كونها مهدد بالانقراض ما هو آخر كتاب سيبقى لو اختفت الكتب واختفى القراء؟!

بغداد_ متابعة

أصبحت اللغة أحد العوامل الأساسية التي تحكم الظاهرة البشريّة، إذ لم تعد وسيلة للتواصل والتدوين فقط، بل امتدت نحو تكوين الإنسان وأفكاره وما يحيط به وبناء رؤيته للعالم، فـ”الكتابة عن الكتابة” أصبحت أساس الكثير من الدراسات والأبحاث والنصوص التي تتناول الظاهرة اللغوية وما ينشأ عنها كفعلي الكتابة والقراءة وصناعة الكتب والمكتبات وآليات النشر وغيرها، إلى جانب سياسات الكتابة وتقنيات السرد وأبعادها الجماليّة والسياسية والاجتماعيّة، لنرى أنفسنا أمام نصوص متنوعة سواء كانت علمية أم أدبية، واقعية أم متخيلة، تناقش الحضور ضمن الكتابة وظاهرة القراءة، لتأخذنا إلى عوالم لا تنتمي إلا إلى الكتب وعشّاقها.

تحمل المكتبة كمفهوم وكحضور مادي قيمة حميمية لدى مقتنيها ومرتاديها، هي أشبه بمساحات لا متناهية للاكتشاف أو على العكس سد منيع لا يمكن تجاوزه، فالمكتبة ذات هالة تَسِمُ أصحابها بـ”القرّاء”، عشاق الكتب ومدمني صفحاتها، تأسِرهم لساعات طويلة وأحياناً مدى الحياة.

الكثير من القصص والمؤلفات التي تتناول المكتبات تفتح المجال أمامنا للغوص في عوالم افتراضية وصيغ أرشيفية لا حدود لها، نكشف إثرها القراءة وطقوسها وتأويلات متخيّلة لمعارف وليدة ظاهرة الكتابة نفسها ومختلفة عن تلك التاريخيّة أو الروائية.

وفي ذات السياق نقرأ “مكتباتُهم” للكاتب والمترجم المغربي محمد آيت حنّا، الصادر مؤخراً عن دار توبقال، وفيه يأخذنا آيت حنّا في رحلة بحث ذاتيّة في مكتبته الشخصية التي تمتد حتى مكتبات الآخرين، وتحولات هذه المكتبات سواء على الصعيد الفيزيائي أو المجازي.

يُقسم الكتب إلى ثلاثة أقسام، يحاول فيها آيت حنّا أن يجد “المكتبة” ويضبط ميوعة تعريفها، معتمداً بعض الواقع والكثير من المتخيّل، كمن يريد أن يصطاد الماء من غيمة، فالمكتبة تحضر وتغيب لكنها فاعلة كأثر أو صدى.

ورث آيت حنّا هذه المكتبة المنتشرة في كل صوب، ليرى نفسه وسط رحلة البحث عن مكاتب الآخرين وعن كتبهم المتناثرة في أرجاء المنزل والتي تشبه “المنسيات” على حد تعبيره، هذه الكتب كأوجه بملامح ثابتة، يضعها من يقرأ ويبدل وجهه بها.

وبحث آيت حنّا ينقلنا إلى مكتبات الآخرين ووجوههم، لنرى أنفسنا أمام قرّاء ابتدعهم الآخرون بعضهم ذو حضور واقعي وبعضهم لا، لنقرأ عن عوالم بورخيس ويوسا وإيكو والجاحظ وغيرهم ممن كان اشتغالهم في الكتابة يتناول الكتاب نفسه والسرد بوصفه ذا حضور أنطولوجي لا يطابق ذاك الواقعي، ليغدو آيت حنّا مراقباً لقرّاء الآخرين، أشبه بمن يكتب حواشي لنصوص يفترض أن نعرفها، وإن لم نعرفها، هي تفعّل المخيّلة وتحثنا على قراءتها.

آيت حنّا يفتَرضُ أثناء جولته بين مكاتب الآخرين، أن القرّاء جنس مهدد بالانقراض، أقليّة منفية ومختبئة من الصعب العثور عليها، ولأولئك بالضبط يكتب المؤلف، للمصابين بداء الكتب وعشاق الصفحات والمصدقين ولو للحظة أن قرية بأكملها أصيبت بداء الأرق وفقدت ذاكرتها، من يتكورون أمام كتاب ويمارسون جهد القراءة عقلياً وجسدياً.

يتناول آيت حنّا “مكتبات” الآخرين في البداية بوصفها كيانا فيزيائياً، متناولاً أشكالها وأنواعها ظاهرة أمامنا كانت أم خفيّة، ثم الكتب واحتمالات تبدل أشكالها أو حتى غيابها، لننتقل بعدها إلى مجاز المكتبة، والكتب التي تتسلل إلى نصوص الآخرين.

فآيت حنّا يتعامل مع المكتبة كظاهرة نصيّة، من الممكن أن تحضر في أي مكان، سواء ضمن رفوف أو ضمن كتاب أو ضمن رقاقة إلكترونيّة ضئيلة الحجم، ليتعامل معها كموتيف، أو كمحرك تاريخيّ، تتفرع عنه أعراض نصيّة وتاريخيّة، ليبقى القرّاء بوصفهم القلّة القليلة القادرة على رصد هذه الظاهرة، وكأنهم أصحاب إكسير سحري يدلهم على “المكتبة” أينما وجدت.

يطرح آيت حنّا العديد من الأسئلة المرتبطة بالندرة، منها تساؤلات عن آخر كتاب سيحفظ لو أن كل الكتب اختفت أو من سيقرأ في حال اختفى القرّاء، باحثاً في العوالم والاحتمالات التي يبينها شخصياً كراوٍ، أو باحثاً في نصوص الآخرين وامتدادهم النصي ضمن الكتب، أشبه بأركيولوجي للمكتبات، ينبش فوضى العالم عن كل أثر تتركه المكتبة، سواء تلك التي اختفت كمكتبة بغداد أو تلك الحاضرة بعد موت أصحابها، بل وينبش في جحيم الكتب، في الزوايا التي ننفي إليها الكتب بعيداً، لأن بعضها أشبه بجذام.

مقالات ذات صله