كونه سحرا لدى المبدعين … تجارب الكتاب مع الليل العالم السري للكتابة والاستعارات

 

بغداد_متابعة

في اللَّيْل تهيجُ مواجِعُ الكونِ ويزدهر فيه المحوُ: محوُ الأشكالِ والأصواتِ والخطاباتِ والأمكنةِ، فلا يُرى ما يجب أنْ يُرى ولا تبقى فيه سطوة إلاّ لظُلمةٍ تُقطِّرُ في صمتٍ ذكرى وُحوش الحكاياتِ القديمة وهي تصهل في أخيلةِ الناسِ، وتملأ كياناتِهم بالخوفِ والهواجسِ والمُكابدةِ. ولكنّ لليلِ سحرًا لدى المبدعين، فهو واهبُ عزلتِهم، والعزلةُ في عُرفهم صفاءٌ يُحرِّرُ أفكارَهم من أنظمةِ الرقابة النهارية، ويمنحهم القدرة على قراءة ذواتهم في اتصالها بما حولها. إنه منبعُ تخييلهم، وجسرُهم الخفيُّ للعبورِ إلى فجرِ استعاراتهم.

ولتعرُّفِ علاقة المبدع العربي بالليل يتحدث وجدي الأهدل روائي يمني , “حين أقرر أن أكتب في الليل، فهذا يعني أني قد بلغت الحضيض الأسفل من اليأس والإحباط، وأنه لم يعد أمامي سوى الاستعانة بصديقي «الجني» الذي يحضر في الليل، كما هو معروف عندنا نحن معشر المجانين، الذين نفغر أفواهنا بانتظار الإلهام.

وهذا «الجني» اللطيف يحضر أحياناً، وأحياناً يبدو أنه مُلتهٍ بمشاهدة فيلم هندي، أو بتقمص جسد قط أسود ليتلصص على النساء. وعلى كل حال، أنا لا أطلبه بصورة فظة، ولكنني أتركه على مزاجه، ويكفي أن أفكر فيه لكي يعلم أني بحاجة إليه. وهذا الصديق ليس كما تتصورون، إنه يهبني حفنة من الأفكار الغامضة، أو أشتاتاً من كلمات لا معنى لها، ويغادرني وعلى ثغره ابتسامة خبيثة، ولا مرة واحدة أوحى لي بنص كامل، إنه ملعون تماماً، واستخرج منه ومضات الإبداع بصعوبة بالغة كمتسول ذليل.

ولكي لا أنسى الأشياء التي يهذي بها، فإني أُسارع بتدوينها في جذاذات، وغالباً ما أحمل القلم وأجري به على الورق في الظلام، لأنه يتضايق من الضوء، فيأتي الصباح، وأنا أدعو الله أن أتمكن من قراءة خطي.

أمضي النهار في محاولة فك تلك الطلاسم، وكأنني مفسّر أحلام أو عالم حفريات وقعت بيده عظمةُ حيوان انقرض منذ ملايين السنين. يبدو الأمر مخيفاً في البداية، وبالذات إذا كان الإنسان يتكلم مع نفسه بصوت عال. ولكن بالتدريج يتعود الأهل والجيران، وأنت نفسك على سماع الشخصيات وهي تتكلم وتتجادل وتتبادل السباب.

اما ممدوح فراج النابي  ناقد وكاتب مصري يؤكد , لا أزعم أنني صاحب طقوس بالمعنى الحرفي المتدوال بين أوساط الكُتَّاب، أثناء حواراتهم عن طقوس الكتابة واستعدادتهم لها، وكنت أتعجب جدَّا من طقوس بعض الكتاب أثناء عملية الكتابة، خاصة ما كان يفعله أرنست همنغواي؛ حيث كان يكتب واقفًا. وهو ما دفعني للكتابة عن العالم السري للكتاب وطقوسهم الغريبة في الكتابة، والحقيقة أنني رأيت عالمًا مهولاً وغريبًا ومتناقضًا يجمع بين الدقة والصرامة، والنظام والفوضى، الوعي واللامبالاة. ومن الأعاجيب أنه في مرة من المرات سألني أحد الأصدقاء عن المنبّهات التي أتناولها أثناء استجداء مخاض الكتابة. أشرتُ له بأنني لم أفهم السؤال، فأوضح:»يعني، ثم ضحك!» ففهمت، وما أن أجبتُ بلا، حتى نزل قولي عليه غريبًا. أعترف أنني اعتبر نفسي بلا خصوصية في أي شيء، سوى عادة الكتابة وأنا جالس على الأرض، والتي لا أعرف لماذا ارتبطتُ بها.

ومن عجائب الصدف أنني اكتشفت أن الشاعر الأمريكي من أصل صربي تشارلز سميك، كانت لديه عادة قريبة من عادتي، حيث كان يكتب وهو في السّرير، وأحيانا على الأرض واضعا وسادة عالية يتكئ عليها. لم أهتم يومًا بأن أسجِّل شيئًا عن عادات القراءة والكتابة، وقد تهربت يومًا من حوار عن مكتبتي وأهم قراءاتي، أنا كائن نهاري بامتياز. أعلم حاجة الكُتّاب إلى هدوء الليل لممارسات نزيف الكتابة، فالليل كما يراه الكُتاب هو الواحة التي يهربون إليها من ضجيج النهار وصخب العمل. غير أنّي لم أكن كائنًا ليليًا أبدًا، بل كنت أُقدِّسُ طقوس الصباح.

ودائما ما أبدأ الكتابة في ساعات الصباح الباكر. لا أنكر أنني استغل الليل للقراءة وطرح الأفكار ومن الممكن تسجيلها. لكن لا أستطيع أن أقول إنني كتبتُ أكثر من عدة سطور، تكون صالحة لاستثمارها في ما بعد، لكن ما أن يبدأ النور إشراقاته الأولى حتى أبدأ الكتابة بالفعل وبلا توقف، حتى أشعر بأن وقت دوامي الرسمي بدأ فانصرف على مضض، باستثناء أيام العطل التي لا يصرفني عن الكتابة شيء. مارستُ الكتابة سنوات طويلة على الأرض دون الجلوس إلى مكتب، حتى في حضور الحاسوب، كان لديّ حاسوب شخصي صغير، أستخدمه في الكتابة، وأنا جالس على الأرض. فكرة الانتظام والالتزام بموعد محدد للكتابة لم تحدث إلا مؤخرًا – وإن كنت أخرقها – بعد إكراه العمل. فدومًا كنت مضطرًا للكتابة قبل بدايات ساعات العمل الرسمي. وفي أوقات الاستراحة كنت أنتهزها لمراجعة ما كتبتُ. لكني لا أكمل الموضوع. إلا في حالات نادرة.

ومن جانب اخر يوضح هشام ناجح  كاتب مغربي ان , لا أحد يدرك حقيقة الكتابة وانوجادها إلا عندما تتهادى نسمات الغبش، باثّةً فينا تلك الوحشة المبطنة التي تسعفها السكينة، فنتطلع إلى الخلق الأول الذي يخلق من رحم السواد، ويخرج الميت من الحي، والحي من الميت. الكتابة هذه المرأة الجميلة اللعوب تحتاج إلى أن نحمد الليل، ونسري بها إلى جلال الهدوء، بعيدا عن النهار الكاشف الواصف، فهي لا تهب نفسها للضجيج وكثرة الحركة، ولا تؤمن بالكشف الجلي عن مفاتنها إلا في حوزة السيد الأعظم، الذي يدعى الليل، فتعقد قرانها حين توصد الأبواب وتهمد اللعلعة، حتى تطبع قبلة الانغمار على جبينه، موحية ببداية مرجانية تشكل دواعي الفتنة، التي لا حد لها، لهذا كان لزاما عليّ أن أختار الليل للكتابة، وترويض وحشي الذي يبدو هادئا ومنسجما مع قناعاته، ليس بحس عاطفي كشاعر يرنو إلى القمر والنجوم وأرق الحب واللوم الزائف، بل لأحتفل بالحياة من جهة حكايتها، وأبعثر ذاتي في شخوصي الليلية، التي تبدو مرنة مع حدة الميل النفسي، حين تهمد الأضواء ينبثق ضوئي الخاص، وتتوقد شعلتي الداخلية لتنير المحطات، وتذكر بالمواعيد، فالذاكرة البصرية النهارية خؤون بشموسها وسرابها حد العماء، وعقل الكاتب ليس محفوظا في ثلاجة، يحتاج إلى هسيس الليل كمدية تشرخ الفعل الإنساني الشرس لينتج ما هو في حاجة خلاقة إليه.

اما خالد عاشور- كاتب مصري يشير الى ان , الكتابة متعةٌ. ومتعة الكتابة لا تكتمل في أغلب الأحوال عندي إلا ليلاً، ربما يرجع ذلك إلى جدتي لأمي التي ما إن يأتي الليل إلى قريتها في محافظة سوهاج جنوب الصعيد في مصر، حتى تبدأ تسرد حكاياتها عن (الغولة) و(الزناتي خليفة) و(السيرة الهلالية). أحيانا تغنيها، وأحيانا أخرى تسردها مثل راوٍ عليم عاصر كل انتصارات أبطال الحكايات وخيباتهم التي تقولها في سرد شيق تارة، ومرعب تارة أخرى، حتى أذهب في النوم خوفا أو نشوة.

ربط هذا الموروث السمعي وصلته بالليل مُتْعتي بالكتابة ليلاً، حيث الهدوء والصمت. وحين بدأتُ كتابة القصة القصيرة في بداية التسعينيات في بعض الصحف المصرية وحتى انتقالي للعيش في مدينة كبيرة بحجم القاهرة لأستقر فيها تماما، مغادراً مدينتي الأم في جنوب الصعيد لطبيعة عملي في الجامعة، ظلت الكتابة عندي مرتبطة بالليل لما تكون عليه مدينة القاهرة في الليل .

مقالات ذات صله