نساء الموصل بعد داعش: زال التنظيم الارهابي وبقيت بعض الاصوات تنعق ضد حريتنا

متابعة
تختبئ بعيداً عن زجاج النافذة، تحسباً من تناثر أية شظايا.بجانبها زوج من طيور الحب، صوتاهما الناعمان لا يغطيان دوي الصواريخ، وسط اشتداد الاشتباكات المسلحة ما بين القوات العراقية وعناصر تنظيم داعش في مدينتها.
هكذا وصفت رؤى محمد (30 عاماً) التي تعمل مهندسة حاسبات، يوم تحرير منطقتها، في الجانب الشرقي من مدينة الموصل، في شهر يناير.
تقول إنها قضت الساعات العشر الأخيرة في تعلم لغة برمجية جديدة، بعد أن كانت قد أتقنت عشر لغات غيرها، طوال سنوات سيطرة التنظيم منذ 2014، ومنعه النساء عن العمل.
هي اليوم تدير مشروعاً صغيراً كانت تخطط له طوال فترة سيطرة تنظيم “داعش” على الموصل.
“حلم الثلاث سنوات بات حقيقة وسأكلمه إلى النهاية رغم التحديات المجتمعية التي ظهرت من جديد، والتي تبدأ من الاعتراض على ملبسي ولا تنتهي عند دخولي لسوق العمل المختلط”، تقول بعد عودة الحياة إلى حد كبير في مناطق الجانب الشرقي من مدينة الموصل منذ أن أعلنت القوات العراقية إكمال تحريره في يناير الماضي، ظنت المرأة الموصلية أنها تخلصت من ممارسات التنظيم المتشددة حول الملبس والخروج من المنزل.
لكنها تفاجأت بعدها ببعض أصوات الاعتراض والرفض في الشارع الموصلي على ملبس النساء، وظهورهن في المناطق التجارية والأسواق، بعد نزع غالبيتهن النقاب والجلابيب السود.بدى واضحاً لها تأثر البعض من الأهالي بأفكار التنظيم رغم رفضهم لتواجده.
تباينت الآراء بين أن الملبس هو “حرية شخصية”، ليذهب الرأي الآخر إلى جانب أبعد، واصفاً أن ما يحدث في الشوارع العامة هو “انفلات أخلاقي لمرحلة ما بعد داعش”.
يقول عمار سلام، وهو صاحب محل للألبسة النسائية في منطقة الزهور في المنطقة الشرقية: “لماذا التضييق على حريات الناس؟ نحن اليوم نتصرف مثل عناصر الحسبة وداعش”.
أما محمد عمر، 20 عاماً، فلا يرفض تحرر النساء من اللباس الأسود والنقاب الذي فرض عليهن.
“أنا أراها فرصة لنمتع نظرنا بالجمال”، يقول لرصيف22 وهو مستند على زاوية جدارية في سوق النبي يونس.
يضيف عمر أنه يأتي للأسواق “لتضييع الوقت، بدل الجلوس في البيت بلا عمل”.
على الضفة الأخرى من الرأي، ترى سجى سلام، طالبة أداب لغة عربية، أنه “لا يوجد شيء اسمه حرية الملبس للمرأة أو الرجل، يجب أن يكون هناك لباس شرعي، وهو الجلباب، ومخافة الله هي الأهم أخيرًا”.
منذ تنامي الجهات المتشددة في مركز المدينة، بعد 2006، مروراً بما حدث خلال 10 يونيو 2014 حينما سيطرت داعش على الموصل، بات الموصليون يلاحظون أن أعداد المنقبات في الشوارع العامة والمدارس والجامعات آخذ بالارتفاع بشكل لافت جداً، بالمقارنة مع حقبة التسعينيات؛ حيث كان هناك عدد محدود من المنقبات، اللواتي ينتمين إلى عائلات معروفة بالتزاماتها وتوجهاتها الدينية.
تقول ليلى غالي، التي خلعت النقاب فور استعادة القوات العراقية السيطرة على الموصل أن “إصرار النساء على ارتدائه بعد كل ما حدث، أراه تصرفاً سخيفاً”.
لكن سلمى (35 عاماً)، والتي فضلت عدم ذكر اسمها كاملاً، تختلف معها.
تذكر كيف أخبر عنصر الأمن زوجها بينما كانت برفقته بعد تحرير منطقتهم الشرقية أن عناصر التنظيم يستخدمون النقاب لتنفيذ الاغتيالات في المدينة، وأنه بات يجلب “الشبهة” لمن ترتديه.
“ما كان مني إلا أن خلعته فوراً، وعدت إلى البيت بلا نقاب”، تقول: “لا أريد أن يتكرر الموقف المحرج مع عناصر الأمن”. تضيف سلمى بصوت منخفض مبينةً أن مسألة خلع النقاب تحزنها جداً لأنها ملتزمة دينياً وكانت مواظبة على ارتدائه قبل تواجد تنظيم “داعش”.
يفسر الأستاذ الجامعي فيصل جبر تمسك السكان ببعض الشكليات التي فرضها التنظيم قائلاً إن “البروباغاندا القوية لداعش، أوحت للموصليين أن الحجاب المتعارف عليه غير كافٍ للالتزام الديني والأخلاقي، ولا بد من الاستعاضة عنه بالنقاب”.ويضيف: “أصبح النقاب غير مرتبط بفترة تواجد داعش، وإنما بات عرفاً اجتماعياً، مرتبطاً بشرف العائلة والحشمة، أكثر من كونه التزاماً دينياً”.
تواجد التنظيم لأكثر من سنتين، أدى إلى خلق منظومة أخلاقية خاصة به في المجتمع الموصلي، إذ نجح بإدخال تعاملات جديدة على سلوكيات الفرد، ابتداءً من المفردات التي ما زالت متداولة حتى اليوم في البيت والشارع، وفي التبادلات التجارية بالأسواق.
فهناك لفظة “أختي”، التي تطلق على النساء والفتيات بكثرة لكي لا يُستخدم اسمهن، وكلمة “حجي” التي ينادى بها كل الرجال، سواء الكبار في السن ومن هم بعمر الشباب أيضاً.
ورغم أن هذه المفردات ليست جديدة بحد ذاتها لكنها باتت تثير الحساسية لدى السكان وباتوا يعتبرونها دخيلة، خاصة مع إفراط استخدامها من قبل التنظيم مع الأهالي الذين كان يطلق عليهم تسمية “العوام”.
هذه المفردة بحد ذاتها لا يزال بعض الموصليين يستخدمها ثم يتداركون الخطأ بسرعة كبيرة لتصحيحها بلفظة “أهل الموصل”.
في المقابل، ورغم تصاعد التدين الظاهري والتمسك بشكليات أدخلها التنظيم، يرى بعض سكان الموصل، أن المدينة اليوم تشهد تزايداً ملحوظاً لحالات التحرش الجنسي في الأسواق العامة، وقرب مدارس الفتيات.
وهو تغيير يراه البعض متوقعاً، بعد ارتفاع نسبة الفقر وتزايد أعداد العاطلين عن العمل، وانهيار نظام التعليم. بعد أن “بات الفراغ يشكل نسبة كبيرة من وقت الشباب، ذكوراً وإناثاً في المدينة”، على حد قول البعض منهم.
وكانت نسبة الفقر في محافظة نينوى قد وصلت إلى 34% حسب كتاب الجهاز المركزي للإحصاء في المحافظة للعام 2014، والذي حصلت كاتبة المقال على نسخة منه، في حين بلغت نسبة النساء العاملات 8.4% فقط خلال العام 2011

مقالات ذات صله