من باب المعظم حتى الباب الشرقي ..تاريخ أسوار “المدينة المدورة”

بغداد ـ طارق حرب

في سلسلة تراث بغداد كانت لنا محاضرة عن اسوار بغداد سواء تلك التي خططها المنصور عند البناء وعندما كانت بغداد تسمى المدينة المدورة وصغيرة جداً في الكرخ او في الرصافة بعد ان اسكن جيش اخيه المهدي فيها وهذان السوران في الكرخ والرصافة تم بناؤهما في السنوات التي تلت بناء بغداد عام ١٤٥ هج والتأكيد على سور الكرخ ومن ثم التأكيد على سور الرصافة الكبير وليس الصغير زمن المنصور لانه استمر مئات السنين وحتى الوقت الحاضر اذ ما زال باقيا ماثلاً في بقاياه في باب بغداد الوسطاني

وان المعلومات التي وصلتنا عن المدينة المدورة اي بغداد الصغيرة في الكرخ وعن الاسوار والطرق متباينة على الرغم من ان المنصور وضع بنفسه تصميم بغداد وقد جعلها منذ البداية بأسوار وخندق يحدد رقعتها حيث عمل لبغداد الخنادق وعمل لها سورين والخندق حاجز اضافي واذا كانت دجلة شرق بغداد ونهر الصراة جنوبها يشكلان حاجزا عن بغداد القديمة فأن جهتها الشمالية والغربية كانت مكشوفة

وتتفق المصادر على ان الخليفة احاط مدينته بأسوار وعمل سورين والسور الداخلي اطول من السور الخارجي وبنى قصره في وسطها وعمل السور من اللبن وجعل عرض السور تسعين ذراعا وحول السور فصيل حائطه مائة ذراع وعليه تتوزع البروج وأمر ان لا تبنى المنازل تحت السور وفي الاسوار ابواب اربعة ولكل باب واحد للدخول واخر للخروج اما السور الكبير في الجهة الشرقية من بغداد في الرصافة والذي بناه المنصور لاسكان جيش المهدي وبالنظر لزيادة مباني الرصافة وكثرة اسواقها وكثرة سكانها مقارنة بالكرخ خاصة وان مركز الخلافة بعد عودته من سامراء اتخذ من الرصافة مقرا للخلافة بدلا من الكرخ واتخاذهم من القصر الحسني مركزا للحكم بعد ان اضافوا عليه ابنية جديدة زمن الخليفة المعتضد واستقرار الحكم والهجرة السكانية والحياة الاقتصادية ادت الى التوسع خارج السور

السابق الامر الذي استدعى بناء السور الجديد يحيط بكل البناء والمنشآت السابقة والجديدة وقد شرع الخليفة المستظهر ببناء السور مع خندق مائي يحيط به ليقف امام من يفكر بغزو بغداد وتم وضع اربعة ابواب موزعة على طول السور واكمل بناء السور الخليفة المسترشد بالله واستمر العمل به بعد ذلك وحتى خلافة الناصر لدين الله حيث اكتمل بعد مضي ١٣٤ عاما وكان السور على شكل نصف دائرة على نهر دجلة يبدأ من منطقة باب المعظم وينتهي بمنطقة الباب الشرقي اما ابوابه فهي باب السلطان اي باب المعظم وباب الظفرية اي باب الوسطاني وباب الكلبة اي باب الطلسم وباب كلواذي اي الباب الشرقي ويبلغ طوله ١٠ كم تقريبا وعرضه خمسة امتار ونصف وكان عليه ١١٧ برجا واستعمل الطين الذي يصب في قوالب ويجفف تحت الشمس والطين المفخور اي الطابوق

وظل السور قائما ٨٠٠ سنة تقريبا وحتى ولاية مدحت باشا الذي هدمه واستفاد من انقاضه في تجديد بناية القشلة سنة ١٨٧٠ ولم يتبقى من هذا السور الا الباب الوسطاني او باب الظفرية او باب خرسان وتسميته بالظفرية لوجود قراح اي بستان ظفر واهميته تكمن في كونه الانموذج الوحيد الذي حافظ على وجوده وكان اكثر ابواب بغداد حصانة وقدرة دفاعية وتم بناؤه بشكل لا يمكن الشخص من الوصول الى السور الا بعد اجتياز قنطرتين على التعاقب ويعلو برجه كتابة بخط الثلث تتضمن ( مازالت دعوته الهادية للدين قواما وللاسلام نظاما….) ويحتل الباب اهمية من حيث زمن الانشاء ومواضع الرصد والرمي فيه وخندقه الذي يعطي قدرة عالية في الدفاع والمطاولة والحاق اكبر الاذى بالعدو وستر حركة المدافعين عنه والى جانب هذا السور مقبرة قديمة ضمت رفات الشيخ الصوفي عمر السهروردي وعلى قبره قبة مخروطية تعد تخفة فريدة في فن العمارة يجاوره نفق مظلم يحتضن رفات اخر الخلفاء العباسيين المستعصم بالله .

مقالات ذات صله