ما بين الحدث والشخصية …القصة و الرواية وجهان لعملية سردية واحدة

بغداد_ متابعة

إلى وقت قريب كانت الرواية تُعرَّف بأنها قصة طويلة، والقصة القصيرة رواية قصيرة، بل ما زالت الرواية في كثير من المراجع والكتب تندرج تحت مسمى القصة من حيث التصنيف، للتفريق بينها وبين الشعر والمسرحية وغيرها من فنون الأدب. غير أن التطور المتسارع في كلا الفنين (القصة والرواية)، والتمرد على قواعد كتابتهما وقوالبهما الأكاديمية، والنزوع إلى التجريب عند كثير ممن يكتبهما، أثار جملة من التساؤلات عن العلاقة بين القصة القصيرة والرواية، وهل بقيت أي مصداقية للرأي الكلاسيكي السابق؟ أم هما فنان مختلفان لكل منهما شخصيته واستقلاليته؟ حول هذه الإشكالية جاءت آراء مجموعة من مبدعي القصة والرواية وكذلك النقاد ..

بداية يقول القاص والروائي «إبراهيم درغوثي» .. تشترك القصة القصيرة والرواية في فن السرد عامة، أي إنهما وسيلتان إبداعيتان يستطيع الكاتب من خلالهما تبليغ رسالة سردية، تُحاكي الواقع وتعبر عنه، ولئن اتفق هذان الفنان في أُسّس الكتابة، فإنهما يختلفان في شكل الإبلاغ وطريقته، فلا القصة القصيرة رواية قصيرة، ولا الرواية قصة طويلة؛ لأن القصة هي فن الإيجاز البليغ الذي يترك للقارئ فرصة تخيل النهايات الممكنة والمستحيلة، بينما الرواية هي القول على القول حد الإشباع والتخمة. القصة القصيرة باب يفتحه السارد، وهو يختار من الكلمات ما يرصّف به جدار القول القصير بتأنّ وتؤدة، فلا مكان لكلمة خارج إطار البناء السردي، ولا لجملة تشرّع للاستطراد في الزمان والمكان ولشخصيات لا محل لها في الإعراب، بينما الرواية هي فن التوسّع في البناء حتى الآفاق البعيدة لممكنات اللغة السردية. في هذا الشكل لا يمكن للقصة القصيرة أن تكون رواية قصيرة؛ لأن للرواية القصيرة شروطها الإبداعية الخاصة، وتقنيات كتابتها ومجازاتها القولية وانزياحاتها البلاغية التي تشترك في جوانب منها مع القصة القصيرة، ولكنها تختلف عنها في جوانب أخرى. كما لا يمكن للرواية أن تكون قصة طويلة؛ لأنها ستكون قصة مترهّلة بما لا تحتمل من إضافات يمكن الاستغناء عنها عند القيام بعمليات التشذيب والحذف. إن للرواية شروطها الفنية الخاصة بها، كما للقصة القصيرة شروطها، يأتلفان فيها ويختلفان، لتظل لكل واحدة منهما نكهتها الخاصة التي تميزها عن الأخرى.

ويرى القاص والروائي وكاتب أدب الأطفال «محسن يونس» الأمر قائلاً .. أكتب القصة القصيرة، وكذا الرواية للكبار والصغار، ولا أجد نفسي منحازًا لأي من الوجهتين، المسألة عندي هي الرضوخ لرؤية ما تظل على إلحاحها المتواصل، حتى تتحقق كتابة، فتراها إما قصة أو نصًا روائيًا. فالعمل الروائي لا يختلف عن القصة القصيرة، فهما ابنان شرعيان للسرد. يمكننا اختصار المسألة في أن أحدهما يميل إلى القبض، بينما الآخر يميل إلى البسط، قدرة الأول – القصة القصيرة- على الاختصار، والتحديد، وقص لسان الفضفضة، إلى جانب قدرته على طرح رؤيته من خلال التركيز، بعكس الثاني – الرواية – فقدرته تأتي من قيمة الفضفضة غير المجانية، المحكمة بمشهدية قادرة على تعدد أطياف المجاز، والخيال المرتبط، مع ذلك، بالوحدة والتنوع داخل المتن. ما وصلت إليه توًا يقول بأن الابنين الشرعيين للسرد، ليسا توأمين، يتشابهان في الملامح والمشاعر والانفعالات، بل هما مختلفان، وينبغي عليهما أن يكونا مختلفين، لكل منهما شخصيته التي تقوم عليها جادة الاختلاف، ومشروعية كل منهما على التجريب في المستحيل ذاته.

ويرى القاص والروائي «عدنان فرزات» أن كل من القصة والرواية ينضويان في النهاية تحت غطاء السرد، أي أنهما من جنس أدبي واحد، والذي حدث في السنوات الأخيرة، هو اختلاط السرد القصصي – تحديدًا – بالخاطرة، فكثيرون يكتبون خاطرة معتقدين أنها قصة قصيرة. وهنا المشكلة أكبر من أي تقارب بين القصة والرواية، ولكن في المفهوم الفني، لا يمكن اعتبار القصة رواية قصيرة أو «مكثفة»، ولا يمكن اعتبار الرواية قصة طويلة، لأن لكل واحدة منهما غلافها الفني الذي يؤطرها، وإن كنتُ ضد تحديد عدد الكلمات لكل منهما حتى يستحق اسمه. الرواية أحيانًا يمكن اختزالها بعدد كلمات أقل مما يشترطه الصارمون في تحديد جنس الرواية وفق عدد الكلمات. لذلك هؤلاء فقط هم الذين يعيدون الرواية القصيرة إلى خانة القصة الطويلة. كذلك بالنسبة للقصة القصيرة، فهي ليست رواية مكثفة، إنما هي حكاية تبدأ وتنتهي بحدث واحد على الأغلب، وبشخصية واحدة أو عدد قليل جدًا من الشخصيات. من الظلم أن نبدل التسميات أو «نكيفّها» بين فنين مختلفين لا يجمع بينهما سوى رداء اسمه السرد، وبإمكانك أن تقول: سردًا طويلًا أو سردًا قصيرًا، ولكن ليس بوسعك أن تطلق مصطلحًا آخر من شأنه أن يكون مجحفًا بأحد الفنين.

الرواية هي الأخت الكبرى للقصة القصيرة، إن صح التعبير، الأخت الكبرى لديها عمق وتجارب في الحياة أكثر، ولكن هذا لا يقلل من شأن حكاية الأخت الأصغر التي تحكي بإيجاز ما حصل لها أمس أو اليوم، وليس على مدى سنوات مثل الأخت الكبرى.

ويقول القاص والروائي «محمود الريماوي» إن هناك بطبيعة الحال عناصر مشتركة بين القصة القصيرة والرواية، فهما ينتميان معًا لحقل السرد، وليس هناك بين ألوان التعبير ما هو أقرب من القصة إلى الرواية أو الرواية إلى القصة. كتب كثير من القاصين روايات، وكثرة من الروائيين كتبوا قصصًا (ماركيز، كافكا، همنغواي، نجيب محفوظ، يوسف إدريس) لكن هؤلاء وأولئك لم يكتبوا مسرحًا، مع أن النصوص المسرحية تنتمي أيضًا إلى عالم السرد. تضم الرواية حكايات وقصصًا قصيرة، لكنها ليست قصة طويلة. كان هذا التعريف واردًا في النصف الأول من القرن العشرين، قبل أن يتم التقعيد ــ وضع واعد ــ وضع قواعد) للرواية. فقد كانت الرواية توصف بأنها قصة طويلة، والمسرحية تُنعت على أنها رواية. قد تحمل القصة ملامح الرواية إذا كانت تضم حشدًا من الشخوص، أو تتناول فترات زمنية طويلة في حياة الشخوص، أو تمعن في وصف المكان، أو إذا كان حجمها يمتد إلى بضعة آلاف من الكلمات. لكننا نصفُها كما هي بأنها قصة ذات سمات روائية. يوسف إدريس مثلا كتب قصصًا من هذا النوع، وكُتبت قصص أمريكية حديثة بعد عام 2000 تحمل هذه السمات. وهناك أيضا الرواية القصيرة (نوفيلا) وهذه تجمع بين سمات فنّي القصة والرواية. بيد أن القارئ في النهاية ــ لا الناقد الصارم أو الأكاديمي المختص ــ يبحث عما يثير المتعة الفنية لديه، بصرف النظر عن التسميات والتصنيفات. ولا أحد يلومه.

وفي الأخير .. ترى الناقدة والأكاديمية «فاطمة نصير» أن نقطة التقاء القصة والرواية تكمن في أنّ كلتاهما تنطويان تحت قبّة السرديات، أمّا خارج هذا الحيّز فكلّ بحث عن عرى وثقى بين القصة والرواية عبث منسلّ من غياب الرؤية بكلتيهما كنمطين سرديين، إذ لكلّ منهما خصوصيته الفارقة عن الآخر، وعليه لا يمكن اعتبار «القصّة القصيرة» رواية قصيرة، ولن تكون «الرواية» في أيّ حال من الأحوال قصة طويلة، لعدّة اعتبارات لا يسهل حصرها، أهمّ تلك الاعتبارات، البناء اللاّمتماثل بين النّص القصصي والنّص والروائي، وكذا التحوّلات المتسارعة في صياغة النصوص الروائية من جهة، والنصوص القصصية من جهة أخرى، التي صارت أكثر انحرافًا عن المعيارية، بل أكثر تمرّدًا عن التقيّد بقوالب مشتركة في إخراج النصوص، وذلك أحد آثار الخلخلة الحداثوية في السرديات بشكل عام. فإن كانت الروايات الكلاسيكية تنهض على مكوّنات مشتركة، والقصص القصيرة يستقيم عودها على شبه مخطط موحّد البنى والمكوّنات، وتظلّ التغييرات تطال فقط المضامين بمستويات متفاوتة، ولطالما اشتركت الروايات الكلاسيكية حتى في النهايات، ذلك ليس عيبًا أو قدحًا في النّصوص الكلاسيكية، وإنّما إشارة وتوضيحًا بأنّ ما يحدث على مستوى حقل السرديات (الرواية القصة القصيرة)، تحوّلات مزّقت البنيات وفكّكتها، وهدمت الصياغات الجاهزة والقوالب المتفق عليها، وأعلت من شأن حضور الأسئلة والإشكالات النارية الحارقة في النصوص القصصية والروائية على حدّ السواء. إن الرواية يمكن اعتبارها معادلًا موضوعيًا للحياة من خلال الحركية والتموّجات المتداخلة في نصّ واحد، كما أن فضاء الصفحات في الرواية يتيح للكاتب أن يفرّع الموضوعات والأسئلة من بعضها بعضا، بينما القصّة القصيرة محدودة الصفحات والكلمات، يتمّ طرحها بشكل مكثّف مع عدم وجود مساحة كما الرواية.

مقالات ذات صله