” مسرح لالش ” رؤية عراقية كونية للعالم ومشروع يسابق فيه الصوت الجسد

بغداد _ متابعة

تتركز نشاطات ” لالش” على تأهيل المشاركين وطلبة المسرح من خلال تمرينات تشمل الصوت والإلقاء وحركات الجسد.

أيّهما منبع ومحرك للآخر في المسرح، الجسد أم الصوت؟ ثمة اتجاهات مسرحية تقدم الأداء الجسدي على الأداء الصوتي، وأخرى تساوي بينهما. الأولى أولت اهتمامها بالأداء الجسدي كردة فعل على طغيان الجانب السمعي، وتعلقا بأصول المسرح، وافتتانا بينابيعه الطقسية والأسطورية وخاماته البدائية التي أجهضها أو شوهها المسرح التقليدي واللفظي ومواضعات المنطق والعقل، وغير ذلك.

وقد تبناها مسرحيون مجددون ومتمرّدون وطليعيون ابتداء من أنتونين آرتو، وليس انتهاء بروبرت ويلسون. وصار ضمن اهتمامات الحركات المسرحية ما بعد الدرامية، وما بعد الحداثية التي جعلت من الممارسة المسرحية نقطة انطلاق استفزازية لفهم العلاقة المعقّدة بين المسرح والجسد. أما الثانية فقد وازنت بين التعبير بالصوت والتعبير بالجسد في التمثيل وصياغة العرض المسرحي وهي تشكّل النمط الأكثر انتشارا في مسارح العالم.

هناك مسرحيون، اليوم، يحاولون جعل الصوت منبعا ومحركا ودافعا للجسد، ويعملون على أساس أن الصوت والغناء ليسا للسمع فقط، بل للرؤية أيضا، بوصفهما حدثا دراميا، يضفيان على المسرح تقنيات وأساليب تشغيل عديدة. من هؤلاء المسرحيين شامال عمر وزوجته نيكار حسيب قره داغي، وهما نمساويان من أصل كردي عراقي أسسا في فيينا عام 1998 مختبر مسرح “لالش”، الذي يشير اسمه إلى معبد للديانة الإيزيدية في شمال العراق، ويعني الحياة المنوّرة.

وجاء هذا المختبر في أعقاب فرقة المسرح التجريبي التي أنشآها عام 1992 وقدّما من خلالها عروضا عديدة في المدن النمساوية، وفي ألمانيا وهولندا والدنمارك وسويسرا وبريطانيا. وتمكنا بعد عامين من تحويل المختبر إلى مركز للبحث المسرحي، ولثقافة الكفاءة المسرحية، في مسعى لترسيخ مفهوم “معرفة الصوت” عبر المحتفل، المراقب المشارك، بدلا من المفاهيم السائدة حول الممثل والمخرج والعرض المسرحي.

عمل في مركز “لالش” فنانون ينتمون إلى ثقافات ومجتمعات متعددة كالكرد والعرب والألمان والنمساويين والفرنسيين وغيرهم، وعرض تجاربه المسرحية في عدد من مسارح العالم، مثل مسرح “دوم بيير” الفرنسي، و”غوت هارد” السويسري، وبرلين الألماني، و”إكوهاما” الياباني. أما في النمسا فإن نشاطاته تتركز في مجال تفاعل الحضارات (التواصل الثقافي)، وتأهيل المشاركين وطلبة المسرح من خلال تمرينات تشمل الصوت والإلقاء وحركات الجسد.

تقول نيكار، في حوار صحفي حول أهمية الصوت في المسرح “إن الأصوات والأغاني هي التي تخلق حركاتنا من دون أن يعني ذلك أن حركاتنا تفسر أغانينا، لذلك فكل أغنية وكل حدث صوتي يحملان في داخلهما إشارة دقيقة إلى نقطة متحركة في الجسد، أي أن الجسد يتعامل مباشرة مع حياة الأصوات، ويصبح عملها عضويا بدلا من أن يكون تكنيكا بحتا. إن الحدث الصوتي لا يعني أن يصبح الجسد جزءا من الصوت، أو يصبح الصوت جزءا من الجسد، بل يشكلان وحدة واحدة لأنّ الوحدة هي المصدر الأصلي للتعبير، ومنبعا للإنسان المحتفل، وعليه فهما لا يمثلان، بل يحتفلان”.

فيما يقول شامال “إن الحركة ليست وحدها هي الحامل الوحيد لتاريخ الشخص، أو أنها هي المعبّر الوحيد للفعل الإنساني كما يراها مسرح اليوم كدافع للعمل الجسدي. أما الصوت فلا يُقصد به ما جرت عليه الاستخدامات التقنية المختلفة في المسرح الحواري والأوبرا والمسرح الغنائي الموسيقي، ولا حتى التجارب المسرحية الجديدة التي يُستخدم فيها الصوت عبر المكبرات الصوتية والتقنيات الجديدة الأخرى”.

ويضيف شامال قائلا “الصوت والغناء في مفهومنا ليست غايتهما تعميق الفعل الدرامي ولا يميلان إلى المونتاج المشهدي أو ينحوان نحو التغريب المسرحي، أنا أتحدث عن الصوت كأنني أتحدث عن كائن حي. نعم هو كائن حي، هو أنا، هو نحن. من هنا ندخل في مغامرة صوتية، ونسميها الصوت ينبوعا ودافعا ومحركا للجسد، ينبوعا للحدث الفيزيقي يخلق الإيقاع والحدث”.

في عام 2004 نقل شامال ونيكار أول تجربة مسرحية لهما، وهي “أرض الرماد والأغاني”، إلى العالم العربي من خلال مشاركتهما في الدورة السادسة عشرة لمهرجان القاهرة التجريبي، وكانت التجربة تطبيقا للمنهج الذي تبنياه واتسمت بكونها تجربة مختبرية (أدتها ممثلتان، إحداهما نمساوية والأخرى سنغافورية من أصل صيني) تقوم على بنية صوتية مطلقة، تشكلت أنساقها من نغمات مختلفة تحكمها مرجعيات اجتماعية وإثنولوجية متعددة، من دون أن تربطها “نصية” مسبقة وواضحة، بحيث اختلط فيها الارتجال آنيا مع الإرسالية المقصودة لتتابع الغناء حينا وللنغمات ومساراتها اللحنية حينا آخر.

وفي الدورة التالية للمهرجان (عام 2005) شاركا أيضا بتجربة ثانية عنوانها “بدایة الحدیث”، من أدائهما إلى جانب ممثلة نمساویة، كان فیها من الحساسیة الجمالیة وروح الشعر والغنائیة العالیة ما یجعلها تحظی بتلقٍّ رصین، فهي تجربة تذکّر ببساط بیتر بروك، وخشبة دانتشنکو، حیث تجري الواقعة الفنیة بحضور طرف یشاهد الفعل الفني، قطعة قماش بیضاء ناصعة وبضع أدوات تستدرج من الروح هذا النثیث السمعي الذی ینبثّ فی أقاصي الذاکرة الصوتیة لجماعة بشریة انطفأ کونها منذ أمد بعید، لكن ومیض جرسها بقي عنیدا علی الفناء لیعید إنتاج کینونته مع کل دورة حضاریة.

وكانت التجربة الأخيرة لشامال ونيكار في هذا المهرجان عام 2008 هي مسرحية “بلا ظل”، التي قدماها أيضا في مهرجانات دولية للمسرح في النمسا، اليابان، أوکرانيا، کوسوفو، اليونان، بلغاريا، البوسنة، بولندا، ومقدونيا، وقد أتيحت لي فرصة مشاهدتها في عمّان ضمن عروض مهرجان المسرح الأردني السابع عشر عام 2010.

تقوم هذه التجربة علی بنية صوتية مطلقة تتشكل من لغة مبتكرة تقع خارج نسق العلامات اللسانية المألوفة، التي تشير إلى مدلولات ثقافية محددة، وقد جاءت التجربة نتيجة بحوث عملية مختبرية معقدة بهدف الوصول إلی ينابيع إنسانية شتى، واستثمار وحدات وإيقاعات صوتية نادرة، بل معرضة للانقراض من مختلف الثقافات البشرية وصهرها في صيغة جديدة عبر أنساق صوتية قابلة لتأويلات عديدة.

ومنذ ذلك التاريخ واصل مسرح لالش تقديم تجاربه المبهرة، مثل “حديقة الأحلام” في النمسا، إيطاليا، ألمانيا، والمغرب عام 2014، “باب الرمل” في السويد وألمانيا عام 2015، و”صوتي هو ذاكرتي” في النمسا عام 2016.

مقالات ذات صله