مع السلامة للفقر.. قوى خفية تغني دون عناء على قارعات طرق بغداد

بغداد – دريد سلمان

مع الرغبة برزق غزير أو حتى منع الحسد والخطر المميت أو أسر قلوب الفتيات، يتهافت الكثيرون على “الخرز والمحابس” للخروج من الحظ العاثر، بهدف زيادة الثقة بأنفسهم وجعل الأمور مطاوعة لهم.

في منطقة السنك وسط بغداد على قارعة الشارع العام حيث يتزاحم المارة وتتداخل أصوات الباعة المتوجلين، ينهمك كريم سالم في عرض بضاعته من الأحجار والخواتم التي فرشها على الأرض.

يحاول سالم (43 عاماً) بمنظره المحافظ، جلب الزبائن الذين اعجبتهم بعض بضاعته وباتوا يحدقون بها، فالجيوب شبه خاوية والعمل قليل، وسالم وزبائنه يبحثون عن منفعة متبادلة، من أجل أن يحظى كل منهم برغبته، ويكلل عمله بـ”القسم” إن أحجاره تجلب الحظ والفأل الحسن.

“لو كانت تجلب الرزق والخير، لماذا لا يستفيد منها صاحبها البائس ويصبح غنيا؟!”، هكذا يقول حيدر سلمان (38 عاما) في حديث لـ«الجورنال نيوز»، بينما ارتسمت على وجهه ابتسامة عريضة دون أن يلاحظه البائع.

ويضيف سلمان، “الإنسان إذا اقتنع بخرافة منفعة الأحجار فهو غبي، لكن لا مانع من اقتناء الكريمة منها أو لبس خاتم يضفي نوعا من الزينة الجميلة لمرتديه، أما الاعتقاد التام بقدرات خارقة لها فهو سذاجة”.

أما صبرية علي (71 عاما)، فهي ترى أن “بعض الأحجار الكريمة فعلا تحمي الإنسان من الحسد وتحسن الحال، لما تحتويه من قوى خفية”، مبينة أن “البعض يستعينون بأنواع خاصة من الخرز لإلحاق الضرر بخصومهم أو تسهيل ما يصعب عليهم”.

لكن ثمة أبعاد نفسية وعلمية لهذه الظاهرة المتفشية في المجتمع منذ القدم، حيث تقول المختصة الاجتماعية وداد محمد في حديث لـ«الجورنال نيوز»، إن “المجتمع العراقي على امتداد عقود طويلة لم يعرف معنى الاستقرار وعانى على الدوام من الأزمات، الأمر الذي ولد إنطباعا عاما من الإحباط والخوف من المستقبل، لذلك تفشت الخرز والشعوذة من أجل تغيير الأقدار”.

وتوضح محمد، أن “الميل لهذه الأشياء هو بالواقع محاولة للهروب من ضيق الحال، ومواجهة الأمراض الاجتماعية، وبحثا عن آمان وهمي ينعكس في المحصلة بشلك سلبي”.

أما استاذ علم نفس، عبد الكريم إبراهيم، فهو يعزو التعلق بالأحجار والخرز الى “الوضع النفسي للإنسان، لأنه مخلوق غالبا ما يبحث عن ما يسنده ويزيل ضعفه في مواجهة مصاعب الحياة”، مبينا أن “من يمر بأزمة عاطفية مثلا يبحث عن خرز للمحبة للفوز بقلوب الفتيات مثلا، وهكذا الحال بالنسبة للباحثين عن الثروة والمال من أجل إزالة الفقر، غير مدركين أن كل هذه الامور جزء منها مقدر والأخر يتعلق بقوة شخصية الإنسان ومثابرته”.

ونتيجة الحروب والأزمات، أخذ الرجال يبحثون عن خرز ضد الرصاص وأخرى للرزق في زمن الحصار.

ويضيف إبراهيم، إن “الإنسان مجبر على السعي للرزق ومن الأفضل له ترويض النفس، عندها يمكن أن تكون بعض الاحجار الكريمة التي فيها طاقة إيجابية أن تكون عاملا مساعداً من الناحية النفسية، أما الاتكال عليها بالمطلق فهذا أمر مناقض للعقل والدين”.

يذكر أن الثقافة الغيبية تسود في العراق، بين الناس البسطاء والنخب على حد سواء، الأمر الذي يجعل الاعتقاد بالقوة الخارجة للخرز كبيرا جدا، فهي بالنسبة لمحبيها “طاقة القدر” التي يمكنها أن تقلب حالهم وتفعل المستحيل.

مقالات ذات صله