قضاء المسيب بين الأصالة والعراقة.. سفر طويل

 الجورنال / خاص

المسيّب مدينة تقع بين العاصمة بغداد شمالاً ومدينة كربلاء المقدسة الى الجنوب الغربي، وتقع مدينة الحلة مركز محافظة بابل في جهتها الجنوبية، وتقع ناحية الاسكندرية في شمالها، وناحية جرف الصخر ومحافظة الانبار من الغرب، أما ناحية «سدّة الهندية» فتقع في الجنوب. وتحدّها من الشرق نواحي وقرى قضاء المحاويل التابع لمحافظة بابل. شطر نهرُ الفرات المسيبَ الى قسمين: القسم الكبير مما يلي بغداد، والقسم الصغير مما يلي كربلاء المقدسة، يحيط بها نهر الفرات من جهتها الشمالية والغربية، مشكلةً نصف دائرة.

في المسيب جسران: الأول، جسر المسيب الشهير والمعروف باسم «الجسر القديم» والذي أنشئ عام 1937، والذي يتوسط المدينة. أما الجسر الثاني فهو الجسر الجديد والذي يربط الطريق الرئيس بين كربلاء المقدسة و بغداد، ويسمى بـ (الجسر الشمالي). ويعتقد أن اصل تسمية هذه المدينة يرجع إلى امرين، الاول نسبة للتابعي الجليل سعيد ابن المسيب ومن اطلق هذا الاسم عليها أحد الخلفاء العباسيين ذلك لجمال وخصوبة هذه الأرض ولكثرة نخيلها واشجارها التي تجعل من هيئتها رياض خضراء تليق بمقام هذا الصحابي. والثاني يستند لرواية أخرى وقعت قبل العصر العباسي مفادها أن للتسمية معنى أخر ورد بعد أن سُبيّت خيول ونساء معركة الطف التي وقعت في كربلاء حيث عسكر جنود الدولة الأموية في بساتينها وهم بطريقهم إلى الشام حاملين رأس الامام المظلوم الحسين أبن علي أبن أبي طالب عليهم السلام إلى يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. والمسيب قضاء من (بابل) يشطرها الفرات إلى شطرين، يمتاز قضاء المسيب بقدمه وخطورته التاريخية، إضافة لأهمية موقعه الجغرافي، فأن أهل الكوفة بعدما نقضوا بيعة الإمام الحسين بن علي (ع) وحاربوه في أرض الطف، أجتمع قسم ممن تخلف عن نصرته بسبب مضايقة السلطة له في دار سليمان بن صرد الخزاعي وقرروا القيام بالثأر له، وأتفق الرأي على رئاسة سليمان، فأن قتل فمن بعده المسيب بن نجية الفزاري في القرية التي سميت بعد ذلك باسم المسيب المذكور مقراً للحركات الحربية لأن المؤن والأرزاق التي كانت ترد على العراق من سورية، ومن سائر الأطراف، كانت ترسل بطريق النهر مارة بالمسيب وقد سمي هؤلاء بالتوابين لأنهم تابوا وندموا على ما فعلوه بابن بنت رسول الله (ص) فرأوا أن يغسلوا العار الذي لحق بهم فحاربوا أبن زياد محاربة انتهت بقتلهم عن بكرة أبيهم. أما الآثار الشاهدة والتلول المرتفعة التي تحيط بالمدينة فأنها تدل على وجود عمران قديم سبق بناء هذه القصبة كآثار (قلعة أبن هبيرة) وموقعها الجغرافي على الفرات (قرب مرقد الإمام أبو الجاسم حالياً) يوضح كونها أول مدينة تصل إليها السفن في الفرات الأوسط يقضي بأن تكون مركزا تجاريا في جميع أدوارها ومختلف عهودها.

أما المسيب اليوم فمدينة تكتنفها الحدائق والبساتين على جبين الفرات، إن أنى أنساب الماء وتدفق شريان الحياة وتجري فيها السيارات، كما يمر بها الخط الحديدي الممتد ببغداد والبصرة وأنشأ جسر حديدي سنة 1937. يقول الأستاذ المحامي ( علي جواد الصاهود)  بني جسر المسيب في الثلاثينات وإنتهى في عام 1937 وتم أفتتاحه في زمن الملك غازي وكان متصرف لواء الحلة حاضرا في الصوب الصغير عن بناية البلدية (كازينو علاء حالياً) والبناية كانت من طابقين – بناية البلدية – الأركان الثلاثة (طرام) وقف المهندس آنذاك عند الافتتاح وخطب بالناس حيث قال : ((كلف الجسر (120) مائة وعشرين ألف دينار – وبعد ثلاثين سنة سيبدأ الصب (السمنت) بالتآكل))، وفعلا تآكل وصب ثانية حينها عبر الناس بالـ(دوَّب) وقال أيضا : ((بعد خمسين سنة لا يتحمل الجسر حمولات كبيرة)) وفعلا لا يتحمل الآن حمولات كبيرة. عند بناء الجسر حول على شكل جساريات (وهو الجسر القديم) من الجانبين مجاور(مسجد الفرات) ثم نقل إلى مكانه الحالي (الحديدي) عند نقل الجسر القديم فتح الشارع عام 1932 والسيارات تسير في شارع مستقيم وبعد ذلك ينحرف حول المدرسة القديمة وكانوا يستقطعون مبلغا رمزيا عن كل حيوان يعبر الجسر. واليوم بني جسرا جديدا يربط طريق بغداد – كربلاء المقدسة بني في السبعينات على يد (الخبراء اليوغسلافيين) وأعيد أعماره بعد تفجيره عام 2003 بعد السقوط وجسر المسيب القديم يحتاج إلى إعمار من قبل (مديرية الطرق والجسور) وأجزاء من سياجه مهدمة وهو يربط مركز المدينة الحالي بالصوب الصغير ويؤدي مهمات جلة لأهل المدينة. يقال أن المغنية (صديقة الملاية) المغنية المعروفة كانت قد أحيت حفلة في مدينة المسيب وأثناء الحفلة أعجبت بأحد شبابها وكان جميل الصورة شاباً مرحاً وغنياً وهو (جواد الصاهود) فأحبته وغنت أغنيتها المعروفة (جواد.. جواد.. مسيّبيّ).. و(على جسر المسيب سيبوني). وهكذا كان تراث هذا الجسر إضافة لخدمته. ومن الجدير بالذكر أن للمدينة هذه موقع ستراتيجي وسياحي وتأريخي مميز حيث ان قربها من مدن وسط العراق الحيوية بغداد وكربلاء والحلة جعل منها سوق خصبة على الصعيد الأقتصادي والتجاري ومجتمع متنوع ومنفتح على الصعيد الأجتماعي وصيد ثمين لجميع مستعمري بلاد ما بين النهرين فقد أنشأ البرطانيون فيها إحدى أهم حامياتهم العسكرية في الشمال الغربي من المدينة ليدعى اليوم بضاحية (الحامية) نسبا لتعسكر البريطانيين في هذه المنطقة كما بنى الأستعمار العثماني من قبل سرايا ضفاف الفرات ليكون متنفسا للطبقة البرجوازية العثمانية ودار لحكمهم ومن قبلهم اعتبرها السلاجقة والتتر مركزاً عسكرياً مهماً لبسط نفوذهم على المدن المهمة في وسط العراق وعاصمته بغداد للتدخل ان حدث ما يهدد حكم هذه الدول للعراق، كما ان لمدينة المسيب بوادر لنشر المعارف والعلوم حيث    بنيت أول مدرسة ( كما يقول الأستاذ علي جواد والأستاذ مهدي الأنباري) في منطقة الشيوخ عام 1920 وكان أول مدير لها هو الأستاذ المرحوم (أمين الخضار)، أما أول مدرسة للبنات ابتدائية فهي في عام 1933 وكانت مديرتها الأولى ست عائشة ثم الست زبيدة مربية المرحوم الملك فيصل الثاني التي ألتقى بها بالمسيب عام 1943 وأظهر لها الاحترام والتسجيل وأفتخر بها لأنها كانت مربيته، ومن الابنية التعليمية القديمة ايضا بناية مدرسة البنين بنيت في زمن الأتراك وعلى بابها منقوش أربعة عشر نجمة تمثل ألوية العراق، أما أول مدرسة متوسطة فهي كانت بمبادرة من الأستاذ (حسن الأنباري) حينما كتب طلبا إلى تربية بابل عام 1943 وبتواقيع أهالي المسيب فوافقت التربية وساهم شباب وأهل المسيب في بنائها (حاليا مدرسة عقيل الأبتدائية) وأفتتحها رئيس الوزراء في العهد الملكي المرحوم (صالح جبر) عام 1944، ومديرها المرحوم الأستاذ (حسن الأنباري) وعدد طلابها آنذاك (ثلاثين طالبا). وأكملها الشباب ليلة الافتتاح في البناء واللبخ. واليوم فيها إعدادية كبيرة هي (إعدادية المسيب للبنين) بنيت عام 1961 والان مهملة تماما ولم يشملها الإعمار بعد السقوط وحدائقها مهملة وفيها نقص كبير وأبواب وأثاث المدرسة قديمة منذ الستينات.. حتى مغاسلها لم يصلها الماء.. وطريقها تراب.
ولا ندري ما سبب إهمالها.. وصفوفها مكتظة حتى أن عدد طلاب كل شعبة من الصف الرابع ما يقرب سبعين طالبا..؟؟ وفيها ثانويات مكتظة..وكان لهذه المدينة اهتماما ملحوضا بالحركة الثقافية وانتشارها عبر مكتباتها وأول مكتبة خاصة للمرحوم (صالح الريس) جاء من كربلاء المقدسة.. وأتى مع الأستاذ مهدي حسن مدير الأبتدائية حينذاك.. داخل السوق الكبير وذلك خلال الأربعينات من القرن الماضي.. وكان أحيانا يدفع له مبلغاً رمزياً مقابل استعارة كتاب معين أو قراءة مجموعة جرائد في مكتبته.. وساهم في رفد الحركة الثقافية عند الطلبة والمعلمين والمتعلمين.. بمجلات كانت توزع من دور النشر وفيها أطلع الناس على الأفكار والآداب والعلوم.. أول مكتبة عامة تأست عام 1961 ولا زالت في مكانها الآن.. والآن تفتقد المدينة لمكتبة كبيرة عامرة إلا من بعض المحلات الصغيرة التي تبيع كتباً معنية وخصوصاً الدينية.. والجرائد والمجلات، ولهذه المدينة معالم دينية واضرحة ومزارات لها شأن كبير عند المسلمين قاطبة منها ضريح اولاد مسلم بن عقيل (رض) وكذلك مرقد الامام القاسم بن الحسن بن علي بن ابي طالب (عليهم السلام) ومن المراقد المقدسة ايضا في هذه المدينة هو مرقد السيد احمد بن ابراهيم المجاب بن محمد العابد بن موسى الكاظم (ع) ، وتميزت هذه المدينة بوجود عدد من الاسواق والمقاهي في العشرينات والثلاثينات.. وبعدها.. كانت المدينة أنظف من الوقت الحاضر (كما يحدثنا الأستاذ علي جواد الصاهود) وكانت في كل منطقة يوجد بناء على حائط تجمع فيه الأوساخ يسمى (معلف) ثم يتم جمع الأوساخ في عربة خاصة وترمى خارج المدينة.. كان السوق الكبير على شاطئ الفرات ويتم فيه البيع والشراء مثل اسواق الجزيرة (لصاحبها حامد عبد الامير) وهي أقدم اسواق كبيرة واسواق الحسنين أيضا في سوق المسيب وكانت المقاهي داخل السوق على الفرات كمقهى (عمران الخنفور) وعند الجسر الخشبي – مقهى الغجري – ومقهى سلمان مقابل الحسينية ، ومقاه  اخرى شكلت ملامح تأريخ هذه المدينة كمقهى (عباس الصدام) و (مقهى مهدون) الشهيرة حين كان يجلس فيه شخصيات المدينة.. كانت حامية المسيب  (كما يقول الأستاذ مهدي الأنبا ري فيها اللواء الأول وكان الضباط يجلسون في مقهى مهدون – حيث كانت الشخصيات تجلس فيها وكان في الجهة المقابلة لمقهى مهدون يجلس الزعيم عبد الكريم قاسم وكذلك كان المهداوي وأحمد حسن البكر والضباط الكبار. المدينة كانت ترش بصندوق ماء يملأ من الفرات بالصفائح ويسحب العربة حصان وتملأ (القربة) ويرش منها الماء في مناطق المسيب كلها حتى الأزقة، وتكتنف البساطة وطبيعة الحياة لمجتمع هذه المدينة لدرجة ان الإنارة عبارة عن فوانيس تملأ بالزيت يوميا.. فانوس داخل آخر ينظف عصراً مع السلم في كل فرع وعلى رأس كل شارع ، وعلى صفحات الابداع قدمت لنا هذه المدينة العديد من الاسماء اللامعة في الادب والثقافة والرياضة وسيبقى رياضيي وطلاب ثانوية المسيب يتذكرون بفخر واحداً من اعلام اساتذة الرياضه العراقيه وهو المرحوم فؤاد فرج المسيبي ابو فاروق حيث زرع بذرة حب الرياضة وحصد الجوائز والبطولات الكثيرة على مستوى المحافظة والعراق وكذلك كان مديراً لملعب الكشافة وملعب الشعب ابان تأسيسه وتشهد له الحركة الرياضية الاولمبية العراقية بذلك ،
كان هناك العديد من الرياضيين نالوا بطولات المحافظة دائما في ألعاب الساحة والميدان كالمرحوم (هادي السيد فاضل) والحاج حسين عبد المجيد الزبيدي والحاج جاسم سعود والمرحوم نايف كصب الجنديل وفي الأثقال كالأستاذ سلمان مكاوي لبطولة العراق والمرحوم (عبد الله حسين) لبطولة آسيا و(مهدي علي شويخ) والمرحوم (جعفر أبو العيس) والمرحوم (مسلم حسن الأحمر) والمرحوم (حمودي جعفر) و(حمزة جسام) والمرحوم الدكتور عبد الستار الجلو و(ناصر أبو عليوي) و (حسين جسام) و(عسكوري عبيد الجبر) لبطولات العراق و(هادي علي شويخ) لبطولة العراق للأثقال عامي 1971 و 1972 وكانوا يلعبون أما في جزرة المسيب أو في دار الأستاذ سلمان مكاوي إلى أن أنشأ ناديا رياضيا عام 1966 وأخذ أهل المدينة يحصدون الجوائز في الأثقال وكمال الأجسام والمصارعة الحرة، وكل ما ذكرته صفحات التأريخ جعلت من هذه المدينة عنوانا للعراقة والاصالة ….

مقالات ذات صله