اخــر الاخــبار

مواد البناء في العراق .. دعم الدولة مرفوع والغش على قدم وساق

متابعة
كان فتح سلف الاسكان للموظفين والمواطنين برغم ارتفاع نسبة القسط المستقطع من الراتب، وربحية البنك ، منفذا ساعد الكثيرين على بناء دور حسب امكانياتهم وقيمة سلفهم، فكل ما يطلبونه هو سقف يأويهم مع عوائلهم وينقذهم من كماشة الايجار وسلطة المالك . بناء بيت هو حلم كل انسان،لكن ماحدث ان اسعار البناء التي كانت الارخص بعد 2003، ارتفعت في السنوات الاخيرة حتى صارت تتجاوز قيمة السلف وقدرة المواطن. فأين هو الدعم الحكومي الذي كان متمثلا بالشركة العامة للمواد الانشائية؟ وهل يتم تصنيع هذه المواد في العراق ام انها مستوردة ككل شيء في السوق العراقية؟

أسعار بالملايين

قبل ان يصل البناء الى السقف يكون المواطن قد انفق ما لايقل عن عشرين او ثلاثين مليونا حسب مساحة البناء. المواطن (هيثم حسين) بدأ ببناء بيته الذي يقع على مساحة 200 متر مربع قبل اربعة اشهر تقريبا بعد حصوله على قرض بقيمة 30 مليونا من المصرف، علما انه لم يعتمد على القرض تماما موضحا “كنت اسكن في بيت صغير مساحته مئة متر، ولم يعد يكفي عائلتي بعد ان كبر الاولاد فبعته واشتريت قطعة ارض 200 متر وبقي لي بعض المال للبناء، كما حصلت على قرض قيمته 30 مليونا ، وحتى الآن ما ازال احتاج الى نحو العشرين مليونا لاكمال الكهربائيات والسيراميك وغيرها، اي ان بناء هذه الارض سيكلفني بين 90-100 مليون دينار عراقي، وهو رقم ليس بالسهل لمواطن عادي. لولا البيت الذي بعته والسلفة لما استطعت الحصول على مثل هذا الرقم ، فأنا صاحب محل للزيوت، وزوجتي موظفة ، أي ان دخلنا محدود”.
وعن معاناة البناء قال هيثم “اسعار المواد ارتفعت بجنون بعد اطلاق سلف الاسكان، فسعر دبل الطابوق بلغ (1,90000) مليون وتسعين الف دينار ، كذلك سعر الاسمنت الذي بلغ (180000) مئة وثمانين الفا ناهيك عن اسعار الخشب وحديد التسليح والابواب والشبابيك والسيراميك” ويسخر هيثم قائلا “اصبح هناك مثل يتداوله الناس هو، (ادعي على عدوك بالبناء)، فإذا اردت ان تدعو بالضرر لاحد ، فالبناء هو العسر الذي يمكن ان يقض مضجعه ويدمر وضعه المادي. بعد كل ما أنفقته اضطررت الى بيع مصوغات زوجتي الذهبية واستدنت مبلغ عشرة ملايين حتى الآن، وربما سأبيع سيارتي”.
المستورد سيّئ والدعم الحكومي غائب
يتهم المواطن تجار المواد الانشائية بالغش والاستغلال والتلاعب في تجهيز المواطن بالمواد، كون المواد الموجودة في السوق غالبيتها مستورد، والاستيراد يتم من مناشئ متعددة تتغير باستمرار مما يفقدها عنصر الثقة. اما اصحاب محال المواد الانشائية او مايدعى ب(السكلات)، فيلقون باللوم على جهات مختلفة منها سياسة الدولة والغلاء واسعار الدولار.

(ادهم عبد الله)/ صاحب سكلة للمواد الانشائية تحدث اولا مستعرضا اسعار المواد الانشائية الموجودة حاليا في السوق وانواعها مبتدئا بالطابوق، فقال “الطابوق كله عراقي المنشأ وهو طابوق معامل النهروان الذي تبلغ قيمة الدبل منه مليونا وتسعمئة الف دينار عراقي، اي سعر (لوري قلاب 8000 قطعة)، اما الاسمنت فهو مستورد وهو بعدة انواع افضلها سمنت الشمال (طاسلوجه) المقاوم وسعره 180,000 دينار ثم يأتي سمنت كربلاء المقاوم وسعره 170,000 دينار ثم السمنت الايراني الذي يعتبر الارخص وهو جيد وسعره 142,000 دينار. وبالنسبة لحديد التسليح او ما يسمى بـ(الشيش) فهو ايضا مستورد ، اوكراني المنشأ، سعر الطن منه (1,90000) مليون وتسعين الفا، واصغر بيت يحتاج الى طن ونصف الطن اذا مساحته 50 مترا بينما يحتاج بيت 200 متر مربع الى 2 طن، يأتي بعد ذلك الرمل الذي هو الارخص في مواد البناء، والرمل الكبس المغسول يصل سعره الى 200,000 دينار”.

الغش أنواع
وعن الغش الذي يتهم به التجار قال ادهم “الغش اصبح في كل مكان، ونحن لسنا تجارا بل نشتري المواد من المنشأ ونبيعها حسب اسعار السوق والطلب للمواطن. ماحدث هو ان الطلب على مواد البناء ازداد في السنوات الاخيرة بسبب توزيع الاراضي والسلف ومشاريع البناء التي تقوم بها الدولة والمستثمرون اضافة الى قلة توزيع المواد الانشائية من قبل الحكومة”، مبينا “ان المواطن يستطيع تقديم طلب واستلام مواد انشائية من الدولة باجازة البناء ، لكن ذلك يأخذ وقتا طويلا ما يجعله يشتري من السوق، فهو لا يستطيع ايقاف عملية البناء ريثما يستلم دفعات المواد”.
وعن حالات الغش ذكر المواطن (شكري فاضل) “يصعب تجاوز حالات الغش فنحن محاصرون بها من كل جهة، فمثلا اتفقت على شراء دبل طابوق نهروان ب 1,900000 ويجب ان يحتوي القلاب على 8000 طابوقة، وطبعا يصعب حساب هذه الكمية لكننا اكتشفنا بعد ذلك انها فقط 7000 طابوقة، حيث يقوم صاحب معمل الطابوق او صاحب سيارة الحمل بتوفير 1000 ليبيعها بشكل منفرد،واحيانا يتم ذلك بالاتفاق بان يجهزني ب 7000 مقابل 1,600000 فيربح بالمقابل 200,000 او اكثر من بيع الباقي، اضافة الى الغش في الاسمنت الذي اصبح ظاهرة والذي يشكل خطرا على حياة الناس”.
اختفاء الصناعات العراقية رفع الأسعار
بالاضافة الى الطابوق والاسمنت وحديد التسليح ، هناك الكثير من المواد الاضافية التي يحتاجها البناء والتي كان معظمها يصنع داخل البلد. لكن توقف الصناعة المحلية زاد من الاسعار للمستورد اضافة الى قلة الجودة. المقاول (تحسين شاكر) يقول “عندما نتسلم بيتا او اي منشأ نتفق على سعر مع المواطن بعد حساب القدرة ، ثم نفاجأ بارتفاع الاسعار احيانا فيقلب حساباتنا ما يخلق مشاكل مع المواطن الذي يرفض تصديق ذلك ويتهمنا بالتلاعب. نحن نعمل لنربح وليس لنخسر، هناك تفاوت في الاسعار ومن لا يمتلك خبرة من المواطنين قد يسيء الفهم، فمثلا الكاشي العراقي هو الافضل للارضية لكن قلة صناعته وارتفاع ثمنه جعل الناس يتوجهون الى السيراميك رغم انه اقل جودة خصوصا وان التجار يستوردون الارخص، فسعر المتر الواحد من الكاشي العراقي الكربلائي الذي يعتبر الاجود هو (12,000) وقد يصل الى (23,000) اذا كانت مساحة البلاطة 40×40 بينما يصل سعر السيراميك الايطالي الذي يعتبر ايضا جيدا الى 15 الف دينار ورغم جماله يعتبر السيراميك غير ناجح ويتكسر بعد مدة، اما الابواب والشبابيك والتي كانت عادة من الخشب فقد اصبحت غالية رغم ان صناعتها عراقية. الصناعة العراقية عندما تتوفر تكون الاغلى بسبب ارتفاع اسعار المواد الاولية وغياب دعم الدولة للصناعات، لذا اتجه الناس في البناء الى الابواب والشبابيك الحديد التي اصبحت ارخص ، إذ يصل سعر شباك الحديد للمتر الواحد 60 الفا بينما يصل سعره في الخشب الى 120 الفا”، ويلقي تحسين باللوم على الدولة لقلة دعمها لازمة السكن التي يجب ان تساهم في تقليلها بخفض اسار المواد الانشائية وتوزيعها بطريقة اكثر سلاسة”.
إجراءات عقيمة وفساد
كان المواطن يقوم بتقيدم اجازة البناء الى الشركة العامة للمواد الانشائية في السابق ليحصل على حصته من المواد التي تبلغ نصف قيمتها في السوق، اما الآن فالامر اختلف. احد المواطنين الذي خاض تجربة التقديم الى الشركة قال “الاسعار في الشركة العامة للمواد الانشائية تقل عن السوق ب 40,000 دينار تقريبا ، وهو مبلغ لا يعتد به اذا اخذنا بنظر الاعتبار النفقات التي يتحملها المواطن اثناء المراجعة والتأخير، ففي حالتي انتظرت ثلاثة اشهر لأحصل على حديد التسليح وانفقت اكثر من سعره في السوق في النقل والمواصلات والمراجعات والرشاوى، فما يحصل هو اجراءات عقيمة وتأخير، والمستفيد من ذلك هم المقاولون والتجار حيث يتم الاتفاق معهم ليحصلون على هذه المواد فتتضاعف ارباحهم”. وعن ضريبة التأخير التي يدفع ثمنها المواطن يقول “عندما نتفق مع عمال و(خلفة) فيجب ان يخرجوا للعمل يوميا لانهم يعملون بالاجر اليومي لذا يجب ان تتوفر المواد كاملة كي يستمروا في عملهم ، وفي حالة نفاد المواد يانتظار تجهيزها من الشركة اذا افترضنا انتظار التجهيز، فان العمال سينصرفون الى عمل آخر تاركين البيت ويصعب الحصول على غيرهم ، فقد يرفض (الخلفة) تكملة عمل غيره”.
بين التاخير في الحصول على سلف الاسكان وروتين المعاملات الذي يستنزف المال، وغياب الدعم الحكومي واجراءات الشركة العامة للمواد الانشائية واسعارها المرتفعة ايضا، يظل المواطن هو الضحية دائما وتتحول عملية البناء وحلم الحصول على دار سكن الى هم كبير لا يقدر عليه الجميع. وفي نفس الوقت ترتفع بعض الدور ببنائها الشاهق وباحدث التصاميم واغلى المواد لتكون جاهزة خلال شهرين لمن يملك المال ويكون مستعدا لانفاق مئات الملايين دون ان يفكر بالدعم الحكومي، فمتى ستحل ازمة السكن اذن اذا كانت حتى سلف الاسكان تعجز عن حلها جذريا؟.

مقالات ذات صله