كوكوش.. أسطورة إيران الغنائية

بغداد – وكالات

في مقهى كريستال بالاس في طهران في منتصف الخمسينات، كان موعد الفنان الكوميدي ولاعب الأكروبات الإيراني صابر أتاشين ليقدم فقرته الليلية للجمهور. أحس الفنان بحرقة في القلب استدعت نقله إلى المستشفى فوراً، وبقيت فقرته المقررة للجمهور خالية.
تذكر صاحب المقهى ابنة الفنان، فائقة الطفلة ذات الخمس سنوات، وكيف كانت ترافق أباها مقلدةً بعض الأغاني والحركات التي يقوم بها. انطلق إلى غرفتها وأوقظها من النوم لتنقذ الموقف. أخذها معه إلى المسرح لتقدم ما كانت تفعله كهواية في السابق، إذ تؤدي فقرة من البرنامج الترفيهي للجمهور، وهي واقفة على كرسي كي يراها الناس.
كانت تلك الليلة هي الانطلاقة الفنية لكوكوش التي لم تغادر المسرح ولا الشهرة حتى الآن.
ولدت كوكوش في طهران عام 1950 من أبوين أذربيجانيين، وفي سن مبكرة انفصل والداها. فقدت كوكوش أمها وبقيت تعيش مع والدها الذي اكتشف موهبتها منذ الصغر، فاعتنى بتدريبها وتعليمها الغناء والرقص.بعد أن قدمت عرضها الأول في الليلة التي مرض فيها والدها، زادت شهرة الطفلة الموهوبة يوماً بعد آخر، وبدأ الناس يتوافدون لمشاهدتها تغني على المسرح، مما رفع أجرها إلى مستوى أعلى من أجر أبيها.
في سن الثامنة، ظهرت كوكوش في أول فيلم لها بعنوان “أمل وخوف”، ثم تتالت أفلامها لتصل إلى 25 فيلماً، آخرها عام 1978.
هذه البداية المبكرة لنشاطها الفني من سن الطفولة حرمت كوكوش من إكمال تعليمها المدرسي، ولكن التعليم الذي تلقته من أساتذة آخرين عوضها عن الدراسة التقليدية. فقد التف الملحنون الإيرانيون حول هذه الموهبة الصاعدة التي لفتت الأنظار إليها بصوتها العذب وأدائها المتميز، والروح الجديدة التي بثتها في الحياة الفنية، وفي موسيقى البوب في إيران.
تجاوزت شهرة كوكوش إيران إلى بلدان عربية مثل العراق، حيث كانت أغانيها في السبعينات تذاع في التلفزيون وتباع في أشرطة الكاسيت في الأسواق، رغم عائق اللغة، وهو ما يؤكد عمق الموهبة التي لا تعترف بحواجز اللغة.
ونظراً لما أدخلته من تحديث على التذوق الموسيقي في إيران حين مزجت أنغام البوب الغربية بالكلمات وروح الأداء الشرقية، أصبحت كوكوش رمزاً للحداثة والتوجه العصري الذي كان يسعى نظام الشاه محمد رضا بهلوي إلى نشره. وأصبحت مطربة العائلة المالكة والبلاط الإمبراطوري المفضلة وغنت في عدة مناسبات أمام الشاه وعائلته.
حين اندلعت الثورة ضد الشاه وتهاوى نظام حكمه كانت كوكوش في لوس أنجلوس، ولكنها قررت العودة بسبب الحنين إلى الوطن.
سجنت بعد عودتها لفترة قصيرة وتم إطلاق سراحها لاحقاً. وبعد إعلان الجمهورية الإسلامية منعت من الغناء واضطرت إلى ملازمة منزلها منذ عام 1979 حتى عام 2000، حين سمحت لها الحكومة الإيرانية بمغادرة البلاد.
في يوليو 2000 بدأت أولى حفلاتها بعد غياب لأكثر من عقدين في كندا، حيث حياها الجمهور الذي بلغ 15 ألفاً بتصفيق عاطفي حار وقوفاً لمدة 10 دقائق، وأنهت رحلتها الفنية آنذاك بحفلتين في دبي.
شهدت حفلاتها إقبالاً منقطع النظير، وكأن السنوات العشرين لم تؤثر في شعبيتها بل على العكس زادتها تألقاً، في عام 2009 وبعد ما سمي بالثورة الخضراء في إيران، شاركت كوكوش في وقفة احتجاجية أمام مقر الأمم المتحدة للتعبير عن تضامنها مع أمهات من قتلوا برصاص قوات الأمن الإيرانية آنذاك، والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين في التظاهرات التي أعقبت خسارة المرشح الإصلاحي مير حسين موسوي في انتخابات الرئاسة.
في الأعوام التالية، طافت كوكوش دولاً عديدة مستقطبة جمهوراً واسعاً، إذ أقامت حفلات في كردستان العراق، ومسرح ألبرت هول الشهير في لندن، ومسرح نوكيا في لوس أنجلوس. ومنذ عودتها إلى الغناء، أصدرت كوكوش سبعة ألبومات غنائية تنوعت ألوانها بين الأغاني الشرقية الطابع والغربية الإيقاع.
في ألبومها السادس “إعجاز E’jaz”، لحنت كوكوش قصيدة لجلال الدين الرومي اسمها “أنا وأنت Bi manoto” وحرصت فيها على إعطاء كلمات الحب الشاعرية لحناً مغرقاً في روحانيته وشرقيته.
لا يبدو أن ملكة البوب الإيرانية، وهي في السابعة والستين من العمر، قد فقدت شيئاً من حلاوة صوتها وجاذبيتها وحضورها الطاغي على المسرح. فهي في هذا العمر لا تزال تتدفق حيوية وطاقة، وهي تستنطق حناجر الجمهور بآهات الإعجاب بأدائها الغنائي الراقص المبهج.
والأهم من هذا أن حضور كوكوش يعيد إلى الحياة أمام الناس صورة إيران الحديثة الحضارية التي يتباهى بها أبناؤها باعتبارهم ورثة فارس العريقة في الأدب والفنون. فكوكوش هي المرأة الإيرانية الجميلة، المتحررة، ذات الموهبة اللامعة في مقابل المرأة المتسترة بالشادور والحجاب التي فرضتها الحكومة الإسلامية بعد الثورة.
كوكوش التي لا تزال تتنقل كالفراشة على مسارح العالم وبين عواصمه هي خير نموذج للفنان حين يتحول إلى رمز يعبر عما هو أكبر وأعمق من مجرد تسلية أو صوت جميل.

مقالات ذات صله