كلُّ مَنْ عَليْها فان||عبد الحميد الصائح

سواء آمن مَن آمن بها مقدسة منزلة من رب العرش العظيم أم اعتقدَ مَنْ اعتقدَ بانها حكمة كُتبت من قِبل أحدِ عباده ، تبقى أدق ّوأصدق عبارة في تاريخ الكلام والكتابة والفلسفة والدين والدنيا حتى الآن،هي عبارة ( كلُ مَنْ عَليها فان )، فهي  النظرية المجربة تجريبا عمليا متصّلا دون تردد او تلكؤ اوانقطاع.

 نستحضر هذه العبارة كلما رحل عزيز من بيننا ، او رأينا جنازة او تذكرنا احبّة قدامى اوتأملنا من سيرحلون لاحقا، كذلك مصيرنا المحتوم جميعا – دون اسثناء – ، فتضطرب المشاعر ليختلط الخيال بالواقعية بالتواضع بالخوف بالاطمئنان بالخلاص بالحزن  بالسكينة بلاجدوى الاشياء على اختلافها وايضا بالعدالة ، لكأنّ كلمة الفناء  في الوقت الذي تبدو فيه قرارا باعدامٍ الناس اجمعين ، تبدو في جانب اخر وجهاً للمساواة بينهم ،  مساواة  الفقير بالثري ، الملك بالحوذي ، نجم سينما في هوليوود بالراكض لانجاز معاملة تقاعد في بغداد ، حيث لاراد لهذا الامر اذا حان، لاالمال ولا السلطة ولاالجبروت ولا الجمال ولا التجميل ولا النجومية ولا سيادة الممالك ولا امتلاك الاطيان.

“كلُّ مَنْ عَليْها فان” عبارة  تدوّي في تاريخ الوجود كله ، تجيب كلكامش في بحثه عن الخلود :  هذا الامر لاحياد عنه ، واذا اردت الخلود ياصاحبي يوصلك اليه عملك الصالح في ان تبني (اوروك) وتخدم شعبها لتظل خالدا في ذاكرته . مثلما تذكّر  سماحة الحجي فلان  بعدم جدوى شراهته في جمع الثروة من مال حرام  ليس مجهولَ المالك لان اصحابه شعبٌ عزيز بينه ايتام وارامل  وعاطلون ومرضى  حائرون عند ابواب المستشفيات.

هذه الجملة الصارمة الصادمة المجربة ، تحدّت كل  النظريات المادية والمثالية مجتمعة وكانت مثلا مشتركا لاثباتاتهما . ففي الوقت الذي كانت فيه درسا بليغا لشراهة بني آدم ، كانت سبيلا لمن يضحي  من اجل الاخرين وهو يعمل لآخرته كأنه يموتُ غدا . عبارة الفناء الحتمي هذه  شغلت المفكرين بماسيحصل بعد ذلك، فكان لتفسيرها رواد من المجتهدين والمشايخ الثقاة عبر التاريخ ، طبعا ليس المشايخ الذين يتراكضون على منصب مدير ناحية او عضو مجلس محافظة أو عقد توريد دهن وعدس او وظيفة مستشار عاطل في رئاسة الوزراء .

لكن الغريب جدا في عراق اليوم الذي تشرشح فيه البشر  وهم يعيشون تجربة مُرّة اختلط فيها الداعية بالمدعي ، ترى العلمانيين والشيوعيين هم وليس غيرهم من ينادي على الملأ: ياناس كلُ من عليها فان ، مايدوم غير وجهه الكريم ، والانسان ماياخذ  وياه غير عمل الخير ،   هذا الامر لاحياد عنه ياكلكامش اذا اردت الخلود ياصاحبي يوصلك اليه عملك الصالح في ان تبني (اوروك) وتخدم شعبها لتظل خالدا في ذاكرته .

مقالات ذات صله