مشاهدات من عالم ” النفرات”.. قد تقدم لك الكيا و ركابها نظرة جديدة الى الحياة وألوانٍ إضافية غير الأسود والأبيض!

بغداد ـ لميس عبد الكريم
ان تستقل (الكيا) وتتنقل بين مقاعدها كل يوم هذا يعني انك تستكشف كل يوم عالماً جديدا لم تكن تتوقع يوما رؤيته على أرض الواقع , أناس كثر اثقلت الحياة كاهلهم وهناك من تشعر انهم جزعوا من ظلمها وآخرون صغار ما زالت الحياة ندية وباسمة في أعينهم , اباء يخرجون على مضض لتوفير لقمة العيش لأبنائهم , طلبة يراجعون دروسهم التي تقاعسوا عنها في البيت واخريات يتوجهن الى السوق لجلب ما تحتاجه مائدة الغداء واخريات عاملات تركن خلفهن مسؤوليات اكبر …مزيج غريب ومعقد يشكل في النهاية العالم الذي نعيشه والمجتمع الذي ننمو فيه ونكبر في ظله , مشهد ان تراقب الحياة وهي تسير امامك وتعرفك كل يوم على شخصية أخرى من شخصياتها قد تساهم في صناعتها هي او قد تغير فيها بعض الشيء يمنحك نظرة شعرية الى الحياة وأفق أوسع وامل جديدة وربما احياء رغبة الغور في اسبار الحياة اكثر.. سائق الكيا الذي تحول الى محاسب ماهر يكتشف من يراوغ في دفع الأجر في ثوانٍ , والذي فقد من انسانيته كثيرا بعد ما مر عليه أنواعا من البشر السيئين الذين جعلوه يفقد قدرته على التعاطف اذ لم يعد يؤثر فيه مشهد المرأة المسنة التي ترجعوه ان يسامحها في الأجرة او ان يخفف منها بعض الشيء ..

” النفرات” عالم واسع مفتوح يقدم لك في كل مرة عبرة جديدة او حكاية غريبة لم تكن تتوقع سماعها يوما وربما زاوية أخرى تنظر بها الى الحياة.. تعرف ان الحدية فيها غير موجودة وان هناك الوان إضافية في هذا العالم ليس الأسود اخرها ولا الأبيض افضلها، تعي ان الله خلقنا مختلفين لتسير دائرة الحياة بتوازن دقيق ومدروس

في احدى المرات التي استقلت فيها الكيا سمعتُ قصة كنت اظن انها من الممكن ان تنسج في الروايات او ان تصنع فيلما لكنها ليست من الواقع أبداً ! بعد انفجار الكرادة الكبير الذي حدث في شهر تموز من العام السابق وحالة الهستيريا التي اصابت المجتمع العراقي ككل وأهالي الشهداء على وجه الخصوص , روى احد الركاب الذي يعمل في إحدى المطاعم المطلة على أبو نؤاس انه انقذ ليلا حياة امرأة خمسينية كانت تنوي الأنتحار اذ القت بنفسها في المياه وفي هذه الأثناء شاهدها هذا الراكب الذي قفز وراءها فوراً لإنقاذها ليكتشف بعد ان اخرجها وأستعادت أنفاسها انها والدة احد الشهداء الذين فقدوا في هذا الانفجار ..ان تحيك الحياة قصة بهذه الدراما والأكشن والغرابة هذا ما لم اصدقه يوما , ولولا الخدوش والجروح في ساقي الراكب من جراء الزجاج الذي يترسب في النهر لما صدقت هذه الرواية ابداً.. أيعقل ان تكون الحياة مؤلمة الى هذا الحد؟
wrong side و” تقفيص”
من اجل تلافي الزحامات الشديدة يلجأ سواق الكيا الى الغش والتلاعب واختيار الطرق ال (wrong side) للتخلص من السيارات التي تصطف على مد البصر واخص بالذكر هنا معضلة جسر الجادرية الذي من فرط تفكيري به ومروري عليه على مدى 5 سنوات وكم السيارات التي اصطفت عليه بت اشك انه قد ينهار ذات يوم ونجد انفسنا ونحن نعوم في مياه دجلة او نتسكع في بساتين النخيل وننتظر مرور القطار وهو يخدش السكة الحديدية ! لذلك ال wrong side هي الحل الأمثل لأصحاب الكيا فترى ان طريق الأياب اصبح ذاته طريق الذهاب وسط ذهول رجال المرور الذين يكتفون فقط بمراقبة ما يحدث بأعصاب مشدودة وأيد مكتوفة لا تستطيع التعامل مع هذا الكم الهائل من السيارات ..اليوم الثلاثاء اثناء مروري بشارع المطار الى جسر الجادرية كان الطريق ” ولا أروع من كده” الجو جميل ولا اثر للزحام رجال المرور وعميدهم كلهم مصطفون عند مدخل الجسر وكلا يسير في طريقه بسلام.. عرفت حينها ان هناك مسؤولا ينوي المرور من هنا! التفسير المنطقي الوحيد الذي يأتي في بالنا في هكذا حالات
اما عن ” تقفيص” اصاحب الكيا واستغلالهم لزحام جسر الجادرية الخانق هو فرضهم تسعيره الـ” الف دينار عراقي ” على أي مكان تتوجه اليه سواء كان طريقك خطوة ام خطوتين ام عشرة الاف خطوة ! ان اعجبك اهلاً وسهلاً وان لم يعجبك فانزل واغلق الباب برفق!

متاعب أصحاب الكيا
المفوض ابو أحمد حين سألناه عن اكثر السائقين الذين يرتكبون المخالفات المرورية فأجاب مبتسماً بسائقي السيارات انما بالثقافة المرورية عندهم ,ونحن نواجه صعوبة ومتاعب من أصحاب سيارات (الكيا) وهم لا يحترمون الشارع والحل الوحيد لردع تجاهلهم وكسرهم الإشارة المرورية والتكلم بالهاتف وعدم ارتداء حزام الأمان هو كتابة المخالفات لهم وبسعر,30 ألف دينار وبالتالي يرجعون الينا ويرتدون الحزام ويبدأون بالاعتذار .
ابو احمد يضيف : عند ممارسة مهنتي يصادفني العديد من الشخصيات التي تعترض على أداء واجبي وهم جمعيهم من منتسبي الأجهزة الأمنية ، وعند محاسبتهم تبدأ المشاكل مثل إبراز الهوية أو الكشف عن منصبه ورتبته . وأقولها بصراحة اننا نجد من الأطباء أو غيرهم ومن شخصيات اخرى ومنهم الفنانون ( لا يحترمون رجال المرور في الشارع ). ايضاً والمثقفون والرياضيون وهم معروفون فى المجتمع، يلتزمون بالقواعد والسلامة المرورية .وأنه بالرغم من الحالات الشاذة التي تصدر من قبل بعض الأشخاص بحق رجل المرور نتيجة لتأدية واجبه والتي تصل أحيانا الى الإهانة والضرب الا هناك الكثير من المتعاونين والذين يتمتعون بثقافة القيادة.
وهناك من يتعرض للتهديد العشائري كما حدث مع الكثير من منتسبي رجال المرور ، ومنها ما حصل في تقاطع أكاديمية الفنون حينما قام بتسجيل غرامة لسائق سيارة نوع (كيا) بينهما قام المخالف بتهديد ً بسبب مخالفة وقعت عليه وطالب بإلغاء المخالفة، رفض رجل المرور ذلك ما ولد شجارا عشائريا وفعلا عندما عاد رجل المرور الى بيته وجد هنالك ¬بما يعرف بالمصطلح العشائري (اكوامة) تطالبه بالمجيء الى بيت السائق لدفع تعويضات تترتب علية وفق قانون العشائر. لذلك يلجأ رجل المرور الى الغرامات الخفية لتجنب الوقوع في مثل هكذا أمور قد تحدث له أثناء العمل.
ظاهرة تدخين السكائر
يشكو علي كاظم (صاحب محل لبيع المواد الكهربائية) لركاب الكيا من الزحامات التي تتسبب في تأخيره للوصول الى المحل إذ قال: ان التأخير الذي أعيشه يومياً أدى الى عدم وصولي الى مكان عملي الذي أعتبره مصدر رزقي الوحيد ، ما جعل أكثر زبائني يتركوننا عندما يجدون المحل مغلقاً، الامر الذي أدى الى هروبي وانا غاطس في الزحامات الى اتباع حالة يذمها اغلب الركاب وهي تدخين بعض السكائر من الهم والغم الذي أحس به، ولكن في احيان اخرى وانا في هذه الوضيعة المحاصرة يأتيني الرزق حين اعقد صفقة تجارية من خلال حديثي عن عملي في بيع المواد الكهربائية في الكيا لأجد بعض الناس الذين يرغبون بشراء بضاعتي ليأخذوا عنوان محلي أو رقم الهاتف لمتابعة عملية الشراء مني فيما بعد عند قدومهم.

النوم المريح
بينما يحاول محمد حكمت (طالب جامعي) اتخاذ اسلوب النوم في السيارة اثناء حصول الاختناقات المرورية التي يعلمها مسبقاً اثناء ركوبه السيارة من أجل الوصول الى كليته حتى لا يشعر بهذا الملل الذي ينتاب الركاب الجالسين بقربه ما جعله ملاذاً آمناً للتخلص من هذه الوضعية المزرية التي وصلنا اليها، وعند اجتيازهم الزحامات فان أكثر الركاب يوقظونه من نومه المريح خوفاً عليه من ابتعاده عن مقصده الذي يروم الوصول اليه، ويروي محمد انه وقع في مواقف مضحكة كثيرة عندما يصل الى نهاية الخط ثم يوقظه السائق ليعود معه يقظاً الى كليته في منتصف الطريق وسط الضحكات التي يسمعها من السائق ومساعده
التثقيف الاجباري
* في حين تقوم زينة علي (موظفة) بقراءة الكتب التي أصرت على اصطحابها معها اثناء الذهاب الى الدوام وتقول: من كثرة هذه الزحامات المملة التي تصادفنا يومياً آثرت على اصطحاب كتاب بشكل يومي لغرض اشغال نفسي به حتى لا اشعر بهذا الانتظار الذي لا مناص من التعايش معه، وأصبح حالة أشبه بالطبيعية وقد تعايشنا معها وصار الكتاب لا يفارق يديّ عند الصعود في السيارة، حتى ساهمت في زيادة اواصر الصداقة مع النساء اللواتي يجلسن معي عند الاستفسار مما أقرأ في السيارة التي أدت في يوم من الايام الى ان أصبح زوجة لأخ إحدى النساء، بعد ان توسعت معرفتي بها من خلال الموبايل والزيارات العائلية.

مقالات ذات صله