم معنى، فيوضح أنّ “الحكايات تعيد تلوين العالم في داخلي، فتجعله مقبولاً ولو للحد الأدنى. أظن أنه لولا الحكايات، والنساء الجميلات بالتأكيد، لما قدرنا على النجاة من مرارة هذه الحياة”.

يعقد الصحفي والروائي المصري سامح فايز الذي صدر له جنة الأخوان، ورحلة يوسف، مقارنة بين كاتبين، فيقول: “اعتزل القاص والمترجم محمد إبراهيم مبروك (1943 – 2014) الكتابة قرابة 13 عاماً بعد مروره بتجربة اعتقال فى نهاية الستينيات دفعته ليطرح على نفسه سؤالاً يبحث في جدوى الكتابة، لماذا نكتب؟”

بينما حين طرح على الكاتب أحمد خالد توفيق السؤال نفسه، قال: “أكتب للتسلية”.

ويؤكد سامح أن بين مبروك وتوفيق تعيش آلاف الأقلام التي تبحث عن جدواها. أما عن رأيه هو، فيقول : “لكن أنسب الإجابات التي أدركت أنها تعبّر عني كانت رأي الروائي أشرف الخمايسي الذي قال حين سُئل عن مشروعه الروائي: “أكتب لأهزم الموت”. أنا أيضاً أكتب لأهزم الموت، لأعيش أعماراً بعد عمري، أكتب حتى يعيش من أحبهم وليظلوا بجواري حتى بعد رحيل أجسادهم”.

إن كانت الرواية غير قادرة على إعالة الكتّاب، فهي قصة بدأت مع بداية الفنّ نفسه، أين يجد الفنانون رزقهم؟

حجي جابر روائي من أرتيريا حصلت روايته “سمراويت” على جائزة الشارقة للإبداع العربي، وصدر له العديد من الروايات الناجحة، يصرح “لا أزال صحفياً بالطبع لأني لا أستطيع الاعتماد على عوائد الكتابة الروائية وحدها، إذاً أنا مستمرٌ في الصحافة كي أستمرّ في كتابة الرواية دون منغصات الحياة”.

محمد عبد النبي – قاص وروائي مصري حصد العديد من الجوائز، منها جائزة ساويرس عن مجموعته “شبح أنطون تشيخوف”، وعن روايته “رجوع الشيخ”، التي وصلت أيضاً إلى القائمة الطويلة للبوكر.

أما روايته الأخيرة “في غرفة العنكبوت”، فقد تصدرت القائمة القصيرة للبوكر هذا العام، كما حصل على جائزة الدولة التشجيعية في الترجمة.

قول عبد النبي : “لا أظنُّ أنّ الكتابة الأدبية يمكن أن تعدّ مهنة بالمفهوم التقليدي الآمن، في العالم العربي على الخصوص، لأسباب كثيرة، أوضحها عدم وجود عائد مادي منتظم، ومشكلات عالم النشر، كما أن الكاتب إذا اعتمد بمعجزة ما على دخله من الكتابة فقد يجد نفسه مضطراً للكتابة باستمرار دون أن يولي اهتماماً كبيراً لقيمة ما يكتبه، وأن يحاول إخضاع كتابته لشروط وظروف غير فنية، أو تجارية بوضوح في بعض الأحيان”.

كما يضيف: “حتّى في كثير من الدول غير العربية نادراً ما يعتمد أي كاتب على الكتابة وحدها كمورد رزق، فغالباً ما نجد كبار الكتّاب يعملون سنوات طويلة في شبابهم على الأقل في الصحافة أو التدريس أو الترجمة. أما إذا استطاع الكاتب تحقيق دخل معقول من كتابته فيمكنه عندئذٍ التفرّغ للكتابة، لا يحدث هذا للأسف بين يوم وليلة، وقد لا يحدث على الإطلاق”.

سليمان المعمري من سلطنة عمان حصل على جائزة يوسف إدريس عام 2007 للقصة القصيرة ثم فاجأنا بروايته الأولى “الذي لا يحب جمال عبد الناصر” التي لاقت رواجاً واسعاً واحتفاء نقدياً، يقول “في تصوري أنه لا الرواية، ولا الكتابة بمعناها الأشمل، يمكن أن تغني كاتباً في العالم العربي عن مصادر دخل أخرى، سواء كانت وظيفة أم غيرها، إلا في حالات نادرة هي بمثابة شواذ القاعدة”.

وفيما يخصّ الجوائز العربية، يقول جابر، “وفرة الجوائز في العالم العربي أمر جيد في نهاية المطاف، فهي تجلب الضوء، وتلفت انتباه القراء، وتُعلي من شأن الكتابة. الوفرة في الإنتاج ستخلق مساحة اصطفاء وانتقاء وفلترة أكبر”.

ولكن في نفس الوقت، يضيف: “صحيح أن رؤية كثير من الأعمال الرديئة أمر مزعج، لكن في النهاية لن يصمد إلا الكتاب الجيد والكاتب الحقيقي، والقارىء وحده هو الحكم في هذه المسألة”.

وإن كان بالإمكان الاعتماد على الجوائز، يجيب “يصعب الحديث عن الجوائز كمصدر دخل، ولهذا فقيمة الجوائز حتى المادية منها هي قيمة معنوية بالأساس”.

ويتابع: “أنا أظن أن الكاتب سيكون بخير لو وجد ناشراً نزيهاً يرسل له أولاً بأول نسبته من مبيعات كتبه، لكن حتى يحدث ذلك لا بد من وظيفة مساندة”.

وبخصوص عمله كصحفي يوضح: “أدين للصحافة بالكثير، فمن بوابتها دخلتُ عالم الرواية، ولا تزال تسند مشواري الروائي كوني أكتب عن إرتريا من خارجها، وهذا يتطلّب جهداً استقصائياً ما كنتُ لأملكه لولا مروري بالصحافة أولاً، وقد اتضح ذلك بشكل أساسي في رواية “مرسى فاطمة” التي احتاجت شغلاً استقصائياً وبحثاً عن المعلومات وجمعاً للشهادات، واختبار صدقيتها”.

ويختتم “لكني في المقابل حذر بعض الشيء من تسلل لغتي الصحفية إلى كتابتي السردية وهو المطبّ الذي أحاول تجنبه دوماً”.

لعلّ المقولة الشائعة بأن “الكاتب يقتات على أوجاعه” على نصيب كبير من الصواب، فلا يزال الروائي حتى اليوم لا يعرف كيف يكسب من إبداعه، وربما يكون هذا السؤال أقدم الأسئلة: هل يمكن أن يحيى الإبداع بدون قلق البحث عن مصدر للرزق والرعاية والتمويل؟

مقالات ذات صله