مع اقتراب فصل الصيف وشحة أماكن الترفيه.. الحدائق العامة في بغداد حاجة ماسّة وليست ترفاً

بغداد ـ متابعة
بكت الحاجة أم لؤي وهي تشاهد من نافذة الطائرة التي تقلّها من دبي الى بغداد، منظر العاصمة البنّي، فلا مكان للخضرة في مساحاتها ولا أثر لأشجار النخيل أو الاثل واللكبتوس، التي كانت تزيّن الكثير من شوارعها وحدائقها العامة، التي كانت تبهر زائري العاصمة. التفتت الى ابنها علي، الجالس قربها لتقول له، أين أراضي بغداد الخضراء وجمال حدائقها الخاصة والعامة؟! أين اختفت تلك المساحات الخضر الفاتنة، أين المتنزهات وأشجارها الباسقة. سكت علي برهة، وقال، ستشاهدين شارع المطار وما يتضمنه من عشب أخضر ونباتات جميلة، فسألته، وكم شارعاً في بغداد بنفس هذه الجمالية التي تتحدث عنها؟! عدم ردّ علي، دلالة على أنه الشارع الوحيد بهذا الاهتمام والخضرة ليس في العاصمة، فحسب، بل في جميع محافظات البلاد.

حدائق بغداد تاريخياً

دموع الحاجة أم لؤي دفعتنا للبحث عن موضوع الحدائق العامة والخاصة ومن يتحمل مسؤولية التجاوز على البساتين في مناطق محيط العاصمة، كالتاجي والفحامة وأبو غريب والطارمية وغيرها؟ وهل أن أعداد الحدائق العامة والشوارع المشجرة في مناطق بغداد، يتناسب وعدد سكان العاصمة؟ وما هو رأي عدد من مناطق بغداد في عمليات تقسيم المساحات الكبيرة الى وحدات سكنية بواقع خمسين متراً مربعاً أو أكثر أو أقل، وتخليهم عن الحدائق الخاصة؟! فالمساحات الخضر من حدائق عامة ومتنزهات، حاجة ضرورية للعائلة وليست ترفاً، كما قد يتصور البعض ومن هنا رأينا اهمية تسليط بعض الضوء عليها.
وقبل الخوض في التفاصيل ربما من المهم العودة الى نبذة تأريخية عن الحدائق العامة والمتنزهات في بغداد، حيث تشير المصادر التأريخية الى، أن عدد الحدائق العامة في بغداد في الخمسينيات خمس حدائق و(21) متنزهاً و(33) حديقة ومتنزهاً صغيراً و(9) للأطفال ومشتل واحد وغابة بعدّة دونمات.. ففي الكرخ كان سكانها يقضون أوقات فراغهم في عدد من الحدائق العامة، مثل يوسف السويدي التي تضم (969) نبتة، وحديقة مود بيسان في الصالحية، أما الكاظمية، فكانت تضمّ حديقة تحت الجسر الحديدي وحدائق الملكة عالية والرضي والأشتر.. أما في جانب الرصافة، فكانت حديقة الملك غازي التي افتتحها الملك عام 1937 وتم تغيير اسمها الى حديقة الأمة بعد ثورة الرابع عشر من تموز، وحديقة النجيبية قرب باب المعظم وحدائق جعفر العسكري وشهرزاد والوصي والملك فيصل الثاني، وفي الاعظمية حديقة المعرض العامة والنعمان وهيبة خاتون، وابي طالب والربيعين وحدائق بارك السعدون ومتنزه ابو نؤاس وغيرها، وكان هنالك اهتمام بتنظيم هذه الحدائق وهندسة زراعتها بشكل علمي، غير أن عدداً غير قليل منها، تحول الى مساكن وعمارات..
جولة ومشاهدات

أولى جولاتنا كانت في الكاظمية، حيث وقفنا امام متنزه (14) تموز، الذي كان يبدو خالياً فتحدثنا مع المواطن ابو عباس خضير الخزرجي الساكن في المنطقة المقابلة للمتنزه ليقول، لقد كان هذا المتنزه المتنفس الوحيد تقريباً، لعوائل الكاظمية، خاصة في محلات الانباريين وأم النومي والشيوخ والقطانة والدبخانة، حيث لا تتجاوز مساحة الدار الواحدة فيها في افضل الأحوال المئة متر مربع، وتسكنها اكثر من عائلة.. مضيفاً: أن المتنزه كان آية من الجمال بأشجاره وخضرته وما يضمّه من العاب للكبار وللأطفال مجاناً. مستدركاً: لكنه أهمل منذ التسعينيات وكما يقال لأسباب أمنية، وبرغم محاولات عديدة لإعادة الحياة له، إلا أنه لم يعد لسابق عهده عندما كانت المركبات وعربات النقل (الربل) تنقل العوائل والأطفال إليه خاصة في الأعياد كما أنه كان مكاناً مناسباً لقراءة الطلاب اثناء الامتحانات..
حديقة الزوراء لم تعد كافية

في حي الجامعة اصطحبنا أحد سكنتها بسيارته الى الطريق السريع الممتد من ساحة صلاح الدين الى مخازن الأدوية، وقال انظر لهذا الإهمال ألا يمكن أن يتم تشجير هذه المساحات الممتدة على جانب الطريق السريع وصولاً الى منطقة جكوك في الشعلة، حيث شاهدنا أن اجزاء من الرصيف الترابي تحوّل الى مرائب لشاحنات كبيرة وصهاريج وقود، وهو ما اشتكى منه سكنة المناطق من دون أن يستجيب لهم أحد. وأوضح المواطن همام كريم، بأن وجود هذه الشاحنات والصهاريج بهذه الطريقة العشوائية تجاوز بل أنه لايجوز حتّى أمنياً ولم نترك جهة إلا وقدمنا شكوى اليها سواء الفوج المسؤول عن حماية المنطقة أو المجلس البلدي !..
وأضاف كريم: تمت زراعة الجزرة الوسطية لهذا الطريق أكثر من مرة. مستدركاً: لكن مع الأسف لم يتم رعاية الأشجار، فمات بعضها والآخر كما تراه، يقاوم لكن بآخر الانفاس. موضحاً: أن هذه صورة حية عن الإهمال وعدم المبالاة والتقصير في استغلال المساحات الفارغة لتشجيرها وتوسيع المساحات الخضر في بغداد، وانشاء مدن العاب أخرى، فحديقة الزوراء لم تعد وحدها كافية!

بساتين تحوّلت إلى دور سكنية

في منطقة السبع ابكار والكريعات والفحامة والصليخ، تمتد عدد من المشاتل لبيع انواع الأشجار والشتلات، بعضها كانت بساتين اقتلعت اشجارها من نخيل واشجار مثمرة، لتباع قطعاً سكنية، ويقول المواطن ابو يوسف في شارع بلال الحبشي، يتحمل المواطن جزءاً من مسؤولية ما يحصل من تجريف للبساتين وتحويلها الى دور سكنية، مستغلاً ضعف تطبيق القانون والبحث عن الربح خاصة وأن الزراعة لم تعد تفي حاجة الفلاح وعدم وجود الدعم للقطاع الزراعي. مردفاً: بل أن عدداً غير قليل من المشاتل، تعتمد على استيراد الشتلات من الخارج، في حين كان يمكن لبلد مثل العراق أن يحقق الاكتفاء الذاتي في حاجته منها، إن لم نقل يكون مصدراً لبعضها !
ويضيف ,أن هنالك بساتين كانت تمتد حتى الى ما قبل 2003 على طول شارع بلال الحبشي في حي الربيع، تحول معظمها الى وحدات سكنية، ولا نعرف كيف!! لم يبق إلا بستان تابع الى أمانة بغداد، هو الآخر مهمل نسبياً ولم يستثمر بالشكل الصحيح، ليكون متنفساً لأهالي المنطقة وعوائلها.
فيما ذكرت المواطنة سهام محمود الساكنة في حي الصناعة / الصليخ :لا توجد حديقة عامة برغم وجود مساحات فارغة بعضها مستغل لنصب مولدات وأخرى جرداء. مسترسلة: أظن أن ليس هنالك من منطقة في بغداد، تخلو من فضاءات تصلح لإنشاء حدائق عامة، خاصة واننا نسمع عن تخصيصات بملايين الدنانير من دون جدوى!
أما سلام العبيدي من منطقة الاعظمية بيّن , كانت الجزرة الوسطية لشارع عمر بن عبد العزيز زاخرة بالزهور والأشجار، غير أن القوات الاميركية قررت قلعها بحجة زرع العبوات. موضحاً: أن امانة بغداد مشكورة، قامت قبل سنوات، بزراعة بعض الأشجار فيه لكنه لم يعد جميلاً كما كان، فالسمنت هو الغالب على هذه الجزرات.. مستطرداً: أما كورنيش الاعظمية فهو متنفس مناسب، ونتمنى أن تقوم امانة بغداد بتجهيزه بألعاب أخرى مقارنة لما في الحدائق الأخرى التابعة للقطاع الخاص، لأنها ترهق العوائل، فأسعارها مرتفعة! ويقترح تطوير الحدائق العامة في الوزيرية ..

ساحات ترتع فيها الأغنام
ما أن تصل سكة الحديد القريبة من جامع أم الطبول وعند مدخل حي الداخلية، حتى تشاهد منظر الأغنام وهي ترتع في مساحة ليست قليلة يمكن أن تكون حديقة، والأكثر مرارة رمي مخلفات تنظيف (الباجة) في الساحة.. وتساءل المواطن ثائر عبد الرحمن، ترى الا يمكن تشجير هذه المساحات الممتدة على طول محرم سكة الحديد.. مشيراً: الى وجود حديقة عامة بسيطة تحولت الى مخزن لشركة خاصة تنفذ مشروع تطوير الشبكة الكهربائية. مضيفاً: كما أن هناك ساحة صغيرة، كانت في السابق تضم زهوراً وشتلات، مقابل جامع الشواف، اهملت لم يبق فيها غير عشب أخضر، ومن المؤلم أن بعض المواطنين يرمون النفايات أمامها!
ويواصل عبد الرحمن ,فيقول، كان هنالك مدينة العاب صغيرة، اعطيت لمستثمر لم يستمر طويلاً فحولها الى مكان لنصب مولدة وانقاض. موضحاً: أن مساحات اخرى تمتد من محطة تجهيز الوقود في اليرموك الى نهاية الشارع بمحاذاة سكة الحديد، مستغلاً جزءاً منها القريب من محطة المجاري الى (سكلة) لبيع المواد الانشائية. متسائلاً: أما كان من الأجدى تشجيرها لزيادة المساحات الخضر في العاصمة.

متنزهان قيد التنفيذ

كما تقول أمانة بغداد، إنها بصدد تنفيذ مشروعين كبيرين لإنشاء متنزهين، الأول في الكاظمية قرب مستشفى الكاظمية التعليمي وبمساحة (2500) متر مربع والآخر وسط الشارع الرئيس الواصل بين بغداد والحلة مقابل علوة الرشيد، وبمساحة أربعة آلاف متر مربع ..

مقالات ذات صله