ماذا بعد الخضراء؟ أتوجد “طبقة ثالثة”؟ // عادل عبد المهدي

كثرت محاولات الدخول “للخضراء”.. فما الهدف؟ الضغط على الحكومة لاصلاحات محددة؟ الاتيان بحكومة جديدة؟ العمل كما فعلت “الطبقة الثالثة” في فرنسا باسقاط مجمل النظام واعلان نظام جديد؟ ام التخريب والفوضى والنهب، والعمل لصالح اجندات اجنبية وبقايا النظام السابق و”داعش” وفتح جبهة خلفية لتخفيف الضغط عن الجبهة الحقيقية؟

لعله خليط من ذلك.. فيسعى من يريد الضغط على الحكومة مع المطالبين بتغييرها، فيصطف جمهور وتنظيم، او اكثر، مختلفين في الاهداف، دون ان يعلم الاول باهداف الثاني فيعتقد ان هذا هو جمهوره، فيزداد ثقة بنفسه وبقدرته على التصعيد.. ويصح الامر على عملاء التخريب والارهابيين فيستثمرون الحراك الوطني للوصول لاهدافهم.

لن ينفع الضغط على الحكومة او اسقاطها عبر اختراق “الخضراء” والتصادم مع “الامن” لمن يريد البقاء في اطار النظام والديمقراطية.. لا تقول بذلك قوى “التحالف” و”الكردستاني” و”العراقية” و”الوطنية”، او قد يقوله البعض، ولكن سراً؟

قد يقارب البعض الوضع ومقدمات الثورة الفرنسية 1789-1791. ففي اوضاع مالية صعبة وحكومة مهزوزة، أعلنت اصلاحات جديدة منحت بعض الحريات (ترافقها فوضى عارمة). فاجريت انتخابات الجمعية الوطنية (1789) بحماس شديد.. وفق نظام انتخابي، للذكور دون الاناث، ولما فوق 25 عاماً، ويشترط الاقامة في فرنسا ودفع الضرائب على الاملاك.. فلا صوت لمن لا املاك له. وكانت النتيجة انقلاباً.. ففاز 291 من النبلاء (الارستقراطيون والاقطاع) و300 من رجال الدين (الكنيسة)، و610 من “الطبقة الثالثة” (عامة الناس)، التي عرفها القس “ايمانويل سييس”، بانها تمثل كل شيء لم يتم تمثيله في النظام السياسي قبل الانتخابات.. وبالفعل انشق اعضاء “الطبقة الثالثة”، واعلنوا انفسهم “البرلمان الفرنسي”، باسم الشعب وليس باسم النخبة (المحاصصة عندنا).. وانضم اليهم عدد من رجال الدين والنبلاء. وبدأت الجماهير بمهاجمة قصور النبلاء والاقطاعيين وصولاً لمهاجمة “الباستيل” وقصر “فرساي” و”توليري”. فدعوات اسقاط الدستور وتزوير الانتخابات عندنا تحمل نفس مباني وسياقات “الطبقة الثالثة”، وهماً او حقيقة، اقتباساً او مصادفة.. هؤلاء نصف وجودهم في النظام القائم ونصفه خارجه. يدينون السياسيين، واحياناً الدينيين، كما ادانت “الطبقة الثالثة” النبلاء ورجال الدين. وستبرهن الايام ان كنا فعلاً امام “طبقة ثالثة”، وما يشترطه من وعي وحالة نوعية جديدة ارقى من القديمة. فـ”الطبقة الثالثة” انتجت الثورة الفرنسية بابعادها الوطنية والانسانية، فهل وفرت “الطبقة الثالثة” (إن كانت موجودة فعلاً) شروط نجاحها، ام انها مجرد صراع اخر، واسقاطات، وثارات سياسية، وحالات فشل سابقة؟

يبقى انصار الفرهود واعداء النظام، والارهابيين.. وجوابنا: هل اصبحت السياسة بهذه السذاجة بحيث لا يمكن الفصل بين المصالح والاهداف؟ والاصدقاء والاعداء؟ وهل الخلاف مع الحكومة (وهو خلاف جدي وحقيقي ومخلص عند كثيرين) يتطلب التعامل معها باقسى من التعامل مع الاعداء، والانشغال بها اكثر من الانشغال بجبهة الاعداء، وتوجيه الانظار اليها اكثر من توجيه الانظار الى الاعداء. هل تفكر القوات، و”الحشد الشعبي والعشائري” والبيشمركة ان الدخول الى الخضراء هو اهم من الدخول الى “الشرقاط” و”الموصل”.. هل يصعب الربط بين الهجوم على الكرادة وسيد محمد (ع) وانتصارات الفلوجة؟ اليس في ذلك رداً على تدمير العربات المتسللة لخارج الفلوجة؟ من قال ان الـ800 عربة كانت متوجهة الى الصحراء، وهناك تقارير تقول ان الهدف كربلاء بما اسمي “غزوة رمضان”.. قد لا يكون هذا او عكسه صحيحاً، فبغياب المعلومات الدقيقة، فعلى المرء ابقاء الاحتمالات، وعدم غلقها، الا بالدليل القاطع.

لقد سقط “فرساي” و”الباستيل” واعدم لويس السادس عشر وماري انطوانيت.. وسقط قصر الشتاء وقيصر روسيا في اكثوبر 1917.. وقُتل المرحوم فيصل الثاني في قصر “الزهور” في 14/7/ 1958.. والمرحوم عبد الكريم قاسم في وزارة الدفاع (مكتبه الرسمي) في 8/2/1963.. فاسقاط رمز الحكومة هو البيان رقم (1) لسقوط النظام.. والخضراء –للاسف الشديد- ورغم الدعوات للخروج منها صارت تمثل رمز الدولة والحكومة. لذلك سيبقى الارتباك، وستتهم كل النوايا ان لم تفرز اوراق القوى الصالحة والصديقة، والتي تريد البقاء في اطار الانتخابات والعملية الديمقراطية.. ومن يريد التخريب والنهب والارهاب، واحلال بديل اكثر ايلاماً ودموية وتخلفاً.

مقالات ذات صله